سألوه : لما أنت كثير التصنّع؟
أجابهم : ابقوا في حالكم خير لكم
................................................
🌾.......
🍞
بالعودة للوقت حينما كانوا بالطائرة وغفوة أصلان..
" أهو نائم؟ "
" لا بل يتأمل جمال الكون في نفسه "
" نننن مضحكة جداً"
" لم ألقي دعابة كنت أسخر من سؤالك الغبي "
" كنت أسخر أيضاً أيتها الـ..! اسمعي.. عليك العمل على هذا إذا كنتي لا ترغبين في التعرض للنبذ أو الإستبعاد "
رمقت أميرة فارس المسند لخده على يده المتكئة على إطار نافذة الطائرة بضجر قائلة " لا أظنك تقصد السخرية "
" بل أقصدك كلك من سطحك لأساسك " قال مشيراً عليها من أعلى لأسفل بازدراء مستأنفاً " يكفي أنك قزمة وغريبة أطوار مريبة الأعين صاحبة نبرة صوت مزعجة حد الإعياء مع أسلوب كلام يبدوا لآلة كتابة تُشنق بالله كيف لأحد أن يتقبّلك؟ "
" لا أبتغي الحصول على قبول أو رضى أي أحد عني "
ضرب فارس مسند المقعد بيده قائلاً بصوت مشحون لكن منخفض لأنهم في مكان مغلق مع العديد من الأشخاص الأخرين وبجانب والدهم المرهق" أيتها الحمقاء أنتي لا تفهمين! .. ذلك الرجل النائم على المقعد جوارك أنهكته الفوضى التي سببها جنونك في المطعم وفوقها لم يتناول عشاء الأمس بسببك وخرج من الغرفة غاضباً لعدم إخبارك له عن ندبتك السخيفة! .. أتظنينه سيتحملك لفترة طويلة وأنتي على هذا الحال؟.. هه فقط أعطه بضعه أيام ليجرب العيش معك تحت سقف منزله واستمري فيما تفعلينه لتجدي نفسك ملقاة في الشارع في أقل ما يكون "
" لما يزعجك هذا بشدة؟ فلست أنت من سيتم التخلي عنه حسب توقعاتك" سألت بأعين يغشاها الهدوء مناظرة الفتى الذي يرمقها بتعابير يتفشى منها الغيظ والحنق.. ارتفع ضغط فارس من سؤالها الغبي فرفع كلتا يده محركاً لأصابعه بحركات عصبية قائلاً ببتسامة حانقة من مدى جهل هذه الفتاة بالعالم " أتظنين الشارع مثل أياً كان المكان حيث أتيتي منه هاه؟!.. إنه ليس مؤسسة خيرية لتتواجد به قزمة مثلك! سيتم أكلك في أول دقيقة لك هناك بعد أن يأخذ أحد ما باله منك بسقوط عملات معدنية من يده على الأرض أو شيء كهذا! "
" لديك مشكلة مع طولي؟ " قالت عاقدة حاجبيها بما يبدوا كاستهجان ليصرخ فارس بهمس" هذا ما لفت انتباهك فقط مما أقوله؟! "
" لست متمسكة به بل هو من يتمسك بي ولديه الحرية في إفلاتي متى ما أراد وأبلغته بالفعل أنه يمكنه فعل ذلك وتركِ لأنه لن يقدر على تحملي لكنه عارض بسبب علاقة الدم التي تربط بيني وبينه بقيد مسؤوليته الأبوية تجاهي" قالت وهي تنظر لأصلان النائم من زاوية عينها وعلى الجانب الأخر كان غضب فارس قد تلاشى وحلت ملحه الحيرة.. تعاضدت عتلات عقله على العمل معاً في محاولة فهم معاني التقرير الصعب الذي أملته عليه وباستهلاك الكثير من البخار وصل لفكرة مبدئية " يعني أنتي لا تحبينه؟ "
" أتفعل أنت؟ "
" هيه! لا تقلبي السؤال نحوي وجاوبيني! .. هل تكرهينة؟ " سأل رافعاً حاجبه بترقب وعلى نظرته تربع الشك.
" لا أحمل مشاعر كهذه نحوه أو نحو غيره بل أراه كما أرى كل البشر.. مجرد عابري سبيل يمرون قرب بعضهم دون إلقاء تحية إلا وقت إحتياجهم لمصلحة ما "
" إغغغ رأسي يؤلمني من كل هذا التفلسف" قال ممسكاً رأسه بدوار ونبس من بين أسنانه بغيظ " فقط ما الذي أوقعني معك؟ "
أشارت أميرة ناحية أصلان بكلا كفيها كأنها تقدم الإجابة له تقديماً ليرتفع جرّاء ذلك ضغط دم فارس مجدداً حتى كاد يصل درجة الغليان غير أنه ضَبَط نفسه آخذاً نفساً عميقاً وزفره بتروٍ ثم قال لها ببتسامة هادءة يشع منها نور السلام الداخلي وبنبرة تبدوا لزاهد اكتشف معنى الحياة " فقط جاريني فيما أفعل هناك وستكونين بخير تمام؟~ "
" أرفض "
" رُغماً عن أنفك إذا~ " قال بأكثر بسمة مسالمة على الإطلاق.
عند الوقت الحاضر~
في الثواني الضيقة التي همت بها سارة لمعانقة التوأمين على حين غرة خطت أميرة للخلف ناوية التملص من هذا التلامس الغير الضروري من منظورها غير أن فارس أمسكها من عضد ذراعها اليمنى مانعاً لها من الحراك حتى تم تطويق كليهما بذراعي أختهما الكبرى فقامت أميرة بقرص جانب فارس الأيمن بيدها الحرة في الخفاء.
أبعد يدك عني' أمرت أميرة بصرياً بأعين ضجرة باردة وهي تقرص جانب فارس وربما كليته تعتصر بين أصابعها.
' في أحلامك .. أنسيتي ما اتفقنا عليه؟! ' قال فارس بصرياً بأعين مشدودة بسبب صرخة الوجع التي يكبتها داخله غارساً أظافره في عضد ذراعها مانعاً لها من الحركة.
' لم أوافق على اقتراحك ذاك ' قالت بصرياً مستمرة فيما تفعله.
' لم يكن اقتراحاً! ' زجرها بأعين حمراء مستمراً فيما يفعله ولم يتنازل أي منهما عن موقفه المتضارب مع موقف الأخر.
فُكّ العناق لتناظر سارة التوأمين بنظرة حانية زينتها دموع المحبة ممعنة النظر في ملامح أخويها الصغيرين ذوي النظرة الضجرة والـ..وجه الشاحب؟
رمشت سارة بتفاجئ من ملامح فارس الشاحبة وهو يبتسم كشخص على وشك مفارقة الحياة ممسكاً كف أميرة التي تنظر جانباً بضجر.. الظاهر أن خامة سترتها جعلت هجوم فارس ضعيف الضرر على عكس من هو على وشك التقيؤ..
في الحقيقة لم يعد يستطيع التحمل أكثر فستدار مطلقاً سراح توأمته ومطلقاً أيضاً لعصارة معدته العنان على العشب قرب مدخل الباب.. هرع أصلان مسرعاً ليتفقد حالة ابنه بقلق شديد من تقيؤه فجأة في حين أسرعت سارة لداخل المنزل قائلة على عجل وقلق باد عليها " سأحضر بعض الماء له! " مسح الأكبر ظهر فارس الذي فرغ من التقيؤ وصاح مع دخول سارة المنزل " اجلبي منشفة أيضاً! .. كيف تشعر أتتألم؟ " قال أصلان وهو يتفقد حرارة جبينه بيده.
تنفس فارس بثقل مجيباً ببتسامة متعبة " أنا بخير إنه .. دوار حركة " نبس بتقطع عندما غطى فمه بسبب إعتلاء منسوب الغثيان لجوفه مجدداً.
" أمازلت تشعر بالإعياء؟ " سأل أصلان وقلقه يتزايد مع كل ثانية فابتسم الأصغر بوهن معيداً أنه بخير. عادت سارة بكوب ماء ومنشفة وقدمتهما لفارس وهي تغرقه بالأسئلة إذا ما كان بحاجة لشيء ما فعاود الأصغر نفس الكلام الذي قاله لوالده محاولاً تهدأه قلقهما عليه دون جدوى وعلى بُعد عدة خطوات منهم جميعاً كانت أميرة تشاهد بصمت وبنظرة هادءة مبهمة.
تم نقل فارس لغرفة نوم كي يرتاح مؤجلين جلسة التعارف حتى يتحسن.
مستلقياً على فراش بلحاف كحلي منفوش متأمّلاً السقف فوقه وشعر غرته ينسدل لأعلى بزاوية مائلة جانباً إزاء استقرار رأسه على وسادة منفوشة سمحت لعينه العسلية بالظهور من مخبئها.
" لما أنتي هنا؟ " سأل دون النظر لصاحبة الأعين الرمّانية التي تجلس على الأرض عاقدة لذراعيها فوق السرير مسندة ذقنها لحافته قريباً من ذراع المستلقي..
كان ليشبهها بكلب قلق على صاحبه لو لم تكن بهذه الـــ... لالالاي وحسب!.. هو لا يملك فكرة!.
" أتسائل ما الدافع وراء فعلك لذلك "
" بما تُنقنقين؟" قال مدحرجاً مقلتيه نحوها دون أن يدير رأسه.
" التقيؤ عن عمد " قالت بضجر
" ما الذي تقصدينه؟ تقيأت بسبب عصرك كليتي كما البرتقالة الرخوة! " قال عاقداً حاجبيها بلوم.
" كنت واقفة قربك ورأيت كيف كانت معدتك تعلو وتهبط بشكل متكرر واستغربت تلك الحركة حتى فهمت أنك كنت تخلط سوائلك الهضمية ببعضها مسبباً قوة دفع ليتصاعد غثيانٍ ينتج من بعده تقيؤ وحموضية الليمون ساعدت على جعل ذلك أسرع فاعلية صحيح؟ " شرحت بضجر ليبتسم فارس بخبث ومن ثم يضع كلا كفيه تحت رأسه معترفاً :
" بلى .. أعتقد علي شكر أساليب التربية الحديثة على ذلك.. يبدوا أن عينيك ليست مخيفة الشكل فحسب بل تملك تلسكوب حشرية لتري حركة أجيد إخفائها كتلك.. سيكون علي الحذر أكثر عند التمثيل قربك من الأن فصاعداً "
" ما حاجتك لإدعاء الإعياء أساساً؟ "
" يجب أن لا يكون دخولي الأول عادياً أحب أن أضع بعض اللمسات الدرامية التي تجعله حدث ليس بالمألوف ولا يزول أثره بسهولة "
" عليهم فقط جلب مجرفة وسيزول أثرك من الحديقة "
" لا أعني بالمعنى الحرفي يا غبية! " قال ناهضاً بجزءه العلوي بعصبية ليصعقه شعور حارق لاسع من إصابه معدته إزاء فعله المتهور.. أمسك فارس معدته بتؤوه مكتوم ثم عاد بنظره ناحية رأس توأمته القابع على السرير بملامح ممتعضة ونبس "إذا أردنا البقاء هنا علينا كسب أكبر قدر من التعاطف وقبول الأخرين "
" علينا؟ " قالت رافعة حاجبها له.
" أجل علينا!.. أنا وأنتي.. مُثنّى " قال مشيراً لنفسه ثم لها ثم جامعاً كلا سبابتيه معاً نابساً كل كلمة على حده لتصل الفكرة لرأسها .. عقدت حاجبيها بإنزعاج طفيف من أسلوبه قائلة " وما دخلي أنا بمسرحيتك؟ "
رد متكتفاً " دخلك أنك توأمتي وجزء من صورتي شئتُ أم أبيت فحتى لو كنتي تقفين خلف الكواليس ستكونين كظل قبيح يحتل الخلفية وتفسدين كل شيء لذا عليك العمل كدور داعم لي أثناء تمثيلي لينجح العرض "
" أرفض" قالت ناهضة من على الارض ناوية الخروج من الغرفة وعندما وصلت أمام الباب فمدت ذراعها لتمسك المقبض لكن أوقفها عن إنزاله قول فارس خلفها من على فراشه " أرجوكِ لا تفسدي الأمر علي.. لقد هرمت من طول الشقاء وأرهقتني دناءة الحياة وهذه فرصتي المنتظرة للعيش بشكل جيد فرجاءاً لا تفسدي هذا علي " أدارت جانب رأسها لتراه يرمقها بتعابير مترجيّة نبرة صوته كانت يائسة للغاية وبضوء الغروب المتسلل عبر النافذة صارت عينه العسلية تتوهج ببريق حزين لتجعل من شكله مثيراً للشفقة ومحركاً للعواطف..
وضع بعض الإخلاص في هذه اللقطة.
استدارت أميرة بشكل كامل فتأهب فارس لسماع ما ستقوله معتصراً الغطاء بيديه فوق فخذيه بتوتر " ماشي " قالت بضجر أهلها أسارير فارس رافعاً قبضته بنصر ثم قال ببتسامة عريضة "صدقيني لن تندمي على ذلك على الإطلاق! "
تقدمت بخطوات رتيبة ضجرة وكأنها مرغمة على ما تفعله وقالت حين جلست على الكرسي المقابل لسريره بشكل منزلق والذي وضع لتجلس عليه من البداية " لا تملك أقل المفروض من المصداقية لأفعل.. إذا ما خطوتك القادمة؟"
" الأن سأنام وأنتي لازمي جانبي" قال ممسكاً طرفي غطائه وعاود الاستلقاء على فراشه ببتسامة مرتاحة متهيأً لأخذ غفوة لطيفة.
" ما رأيك بأن أؤنسك بالوقوف خارج الحمام عندما تدخله ليلاً أيضاً؟ " قالت بسخرية ليزجرها بغضب " كفي عن التحذلق!.. أفعل هذا لكي نحسن صورتك أمام الأخرين لتظهري وكأنك تهتمين لتوأمك!. بجدية ليس وكأني مرتاح وعينا السمك العفن خاصتك تحدق بي ييششش " قالها بتعبير مستنفر مجعداً أنفه بازدراء وهو يميل للجانب المعاكس لها ممسكاً طرف اللحاف ببتعاد.
" لا أفهم كيف تستمر بنقد هيئتي وأنت أحول بالكاد يرى جيداً بسعف نخيل ينسدل على جبينه" قالت ليغتاظ فارس بشدة فيقول ناهضاً بعصبية شديدة " يا ..! " قاطع كلامه قرع الباب من الخارج فابتلع كلماته التي كانت كلها شتائم واستلقى على ظهره بملامح طفل نائم بسلام قبل دخول أصلان بفارق زمني قدره ثوان فاصلة.
سأل أصلان الذي دخل مرتدياً ملابس مريحة وهو يقترب من سرير فارس " أهو نائم؟ "
" على حسب رأيك " قالت وهي تحدق بفارس المتظاهر بالنوم بضجر ولم تتحرك ملامحه ولو قليلاً حتى عندما قام أصلان الانحناء ووضع يده على جبينه 'لديه قدرة كبيرة على ضبط عضلات وجهه وحركة بؤبؤي عينيه المغمضة' فكرت أميرة باهتمام بقدر ما من إحتراف هذا الفتى تقنيات التمثيل.
رفع أصلان يده من على رأس فارس مستقيم الوقفة ثم ربت على رأس أميرة الجالسة على الكرسي " سيكون بخير لذا يمكنك الذهاب للراحة أيضاً لا بد أنك متعبة من السفر" رغبت أميرة في الموافقة والذهاب لفعل شيء مثمر كقيلولة تدوم لنهار اليوم التالي بدل تضييع الوقت بالتحديق بوجه فارس لكن مع خياله الذي نهض مشيراً لها بعلامة الذبح على نحره مهدداً بالويل لها إذا ما وافقت زفرت من أنفها قائلة "سأبقى"
" هه أظنك وقعت له أنتي أيضاً لتبدئي بالقلق عليه والإهتمام به بهذه السرعة.. هذا الصغير يدخل القلب بسهولة عجيبة " قال أصلان ناظراً لفارس بمحبة غير منتبه للتي ضيقت عينيها باستنكار مطلق لما قاله مبعدة يده عن رأسها.
إلتفت ناحيتها ثانية" سأذهب لأرتاح قليلاً وستتفقدكما سارة لاحقاً أنتي بخير مع ذلك؟ "
صمتت أميرة ولم تجب.. الوضع كله لا يروقها من أساسه ولا فرق لديها في من يأتي أو يذهب فكلهم بشر متكلمون ومزعجون .. آهٍ كم تتمنى الحصول على برميل وحبذا لو لديه غطاء مثقوب لتنعزل عن الجميع داخله لعدة أيام تتعافى فيها من كل هذا التواصل البشري المتعب.
" لا تعبسي ستظر لك التجاعيد " قال مرخياً عقدة حاجبيها بسبابته لتنظر له من أعلى وأسفل ثم ترفع أحد حاجبيها بسخرية " ما الأمر مع تلك النظرة؟" سأل رافعاً حاجبه ببتسامة متسائلة.
" كينغ بالبيجامة والله " قالت ملصقة أنملتي ابهامها بسبابتها مرفوعة اليد قليلاً وبنظرة ساخرة ليقول أصلان بتكبر مصطنع عاقداً ذراعيه " أعلم .. أبدوا رائعاً في كل حالاتي"
أنهى جملته مربتاً على رأسها ثانية بمشاكسة وتحرك خارجاً من الغرفة لكنه قال وهو ممسكة لمقبض الباب لإغلاقه خلفه " إذا احتجتي شيئاً فاطلبي من سارة ولا داعي للشعور بالخجل اتفقنا؟ " أغلق الباب نهاية كلامه لترمق أميرة الباب بنظرة ضجرة
" يطلب مِن مَن صرعت فتاةً أرضاً بنطحها لها كالعنزة أمام خمسين شخصاً ألا تكون خجولة؟.. أين كان عقله حينها؟.. كوكب زمردة؟ " قال فارس ناظراً جهة الباب بملامح متهكمة وهو مستلقٍ..
إلتفتت أميرة ناحيته معربة عن تأييدها " أشك أيضاً أن وعيه كان حاضراً حينها بعد الذي قاله "
" فعلاً " وافقها الرأي بضجر ليحل صمت بينهما لـ" لا لا لن نعود لذلك بععع! "
" ما خطبك؟ "
" إذا عاودتي وضع البومة المراقبة فأقسم أني سأرميك من النافذة.. دعينا نتكلم مثل باقي البشر الرحمة! " قال رافضاً تماماً إعادة ما حصل عند لقائهم الأول يكفيه عيش غرابة غير مريحة كتلك ليوم واحد.
" متطلّب.. عن ماذا تريد أن نتحدث؟ "
" لا أعلم أخبريني شيئاً ممتعاً " قال جامعاً كفيه تحت رأسه بملل دون أي تطلعات.. رفعت أميرة رأسها محاولة إيجاد أكثر حدث يمكن وصفه تحت مسمى الممتع قد حدث معها في الفترة الفائتة فتذكرت ما حدث في آخر يوم لها في الميتم وما فعلته بالمشرفة وقاست أنه يتوافق مع خصائص الكوميديا فأنزلت رأسها مختارة ما القصة التي سترويها لترى فارس يحدق بها بتبرم يبدوا مثل ' ما خطب هذه الغريبة؟ ' بسبب رفعها لرأسها لأعلى وكأنها تستحضر علماً قديماً إندثر عبر العصور.
تجاهلت تعابيرة شارعة في قصّ ما حدث لينفجر فارس ضاحكاً مع نهاية حديثها بخروجها من الغرفة تاركة المشرفة بين الحياة والموت " هههه يا إلهي لو لم أرى ما فعلته في المطعم لقلت أنك تكذبين! هاهاههاهاه أنتي عنزة مجنونة بحق! " قال صافقاً الفراش أسفل كفه من فرط الضحك.
" لو سمعتَ صوتها المريع لقمتَ بما يتجانس مع ما فعلتُه أيضاً "
" أنا؟ " أشار لنفسه بتعبير بريئ ثم نهض جالساً " أنا فتى مسالم لطيف حبوب مهضوووم~ يكره العنف ولست من محبيه.. لكن أعترف أن ما فعلته رائع! " قال رافعاً إبهامه لأعلى بإعجاب فقامت أميرة بانزال إبهامها لأسفل وألصقت قبضتها مع قبضته.. إستغرب فارس فعلتها فلا تبدوا من هواة الأشياء الطفولية كالتحية الخاصة وما إلى ذلك لكنها راقت له على أي حال فابتسم بصبيانية قائلاً " أظنك لست ميؤوس منك إلى الدرجة التي تبدين عليها.. افرحي! "
" منتقد جاهل " قالت بضجر وقد سئمت جدياً من لسانه اللاذع.
" دمية مسكونة" رد عليها منزلاً جفنيه بإصبعيه ليحاكي نظرتها الضجرة مخرجاً لسانه في النهاية.. عقدت حاجبيها من فعله الطفولي واستمرت بوصفه بألقاب سخيفة ليستمر هو بالرد عليها..
" قط أجرب "
" قزمة شمطاء "
" قطران كريه "
" سمكة عفنة "
" سعدان أحول"
" مصاصة دماء! " صرخ فارس في وقد استفزّه آخر لقب لتميل أميرة رأسها بسخرية " مصاصة دماء؟ هذا أفضل ما لديك؟ "
كشّر فارس بغضب منها ومن نفسه - كان ذلك بالفعل ضعيفاً منه - تهيأ لرد سيرسلها خلف بلوتو ويمحي ذلك التقوّس الساخر الكريه عن عينيها لكن قرع الباب مجدداً ليشرق في حافة كلماته ساعلاً سعالاً جافاً للغاية وكأنه إبتلع شعره أو حشرة.. أشار لأميرة بعجلة على كوب الماء على الطاولة قرب سريره ممسكاً رقبته المتجرّحة مستمراً بالسعال بجفاف تعاقباً مع دخول سارة الغرفة وهي تحمل صينية كعك وعصير ببتسامة تزين وجهها.
رأت أميرة تمد كوب ماء لفارس الذي تناوله منها وشربه على عجل ودفعة واحدة مطلقاً زفيراً ليس بالقصير مع زوال الغصّة من حنجرته فقالت أميرة له " صحّة " لتتطاير القلوب من عيني سارة نحوهما صارخة داخلياً ' لطيفااااان!! ' دون أن تعلم أن أميرة نبست بذلك ساخرة منه ليشزرها بنظرة حادة أزالها عندما رأى سارة تبتسم لهم بود من عند الباب فاستبدل تعابيره بنظرات بريئة معيداً الكوب على الطاولة عادلاً عن كسره فوق رأس توأمته.
" أهلاً جلبت لكما العصير " قالت وهي تتقدم مناولة كوباً لكل منهما ثم وضعت طبق الكعك على الطاولة قريباً من كليهما وجلست على طرف الفراش ترمقهما ببتسامة لطيفة ثم قالت موجهة الكلام لفارس " كيف حالك الأن أصرت أفضل؟ "
" نن .. نعم .. شكراً على سؤالك وأسف على ما سببته من فوضى " قال ناظراً لسطح كوب عصيره بحرج مصطنع فقالت سارة نافية بيدها " لا تقل ذلك الأمر لم يكن بيدك! .. أعاني أيضاً دوار الحركة عند ركوب السيارة لوقت طويل وقمت بالإستفراغ على مقعد السيارة عدة مرات في صغري" قالت محرجةً من ذكر ذلك لكن أرادت ألا يشعر الصغير أمامها بالسّوء.
ابتسم فارس بخبث في الخفاء ' الظاهر أن الأمر سيكون أسهل مما ظننت ' فكّر مقهقهاً بخفة على قصة سارة ثم ابتسم مشيراً لنفسه بإبهامه " أدعى فارس" ثم أشار بسبابته لأميرة التي ركزّت مع حساب حجم كتلة الكعك في يدها لتشغل نفسها عن هذه المهزلة " وهذه أختي أميرة وهي قليلة الكلام.. لا تأخذي صمتها على منحى شخصي رجاء "
" سررت بمعرفتكما " قالت سارة موجها الكلام لكليهما ثم عرّفت عن نفسها " أنا سارة وأراكما لطيفين للغاية~ "
ابتسم فارس بمجاملة مانعاً نفسه من سد أذنيه إثر صوتها العالي وهي تصيح بكونهم لطفاء " هه أراك لطيفة أيضاً أختي الكبرى " قال ملقياً السهم لصيب الهدف في المنتصف مخترقاً قلب سارة التي صاحت بسعادة معانقه لفارس "بل أنتما عسّولان! " ووسط العناق باين فارس إرتفاع حاجبيه بانتصار لإيقاعه بثاني فرد من سكان هذا المنزل في
شراك أداءه وحصل على معجبَيْن في صفه من أصل ثلاثة أشخاص يشغلون كراسي مسرحه حالياً.
بقي الفرد الجالس في الظلمة الذي يظهر خياله الأسود فقط.. الأخ الأكبر المسمى عثمان.
🌙
🦉
🪶
تجاذب فارس أطراف الحديث مع سارة لبعض الوقت متجاهلين وجود أميرة تماماً إثر براعة لسان فارس في فتح المواضيع وإلقاء النكات العفوية حتى غيّب عقل سارة عن محاولة التكلم إليها فلا يمكنه التنبؤ بما ستقوله غريبة الأطوار تلك لذا سيهمّشها فحسب.
أثناء اندماج الأخرَين في التعرف على بعض كانت أميرة تجلس بشكل منزلق على الكرسي بأعين ضجرة وقد قامت بكل معادلة ممكنة على حجم ، وكتلة ، ووزن ، الكعكة في يدها إلى أن فرغت لتنهي المعادلة بأكلها دون النزول إلى العمليات الهضمية.
مرت نصف ساعة تقريباً منذ دخول سارة للغرفة وقد كانت أميرة ترثي بالفعل على كل ثانية ضاعت من حياتها ذات التسع أعوام هباءاً بالجلوس هنا دون أن تستثمرها في شيء مثمر كالنوم! .. الجانب الإيجابي الوحيد هنا هو أنها ليست مرغمة على الخوض في تواصل هذين البشريين عديم الفائدة والذي يعرف بالدردشة رغم أن الإستماع لهما وحده يعتبر نوع من التواصل لكن عدم المشاركة كلامياً يجعل الأمر مقبولاً إلى حد ما.
لاحقاً أصر فارس على مساعدة سارة في إعداد العشاء وقد رفضت قائلة أنه مريض ويحتاج للراحة لكنه أصر عليها بشدة حتى رضخت تحت إلحاحاته وكم أسرّها الحصول على مساعدين ظريفين تستمتع بمراقبتهما يهيئان المائدة معاً.. لا لبس في أنه تم جر أميرة من قبل فارس وما انفكت على رمقه بنظرة ضجرة تحمل إستياءاً ضمنياً " أفعل هذا لمصلحتنا " همس بصوت خفيض دون النظر إليها منزعجاً من تحديقها المستر به وهو يقوم بترتيب الأطباق في أماكنها.
عند رفعها لحاجبها بتهكم وضع الملعقة على الطاولة بعنف قائلاً من بين أسنانه وهو يبادلها التحديق وقد صدق حسده بنوع تعابيرها الآن" بدل رمقي بهذا الشكل ركزي في عملك.. وكيف تسمين نفسك فتاة ولا تجيدين حتى ترتيب المائدة كيف ستتزوجين لاحقاً؟! "
" لن أتزوج " أجابت ببساطة متخطّية أمر تكلمه مثل.. الأمهات؟ " أوه إذاً تخططين للبقاء كالحِمل فوق ظهري إلى الأبد.. أتعرفين هذا أفضل لك فلن أحمل ذنب المسكين الذي قد يفكر بالزواج بك حملك أهون " قال مستمراً بترتيب المائدة عاقداً حاجبيه كأم مستاءة من ابنتها الكسولة.
' طفل مُسِنْ ' فكّرت أميرة بضجر مستغربة طريقة حديثه التي تبدوا كالعجائز الذين يهوون توبيخ ونقد شتى تدرجات الأجيال الذين تحتهم.. لم تستمر بالتفكير طويلاً لمجيئ شاب طويل القامة بشعر بني فاتح مموّج قليلاً يرتدي نظارة طبية بيضاء الحواف تدنوا منها عينان خضراء حادة الشكل ساخرة الهالة.
ولج ذلك الشاب من باب المنزل حاملاً على كتفه حقيبة حاسوبه المتنقل. خلع حذاءه واضعاً له في خزانة الأحذية وتوجه لإلقاء السلام على أخته التي تطهو في المطبخ في هذا الوقت كما المعتاد لكن مع إقترابه من بار المطبخ ءي الواجهة المفتوحة على مائدة الطعام رأى طفلين يعدّان المائدة فاستغرب وجودهما جداً.
وقف على بعد قدمين عن المائدة المستطيلة التي يقف عن يمينها فارس وقربه أميرة حيث كان واحد من أصل الاثنين يعمل على ترتيبها حتى رأيا الشاب واقفاً أمامهما فحدقا نحوه بصمت وهو كذلك لعدة ثواني حتى نادى أخته إثر تصاعد ارتيابه" سارة؟ " أتت سارة حاملة طبق خبز وقالت وهي تضعه منتصف الطاولة " أهلاً عثمان " نفضت يديها ثم تقدمت نحو أخيها الأكبر قائلة بحماس " لن تصدق أبي عاد اليوم ومعه التوأم! أليست مفاجئة عظيمة! " بنطقها لذلك بمنتهى اللمعان والإشراق توسعت أعين الأكبر بدهشة لثواني معدودة ثم عادت عيناه لوضعها لكن مع برود زائد ناظرا جهة التوأمين وهو يحدّث أخته :
" أوه أحقاً ذلك؟ " هزّت سارة رأسها بحماس ثم جذبت ذراع عثمان حتى وقف على مقربة من التوأم' يا رجل أسمع فقرات رقبتي تطقطق ' فكر فارس رافعاً رأسه عالياً كي يواجه نظر الأكبر الذي كان طويلاً بحق ' ما بال نظرات الإزدراء هذه منذ الأن؟.. أم يبدوا هكذا لأنه ينظر إلي من أعلى؟ ' إحتار في معرفة ما الصواب بينهما محاولاً تحليل تعابير الأكبر الباردة..
قطع تفكيره مد الأكبر ليده في إشارة للمصافحة قائلاً " عثمان.. سررت بلقائك " أضاف الجزء الأخير بعد لكز سارة له بمرفقها بسرعة خاطفة محافظة على ابتسامتها اللطيفة المعتادة.
'أوه متكبّر صعب الإرضاء إذا ' فكر فارس قابلاً التحدي مجيباً على المصافحة بتعبير محايد لا بالسعيد أو الفرح " فارس سعدت بلقائك أيضاً " رفع الأكبر حاجبه مفكراً أنه ربما أخطأ الحكم على الذي أمامه من النظرة الأولى ' ظننته سيتحفظ من موقفي البارد لكنه لم يهتم لذلك وتجاوز الأمر فحسب ربما هو طفل ناضج وليس شقياً كما يبدوا عليه ' ابتسم فارس في الخفاء متوقعاً ما يجول في ذهن الأكبر وأثنى على نفسه متخيلاً جمهوراً من الدلاء يصفّق بمماسكه منهاراً من روعة تمثيله وخداعه لمن أمامه ' السيد أوسكار سيكون فخوراً ' مرتدياً قناع الملامح الفاترة فوق غرور فاق طواويس الطيور قال وهو يمد ذراعه معرّفاً التي تقف خلفه عن بعد خطوة " هذه أختي أمير..! "
بُتِرَتْ كلماته عندما رأى جفنيها المرتفعين بشكل غير مألوف زاد من حجم عينيها مطلقة نظرات حارقة صوب الأكبر لسبب ما وكأنها قابلت عدوها اللدود ؛ حارق مزرعتها!.. ميتّم أولادها!.. ومُسقط أسهمها في البورصة!!!.ؤؤ
كرد فعل ترقيعي لما رآه رفع قلنسوة رأسها الصفراء وأغلق على وجهها جاذباً الحبيلن المتدليين منها مخفياً تلك الهالة القاتلة المنبعثة من عينيها.
أخذ نفساً عميقاً ثم استدار ناحية الأخوين الأكبر المستغربين مما فعله وقال ببتسامة أجاد رسمها موارياً توتره " عذراً هلا تعطياننا دقيقة؟ " ولم ينتظر الرد بل دفع تلك القصيرة أمامه متجهين للحديقة الخلفية على وجه السرعة.
" أتظن أنهما إحتاجا شيئاً وخجلا من الطلب؟ " قالت سارة بقلق ليتجاهل عثمان سؤالها " أين أبي ومتى عاد؟ " قال عاقداً ذراعيه منتظراً الرد من أخته بفارغ الصبر فتنهدت الأخرة عائدة لطعامها الذي يغلي على النار مجيبة له من عند المطبخ..
.
.
.
اتجه لزاوية سور الحديقة الغربي حيث لا تطل عليها نوافذ غير نافذة ممر الطابق الثاني دافعاً للقصيرة أمامه حتى وصلا تحت ظل شجرة متفرعة الأغصان فوسّع عقدة الحبلين لكي ترتخي القلنسوة المغلقة على وجهها وينزلها عن رأسها ليرى تلك النظرة المشؤومة لا تزال موجودة لكن هالة القتل خفتت منها قليلاً" ما الأمر معك تبدين وكأنك على وشك سلب روح أحدهم!! " قال عاقداً حاجبيه بضيق فلو لم يتصرف بسرعة لرأى الأكبران تلك النظرة ولإنخفظت نقاط الإعجاب وتحولت القليلة التي حصل عليها لنقاط سلبية.
لم تنطق أميرة بكلمة وفقط عقدت حاجبيها له " أوه إذا أنتي منزعجة؟ حسناً ما الذي أزعج حضرة فخامة علو جنابك؟ " قال عاقداً ذراعيه فاقداً صبره عليها فأجابت بإخبار لا بتبرير " لديه أعين خضراء " بعبوس تحت الكمامة الجديدة التي ترتديها من بعد حادثة المطعم بتلطخ السابقة بالدماء.
"وماذا في ذلك؟! " صرخ رافعاً يديه بعصبية فهو لا يفهم ما الهراء الذي تتحدث عنه وتلك النظرة على وجهها التي تبدوا كـ ' كيف لا تعرف معنى ذلك هل أنت غبي؟' ترجمها عقله بهذا المعنى ما جعل دمه يبدأ في البقبقة.
" هيه! لا تنظري إلي هكذا! " قال مشيراً عليها بتهديد وحنق ملجماً نفسه بالكاد عن ضربها "حسناً " قالت مديرة عينيها للجهة الأخرى.
صفع فارس وجهه من غبائها.. قصد أن تغير نظرتها ليس أن تغير ما تنظر إليه ' حسناً إهدأ يا أنا .. أنت تقف أمام كائن متعالي منخفض الذكاء فعليك بعدم فقدان هدوئك واستعمال كلمات بسيطه كي لا تربكه' أخذ نفساً عميقاً ثم زفره وإستعاد به توازنه.
" عينا ذلك الطويل لا تعجبك؟ "
" بل تُثير قرفي "
" إذا ماذا تقترحي أن نفعل بشأن ذلك؟ أنقتلع عينيه كي نريح خاصتك من رؤيتها؟ "
" أقبل بهذا " قالت رافعة إبهامها بموافقة ليصفع فارس يدها صائحاً بانفعال " هل أنتي مجنونة؟! "
" لا علم لي بذلك على وجه الحق الدامغ "
" بل أنتي كذلك! "
" هذا رأيك أنت " قالت بضجر وأضافت " لا أريد مخالطة ذلك الظليم فهو كريه ومنفّر بالنسبة لي "
ما معنى هذا؟ .. ظليم؟ " سأل بتعبير غبي غير مستوعب.
" ذَكَر النعام " أجابت بضجر.
" تدركين أنه بشري صحيح؟ " قال مرتاباً من منطق هذه الفتاة بكرهها لشخص ما من لون عينيه فقط حتى شكك في صحّة عقلها من أساسه.. ربما تراه كرجل نعامة بالفعل.
" أجل قلتُ ذلك من باب السخرية والإستحقار "
" يا عيني يا عيني " قال مغطياً وجهه بين كفيه بحسرة ' قالت بذلك من باب الإستحقار؟ هل بات الإستحقار موضوع إنشاء ليُتحدّث عنه بهذه الأسلوب الموضوعي المباشر؟! '
رفع رأسه للسماء كاشفاً عن وجهه لستار الليل الذي يقارب أن يسدل قائلاً ببتسامة مهزومة ودمعة مسكينة نزلت كالؤلؤة من طرف عينه " ما الذي فعلته لأتورط بهذا؟ "
ليست فعلتك بل فعلة والدك " قالت بضجر عالمة تمام العلم أنها المقصودة بـ 'هذا '
🍉🍉🍉🍉🍉🍉🍉🍉
التوأم نوم نوم (つ✧ω✧)つ