يحق لك النقد .. فقط عندما يُطلب رأيك.
.....................................................
🐍.......🐀
" إذا استطاع إيجادهما أخيراً " قال عثمان ممسكاً ذقنه بتفكير وهو مسند الظهر للجدار عن يمين أخته التي تقطع الخضر على منضدة المطبخ الخشبية " أليس هذا رائعاً!.. أخيراً سنعيش معاً بسلام ويرتاح أبي بعد كل هذه السنوات " قالت سارة ببتسامة دافئة وأردفت بمرح " ألم تلاحظ لم أعد أصغر فرد في المنزل ولن تمارس تسلطك علي بعد الأن.. سأتحد مع التوأم للإنقلاب ضدك! " قالت رافعة السكين لأعلى كأنه سيف بتعبير متحمس ليسحبه عثمان من يدها واضعاً له على المنضدة " لا تلعبي بالسكاكين.. أيضاً لا أحبذ أن تختلطي بهذين الإثنين أكثر من اللازم على الأقل حتى أتحرى أمرهما جيداً "
" ماذا تقصد بهذا؟ " قالت سارة عابسة ببعض الامتعاض من كلام أخيها وأردفت " عن ماذا تتحدث؟ إنهما أخوانا الصغيران وتريد التحري عنهما؟ " قالت باستنكار ليجيبها الأكبر عاقداً ذراعيه بنظرة باردة " لا نعرف من أي بيئة جاء هذان الإ.. " قاطعته سارة بقولها " توقق هنا عندك.. عثمان أنا أحترمك كأخي الأكبر لكن إذا قلت كلاماً كهذا مجدداً وتسببت في إيذاء التوأم فلن أقف بصفك "
حدق الأكبر بها بذهول لعدة ثواني ثم أعاد نظرته باردة وقال بلمحة من النقمة ظهرت في ميلان فكه قليلاً " هكذا إذا؟ .. افعلي ما تريدين " وذهب متجوهاً لغرفته في الأعلى تاركاً سارة ترمقه ظهره بضيق وغيظ شديد إلى أن اختفى لتغرورق عيناها بدموع. مسحت عينيها بظهر يدها متمتمة لنفسها " لستُ مخطئة لأبكي.. عثمان أنت غبي!"
عاد التوأم للداخل حيث كان فارس يرمق أميرة بنظرة منزعجة ومع إنحناء عينيه ناحية سارة التي تقف في المطبخ المفتوح أمام منضدة التي تتوسطه تغيرت ملامحه لقلق طفيف عندما رأى كتفيها يرتعشان بشكل متكرر وهي تمسح عينيها بظهر يدها.. اقترب أكثر قائلاً تزامناً مع وطئ قدمه داخل مجال المطبخ مفتوح الواجهة والمدخل " أختي الكبرى هل تبكين؟ "
ارتبكت سارة لكونها لم تلاحظ وجوده فأشاحت برأسها جانباً لتمسح أثر الدموع المستمرة في النزول من عينيها بمفصل سبابتها فإبهامها مستنشقة ثم إلتفتت له ببتسامتها اللطيفة قائلة بمرح بأنف متورد" لا فقط كنت أقطع بعض البصل اللئيم هاهاها "
حسناً هذه محاولة بائسة للغاية لإنكار أنها كانت تبكي خصوصاً وأن مع على لوح التقطيع أمامها هو الخيار 'مثير للشفقة'
لو كان في موقف آخر لنقد ارتجالاً رديئاً كهذا بلسان لاذع أكثر من نبتة القراص ذاتها لكن لا يستطيع فمن أمامه أحد أفراد جمهوره ولا يمكنه خسارتها لذا سيتغضى عن ذلك ويدعي أنه ضعيف البصر ومنعدم الإطلاع على أنواع الخضار " أوه هذا مريح ظننتك أذيت نفسك بالسكين " ولا ضير من استغلال الموقف لإكتساب المزيد من نقاط الإعجاب.
إنفجرت ألعاب نارية في قلب سارة من الإهتمام الذي أظهره لها هذا الصبي الصغير الذي بالكاد مرت ساعتان على لقائها به.. حتى ولو كانوا يعرفون بعض فقط منذ ساعات معدودة فهو يعتبرها أخته الكبرى بالفعل بل ويقلق عليها أيضاً 'عثمان أنت غبي~' فكرت في عقلها بتعبير منسجم سعيد وداخلياً تكاد تذوب من الفرحة!
فقط كيف لأخيها أن يشكك في براءة قطعتي المارشميلو هاتين؟ .. يا له من ظالم!
على ذكر الاثنين فطنت سارة لوجود أميرة أمام مدخل المطبخ تنظر لظهر فارس بضجر دافنة لديها داخل جيوب سترتها فلمعت في رأس سارة فكرة ' لابد أنها خجولة! وعلى الأرجح هذا هو السبب الذي جعلها تطلب من توأمها أن يصطحبها للحديقة عند قدوم عثمان ربما لأن لقاءه أشعرها بالحرج ' هكذا حللت سارة الأمر باقتناع لنظريتها وأضافت بتأثر ' لطييييييييف~ سأقوم باتخاذ الخطوة الأولى لمصادقتها! '
عقد سارة العزم على ذلك متجاوزة فارس الذي استدار بتعبير مستغرب حتى رأها تقف منحنية الظهر واضعة لكلا يديها على ركبتيها أمام القصيرة فتشنجت ملامحه بتورط ' أوه تباً '
حدقت أميرة بذلك الوجه المبتسم الذي ينظر إليها بنظرات ودودة وعلامة استفهام صغيرة طفت فوق رأسها حول أمر هذه الفتاة أمامها.
" أميرة أتحبين الشوكولاته؟ " سألت سارة بلطف لتستغرب أميرة سبب السؤال لكنها أجابت على أي حال " لا " لم تكن تفضل الشيكولاته على وجه الخصوص وصفة الحب تعطي قدراً أكبر مما تحسه به أميرة تجاه طعمها.
زمت سارة شفتيها مستغربة وجود طفل لا يحب الشوكولاته لكنها لم تبالي كثيراً وقالت " حقاً؟ .. ما نوع الحلوا التي تفضلينها إذا؟ " ضيقت أميرة عينيها متريبة من هذه الأسئلة..
سياق الحديث يحتمل أن يصل لتقديم شيء حلو لها في النهاية لكن ما فائدة هذه الفتاة من القيام بذلك؟.. أتقدم رشوة تمهيداً لطلب ما لاحقاً؟.. أو ستضع شيئاً ما داخل الحلوا؟
لكن لم تستشعر منها أميرة أي نوايا خفية من النوع الأناني وهذا ينفي تلك الإحتمالات.
يقال أن بعض الناس لديهم حب العطاء دون مقابل بنية صافية لكنهم نادرون ولم تقابل أحدهم من قبل.
بهذا الاستنتاج انقلبت علامة الاستفهام لعلامة تعجب إدراكية وتوجهت بنظرها أخيراً ناحية فارس الذي كان يقفز ملوّحاً كالقرد منذ ساعة محاولاً جذب انتباهها لكنها كانت تتجاهله عن عمد حتى اكتشفت أنها تتفاعل مع نوع غير مألوف لها من البشر ويتطلب طلب المساعدة من جهات خارجية لطرده بعيداً..
توقف عن التلويح بيده عندما نظرت نحوه أخيراً فقام بنطق كلمة "مـ.صـ.اصـ.ـة" ببطئ وبلا صوت مشيراً بكلا سبابتيه لفمه آملاً أن تستطيع قراءة حركة شفاهه.. عبست بضجر من النوع الذي اختاره لكنها أرادت إنهاء هذا الوضع بسرعة والإنسحاب لمكان هادء إذا أمكن فعادت بنظرها لسارة مجيبة على سؤالها بضجر " مصاصة "
صفقت سارة بيديها مستقيمة الوقفة " رائع! سأجلب لك الكثير منها لاحقاً! "
" لا داعي لذلك " لم تكن أميرة مؤيدة لفكرة صرف وإهدار المال على شيء لا يدخل خانة غذائها أساساً ليتم جلب الكثير منه.. ستكون مضيعة إلا إذا كان فرخ الغراب الذي اقترحها يحبها بالفعل.
" لا تقولي هذا ستجلب أختك الكبرى كيساً كاملاً لأجلك! " قالت سارة بحماس رافضة فكرة أن تكون هناك حواجز خجل بينها وبين أختها الصغيرة التي حاولت حثها على عدم انفاق المال لأجلها بسبب الخجل - كما تظن -
رفعت سارة سبابتها قائلة بتنبيه مرح " لكن ستحصلين على قطعة واحدة كل يوم فلا نريد لأسنانك أن يهاجمها وحش التسوس"
رمقتها أميرة بنظرة فارغة وهي تراها تحرك يديها في الهواء بتعبير شرير تحاكي بذلك أسلوب رواية قصص الوحوش للأطفال وفكرت بسؤال فلسفي ' أن يتم معاملتك كمختل عقلياً بشكل صريح أم أن يتم معاملتك كشخص حديث النمو عقلياً؟'
بعد إنهاء تجهيزات العشاء اجتمع كل أفراد الأسرة على طاولة العشاء في جو هادء حيث جلس أصلان على رأس الطاولة المستطيلة التي تتضمن ست كراسي متثائباً وأثار النوم لا تزال بادية عليه من شعره المبعثر قليلاً الذي تكاسل عن تسريحه وقام برفعه للخلف بيده فحسب لينتظم قليلاً.. عن يمينه جلس الإخوة الأكبر وعن يساره جلس التوأم.
قامت سارة بتولي ملئ أطباق التوأم أولاً فقال أصلان مدعياً الغيرة " تركتي طبق والدك المسكين فارغاً وفضلتي إطعام كتاكيت المستقبل أولا؟ .. أشعر بالخيانة " نظرت سارة له بنظرة جانبية مدعية الضجر " بابا يمكنك ملئ طبقك بنفسك هذه المرة "
أخذ أصلان المغرفة بإنزعاج متمتاً بعدم رضى مصطنع وهو يسكب الأرز لنفسه فقلب عثمان عينيه متناولاً ملعقته ليبدأ في أكل طبقه الذي ملئه بالفعل متجاهلاً الدراما المعتادة بين أبيه وأخته على مائدة العشاء.
أخذ لقمة ومضغها بهدوء لعدة ثواني ثم عفوياً رفع نظره أمامه حيث جهة التوأم ليجفل وتتوسع عيناه قليلاً بتفاجئ تبعه ظهور الإرتباك على محياه عندما تلاقت عيناه بزوج من الأعين الحمراء تحدق ناحيته بهالة مشبعة بالمقت.
ابتلع ما في جوفه معتدلاً في جلسته معيداً رسم ملامحه الغير مكترثة الباردة لكن لمحة الإرتباك لم تزل تماماً من على محياه ' ما الأمر معها؟ .. أنا لم أتكلم إليها مطلقاً لترمقني بهذه العدائية الصارخة وكأني أكلت لها ميراثها' فكر مستقصياً أسباب هذه النظرة بالنظر في عينيها بشكل مباشر على نحو متحدٍ مُستفهم.
اقشعر بدنه لاحتداد نظرتها عليه أكثر عندما بدالها التحديق بتلك النظرة ' ما هذا؟ ما الذي فعلته لك أيتها الغريبة؟! .. أتعرفين لقد اكتفيت.. لتحترقي في الجحيم! ' فكر راسماً على وجهه تعابير متكبرة مع لمحة إنزعاج غير واضحة عليه لكن محسوسة من طريقة كلامه وهو يقول رافعاً حاجبه نحوها " هل هناك شيء على وجهي؟ "
توقف صوت الملاعق عن الإحتكاك بالأطباق بعد سؤال عثمان المتهكم الذي اخترق جو الهدوء المسالم وتوجهت كل الأنظار ناحية أميرة حيث كان يوجه السؤال فتم إخفاض رأسها قسراً من يد فارس مخفياً تعابيرها الجالبة للمصائب عن أنظارهم .. رائع انشغل عنها لدقيقة لتشرع في النبش عن المشاكل مع الزريف!
فل تَخْنُق الملعقة عوضاً عن مناكفة من ليس بحجمها!
" ههه أعتذر لديها عادة غريبة بالتحديق في الأشخاص الذين يثيرون اهتمامها.. ياللأطفال " قال فارس ببتسامة إعتذارية لعثمان وانهى كلامه بهز رأسه بقلة حيلة ورأس توأمته قابع تحت كفه ويكاد يلامس سطح المائدة من شدة إخفاضه.
' لكنك طفل أيضاً ' فكر كل من سارة وأصلان بينما أمال عثمان رأسه بعض الشيء بعدم اقتناع كلي بحجة فارس.. هو ليس أعمى.. يعاني ضعف النظر؟..نعم لكنه يلبس نظارته الأن ونظرتها تلك لم تكن اهتماماً دون أي شك بل كانت تفيض بضغينة خالصة.
راقب كيف رمقها توأمها بنظرة تحذيرية وهو يبعد يده عن رأسها لترفع رأسها بحاجبين معقودين ناحية توأمها ثم أعادت نظرها للطبق أمامها لعدة ثواني كانت كفيلة بترك النظر لهذا الموقف من قبل الأخرين ليعودوا للأكل.. وإذ بعينيها ترتفع دوناً عن رأسها لتوجه له نظرة منخفضة جعلت بدنه يقشعر بشدة حتى تخدرت جذور شعر رأسه وكأنه رأى شيئاً يبعث على الرعب رغم أنه قلق متوجس وليس بخائف!
لم يكن سبب شعوره بذلك واضحاً أو مفهوماً.. لكن ما إجتاحه كان إحساساً أذعر غريزة البقاء لديه بحلول خطر محدق داهمة فجأة جاعلاً من ضربات قلبه تتسارع ومن أنفاسه تضيق وكأن صخرة كبيرة جثمت على صدره مصعّبة على رأتيه سحب الهواء مما أدى لأن ترتجف أطراف أصابعه من البرودة التي سببتها قلة الأكسجين.
إعتصر الملعقة المعدنية في يده محاولاً تهدأ ذاته المضطربة بشدّ الضغط على شيء مادي يساعده على ربط تركيزه بالواقع في خضم هذه النوبة الغربية على إيجاد تفسير منطقي لما يحدث له..
قد يكون هبوطاً حاداً في ضغط الدم أو ربما انخفاض في مستوى السكر لديه..ستنتاجات منطقية يقبلها العقل لكن ليس عندما تتضارب مع الحدس.. خاصة عندما يكون قوياً أكثر من أي فكرة يكمن له أن يفكر بها فالحدس مُخبِر موثوق بينما الأفكار تتضارب مع بعضها بسهولة.
حدسه هتف له من أعلى الهوة السحيقة التي وقع بها أن أياً كان ما يجري له فتلك الفتاة هي السبب.. لا يعرف كيف.. لكن موجة الضغط مصدرها من أمامه حيث تجلس هي وبلا وعي منه صار يتحاشا النظر في عينيها مجدداً مذ أن رفعتهما عن الطبق أمامها قليلاً.
عثمان بطبعه انسان منطقي يميل إلى دراسة الوضع قبل القيام بأي رد فعل لكن كبرياء الجمال لديه غلب عقله عندما دقق النظر في معنى حدسه الذي مضمونه أنه يتعرض للترهيب من قبل قردة بالكاد تتجاوز ركبته!
معانداً لصحّة هذا الإدراك المتأخر رفع بصره ناحيتها بنظرة ملؤها إزدراء وفوقية ليرى عينيها تتقوسان فوق الكمامة ببتسامة محجوبة ليست بالبريئة على الإطلاق انعكست على عينيها المستمتعة جاعلة من ملامح الأخ الأكبر المعقودة ترتخي للحظة.. ثم تزلق نحو القلق وعدم الإطمئنان.
وفجأة شعر بتصاعد صداع حاد بارد يتعالا في رأسه الذي أخذت حرارته بالإرتفاع على نحو لا يطاق يتفاقم مع مرور كل ثانية.
" عثمان هل أنت بخير؟ " سألت سارة بقلق عندما رأت ملامح أخيها المنعقدة بألم بينما يمسك رأسه بيده ودون أن يرد اكتفى من الأمر برمته ووقف ببعض الحدة متجهاً صوب الدرج متجاهلاً نداءات سارة عليه ويرأسه يكاد ينفجر إلى أن انحسر الصداع فجأة مثل الماء في البلاعة بالضبط بشكل جعله يتوقف في مكانه مصدوماً فوقفت سارة من على مقعدها بتأهب لمعرفة ما هو خطبه بينما رمق أصلان وفارس ظهر عثمان المدار لهم باستغراب لكن دون أن يحاولا التدخل أو السؤال على عكس سارة " عثمان ما خطبك؟ " هتفت سارة بحزم فموقفه ذاك كان شديد الغرابة وعلى مقياس عثمان رتيب الشخصية والملتزم بالبروتين فما حدث ضرب من الغرابة الغريبة.
بعيداً أن مرآ أهل المائدة كان الشاب الجامعي شاخص العنين ولكون الرسالة الغير منطوقة قد وصلت إليه من المرسل مباشرة إستجمع شتات نفسه التي هزها الإضطراب ومن ثم إلتفت بجانب رأسه راسماً تعابيره شبه المتعالية المعتادة وقال بصوت حاول منعه من الإرتعاش " لدي مشروع طويل لأعمل عليه لذا لا تزعجيني " موجهاً الكلام لسارة التي إمتقع وجهها بالغيظ وصاحت بظهره عندما أكمل سيره واعتلى أولى درجات السلم " لا تفرغ ضغط دراستك عليّ أيها اللئيم! "
ومن ثم عادت للجلوس وهي متبرطمة من الغضب معقودة الذراعين بملامح عابسة بينما كان زيتوني الأعين يصعد السلالم وهو يخرج أنفاسه رأتيه بحذر وكأنه نجى من الموت.
" بابا " نادت سارة والدها وهي على ذات وضعها دون الإلتفات نحوه.
" نعم؟ " أجابها وقد شاهد كل ذاك من مكانه بتعابير معقدّة فهم منها فارس أنه أراد التدخل وقد كانت عينه مثبته على الزريف وقتها لكنه لم يفعل وكأن موقعه لا يسمح له بذلك وكأن هناك ما يردعه.. وكأن علاقته ببنه البكر ليست على ما يرام.
لا يمكنه الحكم دون معرفة التفاصيل لكن رسمياً الزريف وغد يستحق الهلاك بالفعل كما تصبو نية القصيرة.
تهاوى وجه سارة للإكتئاب ونبست بإحباط " لقد تخاصمنا " إحتاج أصلان لعدة ثواني ليستوعب أن مقصدها أن ذلك الإحتكاك بينهما دفع عثمان الذي يحترف أخذ دور المستاء الوحيد في القصة لأن يترك وجبة العشاء مبكراً.
أصلان كان يدرك مدى أهمية إجتماعهم سوياً على مائدة العشاء عند سارة التي فرضت عليهم الإلتزام بالحضور مذ تولت زمام الطهي وأعلنت أن أي أعذار لم ولن تُقبل.. نظراً لتعقيد ما يعمله أحياناً يضطر للبقاء خارج المنزل لوقت متأخر يحتًم تفويت تناول الطعام في المنزل وعلى نحو فاجئه لم تتفهم سارة اللطيفة ذلك ونبهته من إعادة الكرة في المرة الأولى التي فوت فيها العشاء بعد إصدار القرار فعلم أن هذا يعني لها أكثر مما كان يظن فابنته الكبرى لم تكن متطلّبة ولطالما كانت متسامحة للغاية.
طبعاً لم يكن بيده حيلة للتحكم بطول مدة المهام التي يخرج بها والقضايا التي يعمل عليها كونه محققاً لذا لتليين قلبها عليه كان يجلب معه كيساً من التفاح الذي تحبه هي للغاية ويقوم برسم وجه حزين على أحدها ويستخدمها في طلب السماح منها وعلى مر السنوات لم تصدأ تلك النكتة القديمة ودائماً ما كانت تؤتي بثمارها حيث تتناول سارة التفاحة منه قائلة بتكبر ممازح " حسناً سأسامحك هذه المرة لأجل خاطر التفاحة فقط "
فيرد هو ببتسامة عفوية " ماذا عن خاطري أنا؟ "
فترد بالمقابل ببتسامة جميلة " يحصل على فطيرة تفاح~ "
هكذا كان يعتذر عن ظروفه بينما من جهة أخرى.. لم يفوت عثمان وجبة العشاء على الإطلاق.
قد ينقد " أوضعت الملح برأس عود أسنان أم تخزنينه لأجل الشتاء؟ "
قد يسخر من تجارب سارة الفاشلة بلسان لاذع " أستغرب كيف لم يقم الفرن بلفظ هذه الصينية المشوّهة في وجهك"
قد يشمت بها وقت إنقطاع الكهرباء قبل أن تغسل سارة الأطباق " هاها حرام ~"
لكنه أبداً لم يفوت وقت العشاء..
تخطيه هذا يعني أنه أخذ الجدال على محمل الجد وما بيده حيلة للتهوين عن سارة فهي فهمت الرسالة بوضوح ولا سبيل مفتوح له للتحدث مع ابنه البكر مطلقاً
لاحظ فارس تغير الجو على منحى كئيب إشترك بها كل من سارة التي اكتسح وجهها الضيق وهي تزم شفتيها بحزن مكبوت ووالده الذي أخذ يرمق الطلاق أمامه بشهية خاوية غارقاً في أفكاره.. ولعدم بلع عرابي الشعر لتلك الأجواء التي لا تليق بحضور شخص يُبهج العين من مجرد نظرة إليه قرر الترويح عن كليهما برفع معنويات سارو دون أن يسأل عن سبب حزنها فلا يحب التدخل في المشاكل العاطفية وعلى الأرجح ستبكي إذا فعل..
تناول حبة زيتون من طبق السلطة منتصف المائدة " أختي هل تحبين ألعاب الخفة؟ " سأل ببتسامة تحمل رنة مشوقة منتشلاً سارة من أفكارها السوداوية لترمش نحوه بعدم فهم وكأنها تحتاج إعادة قول لتستوعب ما نبسه في لحظات إنقطاع ذات عن عن الخارج وإحتدام صراع داخلي ما بين لوم الذات ولوم العالم.
لم تكن لتلوم شقيقها أبداً ولا حتى لمرة واحدة.
اتسعت ابتسامته عندما ركزت نحوه فيُلفت انتباه والده بدوره ليقول لها وهو يبسط يده فوق الطاولة وحبة الزيتون تتوسط كفه " شاهدي جيداً " مخصصاً العرض لسارة على نحو خاص لدعم إنطباع هذه الحبكة والتي مضمونها « طفل رأى الكئابه تلوح أمامه فقرر طردها بما يقدر عليه من خيال وموهبه بمنتهى البراءة دون أن يعي أبعاد الوضع العاطفية المتردّية»
وجهت أنظار كلا من سارة وأصلان نحو حبة الزيتون بفضول حول ما سيفعله.. بسط يده الاخرة فوق حبة الزيتون وقام بتحريكها بشكل دائري ثلاث مرات فوقها ثم أمسك الحبة بيده الحرة بحركة خاطفة مخفياً لها داخل قبضته.. رفع يده المقبوضة على حبة الزيتون وأدارها ليبسطها لأعلى ليظهر في راحة يده طائر ورقي أخضر صغير الحجم مكانها.
" تادا~ " هتف فارس ببتسامة لطيفة لسارة التي تورد خداها سريعاً وهو ترمق يده بانبهار شديد لما رأت حيث زالت عنها سحابة الغم ليحل محلها نجوم تسطع بالإعجاب تطوف حولها وبدأت في التصفيق له بشدة ليشاركها أصلان التصفيق ببتسامة جانبية متأثراً بمهوبة فتاه التي لم يكن يعرف بامتلاكه لها وقرر مشاركتها مع شقيقته ليبهجها.. حقاً يا له من صبي لطيف~
وضع فارس يده على صدره مخفظاً رأسه قليلاً كتحية لهما فقالت سارة متوقفة عن التصفيق بأعين متلألأة " أنت مدهش للغاية كانت هذه خدعة رائعة! "
فرك فارس خلفية عنقه مميلاً لرأسه ببتسامة متواضعة " هه ليس بالشيء كبير هذه أبسط الخدع التي أعرفها" قال مشيراً في نهاية كلامه لطبق سارة فأخفظت رأسها تلقائياً لترى الطائر يستقر أمام طبقها وحبة الزيتون على ظهره..
صاحت سارة محاوطتاً لخديها بكفيها من شدة الذهول مغرقة لفارس في سيل من المديح الذي تقبله بتواضع خارجي حاكّاً خده بسبابته بخجل طفيف. ومن الداخل كان يرى نفسه جالساً على كرسي ملكي وسط موكب ضخم على شرفه ويتم رشقه ببتلات الزهور من قبل الفلاحين المتجمهرين على كلا جانبيه وأحدهم كان سارة التي تكرم عليها بالتلويح ناحيتها ببتسامة معتدة بالنفس لتسقط مغشياً عليها من فرط الفرحة..
" كان ذلك مدهشاً بالفعل " نبس أصلان ببتسامة صافية جعلت نجم الموكب يتوقف عن التبختر وينظر إليه بتعبير مذهول لعدة ثواني إلى أن بدأت تتسلل حمرة طفيفة لوجهه ليعقد حاجبيه ويرفع قلنسوة قميصه مخفظاً رأسه وهو ممسك لكلا جانبي القلنسوة ليخفي جانبي وجهه المحرج وقال بعدوانية سببها عدم معرفته لما يجب أن يرد به وتلعثم أفكاره الذي سببه مديح والده له :
" أعرف! "
وزاد حرجاً من ذلك الرد.
عرف أصلان أنه يشتعل خجلاً الأن فقد اكتشف وعلم تمام العلم أنه يخجل بشدة عندما يمتدحه هو دوناً عن غيره وهذا أعطاه شعوراً دافئاً فحتى مع رد فعله الحاد والمتحفظ إزاء مدحه له في كل مرة أثنى عليه بها منذ لقائهم فهو سعيد لكون رأيه مهماً بالنسبة إليه لدرجة أن يترك عليه هذا التأثير وسيعمل على مدحه في كل فرصة تسنح أمامه دون أن يبحث عن سبب مقنع لفعل ذلك.. أيضاً شكله مضحك للغاية عندما ينكمش على نفسه إثر الخجل حتى سارة لاحظت مقهقة على ذلك بخفة.
مع انتهاء العشاء تولت سارة مهمة تنضيف المائدة رافضة بشكل قاطع أي عروض لتقديم المساعدة من قبل فارس ووافقها أصلان على معارضتها لكون موعد النوم قد اقترب والتوأم لم يحصلوا على قسط من الراحة منذ وصولهم..
تبع فارس أصلان على السلالم حتى الممر والكثير من الأفكار تدور في عقله لكن إحساس قوي انتابه بكونه نسي شيئاً ما مما جعله يعقد حاجبيها محاولاً تذكر ما غفل عنه ليطرد هذا التشتيت عن ذهنه ويركز أكثر على صنع مخططاته القادمة وأثناء محاولته التذكر إلتقطت عيناه صورة لقدمين صغيرتين تخترقان مجال رؤيته منخفظ.. تعجّب رافعاً لرأسه ومديراً له لجانبه الأيمن بسرعة خاطفة ليجد أميرة تسير قربه ويفصل بينهما بضعة سنتيمترات لا غير من ضيق عرض السلم إزاء تزامن خطواتهم وتحاذيهما.
تعلمون ذلك الشعور عندما تواتيك عطسة غادرة ولا تستطيع عُطاسها بشكل صحيح لسبب ما فتحبسها داخلك لتترك شعوراً بالفراغ والندم يجتاحك؟
هذا تماماً ما شعر به فارس عند كتمانه لصرخة الفزع التي جعلت قلبه يصعد لحلقه واجبرته على ابتلاعه بصمت ليعود لمكانه الأصلي وما ظهر منه من علامات جزع كان تكهرباً في شعر رأسه وتشنجاً في كتفيه..
' نسيت وجودها تماماً ' فكر داخلياً ببتسامة فارغة النظرة وهو يحدق بجانب وجهها لكونها لم تزح بعينها ناحيته بأي شكل مستمرة بالصعود حتى وطؤوا الطابق الثاني..
إغفال شخص حذر مثله عن أحد كان بهذا القرب منه شيء يدعوا للرعب! .. وبعد إعادة النظر لم يسمع لها نفساً بعد تحذيرها بصرياً بأن تبقى في حالها وتدع الزريف وشأنه.
حرفياً حضورها على المائدة صار كالهواء ولم يلاحظها أحد حتى والده لم ينظر إليها ولو بشكل عابر فقد كان تركيزه كله عليه.. وللحق صعّب عليه بلع الطعام بالتحديق به بتلك الإبتسامة المهتمة لأبسط حركاته.. لكنها كانت تجاوره على كرسي ملاصق له ورغم ذلك تم نسيانها كتفصيلة صغيرة غير مهمة من الطبيعي إهمالها.
' نظرتي التحذيرية آتت ثمارها!.. لستي وحدك من تملك العين الحمراء هاها! ' قبض قبضته بانتصار مفكراً أن الأسلوب الشديد هو ما سينفع معها.. من ناحية مسرحية بقائها كديكور صامت سيسهل عليه الكثير ولن يحتاج لإتعاب نفسه معها لكن المشكلة أنها ليست خرساء ولسانها أطول منها شخصياً ولا يمكن توقع ما ستنبس به عندما تفتح ثغرها لذا عليه إيلاء المزيد من الإنتباه نحوها.
عند عبورهم الممر كانت تسير بهدوء شديد وعيناها مرتخية ورأسها منكي نوعاً ما لأسفل وهي تنظر لخطواتها كمن يخشى تعثر قدميه ببعض على أرض مستوية.. بدت وكأن التعب نال منها وكانت تقاوم الترنح وهي تسير ببطئ وبخطوات متثاقلة ' تبدوا كدمية مسكونة تم لبسها من قبل زومبي ' فكر فارس بتوجس مناظراً لها ليقول الصوت النبيل داخله ساعلاً عن عمد ' احم ألن تدعمها؟ تكاد البنت تسقط على وجهها من التعب '
عقد فارس حاجبيه بأعين غير مكترثة مجيباً ' وماذا سأجني من ذلك؟'
رد الصوت ببديهية ' تدعم توأمتك وتجعل علاقتكما أفضل بموقف نبيل يسرق قلبها ويسهّل السيطرة عليها؟ '
شخّر فارس فارشاً أنفه كرد على ذلك مقرراً تجاهل السيد نبيل ودفعه لزاوية عقله.
هه وكأنه إمتلك خياراً في إنشاء هذه العلاقة في المقام الأول ليحرص على تقويتها.. أيضاً لو كان بين الحياة والموت والشيء الوحيد القادر على إنقاذه هو تبرعها له بإصبع قدم فلن يقبل بأخذه من غريبة أطوار مثلها.
توأمه أو غُمّته أياً ما كانت تسميتها فهو في غنى تام عن تواجدها في حياته.
قاد أصلان كلا التوأم لغرفتين النوم الوحيدتين الفارغتين في المنزل واللتين كانتا من المخطط أن ينفصل بها التوأمان بعد أن يكبرا على النوم في غرفة واحدة ويحتاج كل منهما لمساحته الخاص..
كما كان من المفترض أن يحصل..
كان كلا بابي الغرفتين متواجهين على جدارين متقابلين إحداهما أبيض سكّري والآخر تركوازي واشتركا في كونهما مصنوعين من الخشب.. أخذ أصلان لحظة ليضبط بها أفكاره العبثية والغير مجدية حول الغرفتين ثم فتح باب الغرفة التي على اليسار ذات الباب السكّري قائلاً ببتسامة " هذه غرفتة أميرة " تحسس الجدار ليجد مكبس الضوء ليشعله بعد أن وجدته أنامله فينير المكان وتظهر الغرفة بشكل أوضح.
بها سرير يتوسطها بملائة وردية منفوشة.. على الجدار الموالي من الشرير نافذة بإيطار أبيض وعلى يسار السرير درج يتربع عليه مصباح فخزانة خشبية. وفي الزاوية التي تبعد أربع أقدام عن الباب يوجد منضدة للدراسة فوقها ثلاث أرفف احتل ثالثها السفلي دمية قط أبيض صغير بذيل وأذنين مثلثتين زرقاء اللون عديم الملامح..
تقدمت أميرة داخل الغرفة بعد اشعال أصلان للضوء بينما بقي فارس على حدود إطار الباب ملقياً نظره على شكل الغرفة بتعبير يقيمها ' يبدوا أنهم يحافظون على نظافتها دورياً'
استدارت أميرة ناحية أصلان الذي سألها مبتسماً بترقب " هل أعجبتك؟ .. يمكننا الخروج في الغد لشراء ما ترغبين به لتزيينها على ذوقك "
رمشت أميرة ببطئ ثم أجابت بصوت ناعس " مُناسِبة. لا حاجة. سأخلد للنوم. أخرجا " باختصار شديد أجابت عليه وأضافت أن تطردهما في النهاية لكي تنعم بالنوم.
الجو كان صافياً في الخارج لكن كان بالامكان سماع صوت رياح عاتية تمر عبر تجاويف فارغة في تلك اللحظة عندما نطقت بذلك .. توقف الزمن في الغرفة في لحظة هدوء صامته جعلت أميرة تفرك وجهها من قسوة الضوء الذي أحرق عينيها المتعبة بما يكفي.
اتجهت نحو مكبس الضوء لتطفئة أولاً وتخفف الضغط عن عينيها والذي وصلت إليه بالوقوف على أصابع قدميها رغم انخفاضه ثم عادت لأصلان الذي لم يتعافى من الصدمة بعد ومع عودة وعيه بذاته كان قد وجد نفسه أمام مدخل الغرفة بعد أن سار طوعاً مع دفعها لرجليه صوب الباب لتغلقه بوجهه هو وفارس الواقف مكانه متشنجاً باستنكار ..
سُمع صوت قفل الباب وهو يدور من الداخل تبعه وقع خطوات لحفيف أغطية نهايةً بصوت باب الخزانة يفتح ثم يغلق ليسود الصمت.
ناظر فارس والده الذي يقف جانبه بتعابير مرتبكة يقطر منها القلق متحرياً رد فعله على ما قامت به ليجده تنهد بثقل مخللاً يده في شعره بتعابير معقدة فزافراً بقلة حيلة وهو يضع يده الأخرى على خصره.. تشكلت عقدة بين حاجبي فارس وشعور الازدراء الطفيف الذي يحمله اتجاه هذه الفتاة أخذ في التزايد ليبدأ في طرح جذور صغيرة مقوياً احتمال ثباته.
' لما تفعل ذلك به وهو لا يبدي أي غضب اتجاه وقاحتها؟! .. ألأنها تعلم أنه لن يطالها العقاب منه فتستغل ذلك في التمادي أكثر فأكثر؟ .. هذا حقير جداً! '
جزّ على أسنانه رامقاً الباب أمامه بنظرة احتقنت غيظاً.
بشكل تلقائي تم تجاهل الموقف السابق وكأنه لم يكن دون التعقيب عليه بأي تعليق.. استدار الاثنان ناحية الجدار المقابل داخلين للغرفة التالية ليشعل أصلان الضوء بنفس الطريقة متحسساً الجدار أولاً وكأنه غير معتاد على دخول هذه الغرف لكي يحفظ مكان مكبس الضوء روتينياً.
كانت هي نفس الغرفة التي نُقل فارس إليها لكي يرتاح بعد إعياءه المفاجئ.. مثل أثاث وترتيب غرفة أميرة تقريباً لكن بجهات مختلفة وبعض الفروق الصغيرة مثل نوع خزانته ودمية القط الأسود الصغير ذي الذيل والأذنين المثلثتين الوردية عديم الملامح الذي يحتل أحد رفوف منضدة الدراسة.
تقدم فارس ناحية المنضدة ورفع ذلك القط القطني بكلتا يده متحسساً ملمسه الناعم بعد أن اجتذب فضوله " صنعته والدتك " قال أصلان متكئاً بظهره لجانب مدخل الباب عاقداً ذراعيه أمامه بملامح هادءة مناظراً ظهر ابنه.. ثواني معدودة كفيلة بالإستعاب يلاحظ سير تلك الرعشة التي مرت في ذراعيه تعاقباً مع ما نبس به تبعها ارتجاف كتفيه بشكل متكرر لكبته للشهقات العنيفة التي داهمته حابساً لها داخل صدره بكل ما أوتي من قوة محتقن الوجه بألم لم يختبر مثله يوماً.
تقدم والده بخطوات ثابته نحو الصبي ليحاوطه بذراعه من كتفه الأيمن حتى الأيسر من الخلف بذراعه اليمنى واضعاً يده الأخرى أعلى جبينه مداعباً خصلات شعره بلطف أثناء ارتكاز ذقنه على قمه رأس الطفل الذي غلبته مشاعره الفياضة ليخرج صوت أنين من بين أسنانه المرتصة كقضبان تسجن نواح الخذلان والوجع بكونها ليست هنا ليراها.
طوال موجة انهياره وبكاءه الشديد إعتصر دمية القط التي صنعتها والدته لأجله بين كفيه مستنشقاً رائحة الخزامة التي تفوح منها مع كل نفس يأخذه وشهقة مريرة يُطلقها.
🎩
😸
🫒
لا يذكر كيف أو متى وُضع في الفراش ودمية القط تستقر بين كفيه وهو ملتحف حتى أسفل صدره وذراعها خارجاً.. إبهامه يدور على وجه الدمية بحركات دائرية شديدة الرّقة دون وعي منه.. والده يجلس على طرف السرير مقبلاً لرأسه ومن ثم يعيد خصل غرته جانباً لتعاود السقوط لموضعها السابق في كل مرة مظهره أن كل محاولاته عديمة الجدوى أمام الجاذبية الأرضية لكن لم يتوقف مستمراً بما يفعل كما استمر الفتى بتحسس نعومة الدمية بين يديه.
" هي لا تكرهك.. أخبرتني أنها لا تفعل "
نبس الفتى المضجع على جانبه الأيمن جهة الدرج قرب سريره الذي يستقر فوقه مصباح خفيف الإنارة بصوت خافت أشبه بسر يُهمس عن مسامع الليل.. عيناه كانت على الدمية لكن عقله كان قيد تشتيت ذهنه عن الغوص في التفكير بأشياء لا يشعر أنه مستعد للتفكير بها لكي يبدأ الحديث عنها حتى. ولذلك وكآلية دفاعية عن جانبه الهش الذي قد يكون يظهره للمرة الأولى بهذا التجريد دفن الموضوع قبل أن يُتَطرق له بتحدثه عن أول ما خطر في باله وكانت تعابير والده أمام باب غرفة القصيرة.
استمر أصلان بعبث بخصل شعره ونبس بصوت هادء يشابه سكينة الليل " حقاً؟ " ربما كان يحتاج تأكيداً لنفسه أو أراد إطالة الحديث مع الفتى الذي يكابر على حقيقة كونه حسّاساً للغاية.
" إممم" هزً رأسه وأردف منقلباً على ظهره مواجهاً لعيني والده وأصابعه تتشابك على جذع الدمية المستقرة على صدره " هي فقط لا تعرفك.. وعمياء للغاية لعدم رؤيتها لروعتك المجريّة "
ارتفعت زاوية فم الأكبر بشكل جانبي على كلام الأصغر وتنهد مخفظاً لعينيه مدلكاً خلفية عنقه " لن أستعجل الأمور.. من الواضح أنها تحتاج لوقت ليس بالقليل لتعتاد "
'عليك أم على عدم وجود والدتها؟' انبثق هذا السؤال في ذهنه لكنه حجبه بسرعة قبل أن يضعف.. صمت قليلاً ناظراً للذي يحدق به بسكون وشفاه مزمومة فارتسمت ابتسامة صغيرة على وجهه 'أحدهم ليس راضياً'
أرخى مرفقيه على فخذيه وتكلم وهو ممسك معصم يده اليمنى ووجهه يقابل النافذة أمامه ببتسامة تستحضر شيء مربك لكن محبب " أتعرف؟.. انطباعي الأول.. حسناً الثاني عنها أنها بلا تعبيرات تُذكر غير الضجر ولا تتحدث عن نفسها كثيراً كبقية الأطفال وتميل بين السخرية والبرود ولا مكان للطف في قاموسها..وكأنها سيدة لئيمة في الخمسين من عمرها "
" بفف" سمع ضحكة مكتومة لينظر ناحية فارس بشكل جانبي فيخفي الأصغر ابتسامته خلف الدمية ويشير له بمتابعة الحديث محركاً صف أصابعه للأمام والخلف.
عاود الأكبر النظر للأمام فاركاً كلا كفيه معاً " شخصيتها صعبة المراس إلى حد كبير لكن لا أنكر أنها لاقت إعجابي.. رؤية ذلك التمكُّن والثقة العالية في شخص صغير مثير للإعجاب " إلتفت مبتسماً أثناء خاتمة حديثه لترتبك ابتسامته من تعبير الأصغر المستنكر والذي يبدوا كشخص على وشك التقيؤ.
" ها؟ " نبس أصلان دون شعور غير مستوعب لفحوى ذلك التعبير ، أيجلب دلواً له أم يجهّز لنفسه محامياً؟
إعتدل فارس جالساً وربت على عضد زراع والده برؤوس أصابعه التي بالكاد وصلت له من وضعيته المستلقية " أنت لست بوعيك.. اذهب لأخذ قسط من الراحة وسأتظاهر بأن هذه المحادثة لم تحدث. لا تقلق سمعة ذوقك بمأمن حتى الممات" قال مستمراً بالتربيت بوجه متفهّم ما بيده حيلة جعل تعابير والده تتعقد " ماذا؟ فارس أنا عنيتُ ما قلته! "
" إششش لا بأس.. سنذهب لشيخ غداً ونرى ما السحر الأسود الذي دسته لك ، إلا إذا كانت المشعوذة نفسها! " قال عاقداً حاجبيه بجدية.
تعقدت ملامح أصلان أكثر فمد يده ناكزاً جبين فارس بمفصلي سبابته ووسطاه ليرتد فارس لظهر السرير مطلقاً تأوهاً.
فرك فارس جبينه بملامح لائمة عبوسة نحو والده فقال أصلان بتعبير ضجر وعدم اكتراث لنظرة اللوم في عينيه" لا تقل أشياء كتلك عن أختك أيها الشقي "
عبس فارس هادراً بغضب " لكن قد أكون محقاً! إنها ليست طبيعية وقـ"
" أتسائل إن بقي لدينا ليمون في الثلاجة؟ " قطع دفاعه عن نظريته تساؤل أصلان وهو ممسك لذقنه ناظراً لبقعة ما بتفكير.
أخذ نظرة جانبية على الفتى الذي تراخى عن وضعه العصبي بتعابير غير راضية البتة مطبقاً شفتيه بصمت فابتسم بخفوت مقرراً اعتماد هذا التهديد بشكل رسمي.. مد ذراعه مبعثراً شعر الأصغر بخشونة جعلته يفقد القدرة على الرؤية إثر إنتكاش شعره. رفع فارس غرته بكلا كفيه بتعبير مغتاظ بشدة فقام أصلان بتقبيل جبينه الذي بات مكشوفاً له متمنياً له ليلة سعيدة وثم نهض سار حتى الباب ليلتف سائلاً وهو يدنوا من وراء درفته من الخارج " تريد الباب موارباً أم مغلقاً؟ "
لم يسمعه الأصغر فقد كان عقله قد توقف عن العمل أو لنقل تعطل متصنماً بتعبير مدهوش وكفاه لازالا يرفعان غرته عن جبينه الذي كانت نقطة تجمع الدماء في وجهه.
ارتفعت زاوية فم أصلان ببتسامة جانبية وقال متظاهراً بعدم الملاحظة " مغلق إذا " وأغلق الباب منتظراً لبضع ثواني أمامه ليسمع صوت صراخ مكتوم يحجبه شيء ناعم منفوش كالوسادة كما خمّن.
قهقة أصلان بخفة سائراً في الممر نحو غرفته بمزاج جيد حتى وصل لداخل غرفته مغلقاً الباب وراء ظهره لتوجم ملامحه وتنحسر تعابيره من مستمتعة إلى وجوم يشوبه تحفز لشيء على وشك الحدوث..
غير ملابسه وأخذ مفاتيحه واضعاً لها في جيب معطفه الطويل وتفقد خزان سلاحه قبل أن يضعه في الجراب على خصره ويهم بالذهاب لوجة معينة..
بعد طريق طويلة بالسيارة وصل لمبنى متطرف وحده في بقعة شبه جبلية تحيطه طبيعة خضراء من حول أسواره العالية مصعٌبة معرفة ما نوع المنشئة 'الصناعية' التي هي عليها نظراً لامتداد أرضها..
كانت الساعة قرابة الحادية عشر صباحاً حينما وصل حيث أخذت الطريق معظم وقته.. صف سيارته قريباً من المدخل الذي يرتفع على قمة عدة درجات إسمنتيه ودخل ببطاقة التصريح التي تسمح له بالولوج لتقابله صالة واسعة للغاية تقارن بخاصة المطارات..
شق طريقه عبر الممرات نحو غرفة الاجتماعات ليدفع البابين الخشبيين مرني المفاصل أمامه ليُشرعا بسهولة ويدخل..
كانت ما قابلته هي غرفة كبيرة ينيرها صف من المصابيح المتدلية فوق طاولة طويلة تصطف حولها عدة مقاعد تشرف عليها من على أقصى جدار شاشة كبيرة مدمجة مع الجدار ذاته يجلس على الكرسي الرئيسي من الطاولة وتحتها رجل في آواخر الثلاثينات يرتدي بدلة رمادية مخططة بخطوط سوداء رقيقة.دشعر أسود وعينان سوداء وبُنية متوسطة تصعب توقع عمره الحقيقي ولديه قبعة كلاسيكية متماشية مع نوع ولون بدلته تحتل رأسه.
ببتسامة ترحيبية بدت وكأنها معدة مسبقاً قال الرجل لأصلان الواقف عند الباب بنبرة ودية مشبكاً يديه فوق الطاولة " أهلاً محقق أصلان كيف كان يومك.. جميل؟ "
لم يرد أصلان مكتفياً بنظرات ثاقبة جعلت الرجل يزفر قائلاً وهو يشير له بالتقدم للجلوس " أفهم أنك رجل يحب الإنجاز لكن لا ضرر من بعض الدردشة الخفيفة بين الأصدقاء القدامى! .. أيضاً أريد معرفة آخر الأخبار عن توأميك اللطيفين " بتنهد ينم عن التوق أنهى كلامه لمن جلس عن يساره حيث فصلت زاوية الطاولة بينهما.
" ألم تصلك الأخبار بالفعل؟ " نطق أصلان تهكم لكون تقرير ليلى عن أميرة لم يصله بعد.
" وصلت لكن أردت سماعها منك مباشرة~ "
" إعادة سماع ما تعرفه بالفعل على لسان شخص آخر مضيعة للوقت.. كما أن ليلى هي من قررت أن ابنتي حاملة للجذري دون دليل قاطع يثبت صحة ذلك الإدعاء"
" في الواقع.. يوجد هنالك واحد " قال الرجل ناقراً بسبابته على سطح الطاولة بإيقاع يملأ به الهدوء المهي
ب الذي حلّ بانسحاب الدماء من وجه أصلان الذي شخصت عيناه بصدمة مؤلمة وكأنه ضُرب في كبد الحقيقة.
🍉🍉🍉🍉🍉🍉🍉🍉🍉
من هنا يبدأ المرح~