ارتجت الأرض تحت أقدام إيليندور، واهتزت الأشجار العتيقة في الغابة كأنها تعرف أن شيئًا غير طبيعي يمر فوقها. صرخة هائلة، صرخة التنين الأسطوري، اخترقت السماء والجبال، وامتدت إلى كل جزء من الأرض. كل ذرة هواء اهتزت، وكل حجر في مكانه ارتعش، حتى قلب إيليندور كاد ينفطر من رهبة الصوت.
حاول المقاومة، حاول أن يتحرك، لكن الصرخة كانت أقوى من أن يتحملها بشر. كل خطوة للأمام كانت كالسلاسل الثقيلة، كل نفس كان يثقل صدره، وكل لمحة إلى السماء جعلته يشعر بضآلة وجوده أمام ملك التنانين
ثم توقف كل شيء فجأة. اختفى الصوت، تاركا صمتًا أثقل من أي ليل عرفه. السماء أخذت تتلبد بالغيوم الداكنة، وألوانها اختفت -هل كان لها لون أصلا؟-، تاركة الظلام يخيم على كل شيء، وكأن العالم نفسه يتهيأ لمصير لم يره أحد قط.
في أقصى الطرف الآخر من العالم، وقف الساحر المجهول أمام التنين، وسط هالة سوداء متوهجة، تتردد فيها تعاويذ قديمة لم يُفك رموزها أحد. نظر إلى التنين بعينين ملؤهما الكبرياء، وابتسم ابتسامة ماكرة، كمن يعتقد أن الكون كله تحت يده. "مرحبا بك في عالم البشر… يبدو أن عليك حكمه لتستعيد عرشك في عالمك."
قالها بنبرة تليق بعظمته، بينما تراقصت حوله تعاويذ سوداء.
ثم ضحك ساخرًا وقال:
"سأساعدك في ذلك... لكن في المقاب—"
لم يكمل الساحر كلماته.
في رمشة عين، انقضّ التنين والتهم رأسه، وقال ببرود:
"لا أحتاج مساعدة أحد… فعرشي سيعود إلى ملكِه، مهما حدث."
تحرك التنين بجناحيه الضخمين، مخلفًا وراءه غيومًا سوداء ورياحًا عاتية، وانطلق مباشرة نحو مملكة إلدورين. على أسوار المملكة، اصطفت الجيوش بدروعها وسيوفها ورماحها، لكن هالته السوداء كانت كفيلة بإجبار الجميع على الركوع… إلا من امتلك إرادة لا تنكسر.
ماركوس، إمبراطور السحر، أقوى رجل في المملكة، وقف شامخًا أمام الجنود. كان طويلاً وعضليًا، شعره الفضي كان يحتفظ بنوره وسط الظلام، وعيناه زرقاوان توهجتا بسحر قديم لا يفهمه البشر العاديون. على كتفيه عباءة سوداء مزخرفة بخيوط ذهبية، تتراقص مع الرياح. كان يتحرك بثقة، كل خطوة لها وزنها، ثم قال بصوت جوهري، متماشيًا مع نبض الأرض، بينما الجيش كله يلتفت نحوه باحترام وخوف.
"استعدوا… اليوم سنواجه شيئًا لم تروه من قبل."
في الغابة البعيدة، وقف إيليندور جامدًا، جسده مشدود، قلبه يختنق، وكل إحساسه بالسيطرة على الموقف قد تبدد أمام القوة المطلقة للتنين. كل خطوة حاول أن يخطوها كانت مثقلة بذكريات غامضة، أحداث الماضي، معارك خاضها، ودماء سالت هباءً… كل ذلك عاد ليطارده بلا رحمة.
اقترب من زوجته ليارا، التي كانت تقف إلى جانبه، عيناها ملؤهما القلق والدموع. نظر إليها، وارتجف صوته وهو يهمس:
"ليارا… كل شيء… كل شيء يحدث أسرع مما توقعت… القوة… الغضب… لا أستطيع التحكم به."
أمسكت بيديه، قلبها ينبض بقوة، وقالت بصوت يملؤه الحزن والخوف:
"من فضلك… من فضلك… عد لي سالماً."
ارتجف إيليندور، وتشققت نبرته لأول مرة منذ سنوات.
الرجل الذي واجه الحروب دون خوف… عجز أمام دموع زوجته. تجمعت الدموع في عينيه، فشيح بوجهه نحو الغابة، كأن الأشجار أرحم من نظرتها. حاول أن يتكلم، لكن الكلمات اختنقت في صدره.
تنفس ببطء… مرة… ومرتين.
ثم قال، بصوت خافت لا يشبه صوته المعتاد:
"سأعود."
لم يقل أكثر من ذلك.
لم يحتج.
نظرت إليه، وكأنها تريد أن تحفظ ملامحه في ذاكرتها. هو فهم نظرتها… فهم كل ما لم تقله.
شدّ على يدها لحظة أطول مما ينبغي…
ثم أفلتها.
واستدار نحو الغابة.انطلق دون أن يلتفت.
لم يرد أن يفعل.
بقيت ليارا واقفة أمام البيت، الريح تعبث بثوبها، وآرثر الصغير متشبث بقدمها، يرفع عينيه نحو الطريق الترابي.
لم يكن يفهم إلى أين يذهب أبوه… لكنه شعر أنه ذهاب مختلف.
ابتعد إيليندور خطوات… ثم أخرى.
وفجأة—
تجمد جسده.
ثم انهار على ركبتيه، كأن الأرض فتحت فمها لتبتلعه. تشنجت أصابعه، واخترقت صرخة حادة صدره، لم تكن صرخة ألم... بل صرخة كائن ينتزع من داخله.
شعر كأن قلبه يمزق نصفين.
ذكريات ليست ذكرياته انفجرت في رأسه.
سماء محترقة.
عرش من لهب.
جناحان هائلان يفتحان السماء.
حاول أن يقاوم... لكنه لم يكن يقاوم قوة.
كان يقاوم نفسه.
ثم... سكن كل شيء. نهض ببطء.
لم ترتجف يداه هذه المرة.
لم يتنفس بعجلة.
التقط سيفه.
وعندما رفع رأسه-
لم تعد عيناه بشريتين.
اشتعلتا بقرمزي داكن، عميق... كدم قديم لم يجف.
وفي السماء البعيدة... توقف التنين.
أدار رأسه ببطء، كمن شعر بند قديم عاد يخفق.
ابتسم.
"إذا... عدت أيضا..."