1 - الفصل الاول:(نبوئه ام وهم؟)

فتاة… وحيدة على سرير نحيف يغرق في الظلام، محاط بجدران مهجورة تتقطر رطوبة وبقايا زمنٍ نُسي من الجميع. الجدران المتشققة كأنها تنبض بصدى الماضي، كل صدع فيها يحمل همسات لم يسمعها أحد منذ عقود، كل زاوية تحوي ظلًا يذكّرها بأن العالم قد تخلّى عنها منذ زمن بعيد. الغرفة شبه مظلمة، والهواء ثقل يغلفها، ملمسه كأطياف باردة تعانق جسدها الهش.

شعرها الأسود، فوضوي ومتشابك، يلتصق بجبينها المتعرق، ينساب على كتفيها مثل خيوط الليل التي تحاول احتوائها، لكنه يظل فاقدًا لأي شكل، فاقدًا لأي ترتيب، كأنه مرآة لحالها النفسي الممزق. جسدها نحيف للغاية، لدرجة أن عظامها البارزة تبدو وكأنها ستخترق جلدها الشاحب في أي لحظة.

كل حركة لها تجعل الظلال تتراقص على وجهها، فتبدو كأنها جزء من الجدران نفسها، جزء من هذا المكان الذي نسيها.

عينان باهتتان، عميقتان، كمرآة لفراغ لا يعرف الرحمة، تحملان ألوان الألم والفقدان. كل همسة، كل ارتجاف في شفتيها المرتعشتين يخرج كصوت خافت، أشبه بأنين صغير لا يستطيع ملء الصمت الكبير للغرفة. كل نفس يخرج منها كان يرتجف بين الخوف والبرد، بين الرغبة في الصراخ وبين الرغبة في الانصهار في الظلام، كأن العالم لم يعد موجودًا إلا كمسرح لصمتها.

سعلت فجأة، وسقط دم على اللحاف البالي، أحمر كالتحذير، كل نقطة منه كانت كنبراس صغير يحذرها من هشاشة الحياة، من غياب الأمان، من فكرة أن أي شيء يمكن أن يُسلب منها في أي لحظة.. عينيها تعبر عن ما لم تستطع النطق به

'لماذا تخلى عنها الجميع؟… ألم تكن… أميرة؟… ما قيمة كونها من أنبل وأنقى الدماء… وها هي هنا… وحيدة… تحتضر… في هذا القصر المهجور… منسية؟'

ارتجفت، وارتعش جسدها كله، حتى الأصابع الصغيرة التي مدت نحو النافذة كأنها تبحث عن أي شعاع حياة. كانت تبحث عن الهواء النقي الذي يملأ رئتيها، عن ضوء يلوح في الأفق، عن سماء لم تعرفها قط… لكنها لم تجد سوى الظلام، الصمت المطبق، والبرد الذي يعض عظامها بلا رحمة، كأنه يذكرها دومًا بأنها منسية، بلا أحد، مجرد صدى في قصر مهجور..

ارتجفت أكثر، وصوتها الخافت، المتهدج، كأنه يخرج من أعماق روحها الممزقة، شق الصمت:

"أين أنت؟ هل هناك من يسمعني؟، أو من يشاركني آلامي؟، هل سيأتي أحد لينقذني من هذا العزلة القاتلة، أم أنني سأظل هنا وحدي، كصدى لشيء لم يُولد بعد؟ شيء لم يعرف الأمان ولا حضن الدفء، مجرد ظل حائر يتجول في دياجير الوجود."

"عشت وحيدة، أتعلمت من الصمت لغة الفراق، والخرس أصبح رفيقي. والآن، سأموت وحيدة... لا أريد أن أغادر هذه الحياة دون أن تترك آثارًا! دون أن يعرف أحد أنني كنت هنا!. أرجوكم، لا تتركوني في هذا الظلام الدامس. هل من أحد ينادي عليّ، أو يمد لي يد العون؟ لا تتركوني... فأنا فقط أبحث عن بادرة أمل، عن لمسة تعيد لي شعور.. الانتماء... ارج.. وكم!!!... "

ثم توقفت فجأة، وسقطت يدها النحيله..متدليه من السرير

***

استيقظت من نومها، متسارعة النفس، يداها ترتجفان، والعرق يغطي جبينها. وجهها كان مشدودًا، عيناها متسعتان من الرعب، شفاهها ترتجف وكأن كل كلمة قادمة ستفجر الخوف الكامن داخلها. صوتها كان خافتًا، ممزوجًا بالرهبة والارتباك، كل همسة منه كأنها تحاول ترويض الظلام نفسه.

تلمست بطنها المنتفخ بيدين مرتعشتين، تبحث عن الحياة التي تنمو داخله، حياة لم تعرف السلام بعد، حياة قد تكون سبب بقائها أو سبب سقوطها. كل خفقة قلبها كانت تذكرها بالمسؤولية، بكل شيء قد تفقده لو توقف العالم عن الوجود فجأة.

ارتجفت كتفها مع كل تنفس، ومع ذلك كان هناك شيء في هذا الارتجاف يحوي القوة، قوة الخوف الذي يحمي، وخيط الأمل الذي يلوح وسط الرهبة. شعرت بالظلام يلتف حولها، لكنه لم يعد مجرد عدو… أصبح خلفية لصوت قلبها، لصراخ روحها، لصوتها الذي يهمس بالتصميم على حماية ما هو غائب عن العالم بعد، ما هو لم يولد بعد.

همست لنفسها بصوت متهدج، تتشابك فيه خيوط الرعب بالعزيمة، وكأنهما رفيقان في درب مصيرها المجهول:

"إنه المستقبل… تلك الرؤى التي اجتاحتني.. ليست مجرد أحلام عابرة!، بل نذر لواقع مشؤم وشيك. لن أسمح.. لأي كائن أن يمسها بسوء!، لن أدع أحدًا يقترب منها… لا أحد… لا أحد على هذه الأرض!! "

صرخت المرأة بكل ما في وسعها، تمتزج نبرتها بالهيستيريا كزوبعة متحطمة. حدقت بعيون جاحظة، مملوءة بالفزع، تتفحص محيطها بعناية، وكأن كل زاوية تحمل تهديدات خفية. كان قلبها ينبض بعنف، وكأن دقات الساعات تزداد سرعة، تتسابق مع الوقت الذي يتلاشى بين يديها.

يجب أن تهرب! فكرة الفرار تتأجج في داخلها كالنار التي تنمو لتلتهم كل ما حولها، ولكن في أعماقها كان صوتٌ آخر يُشعل شكوكها هل سيكون هذا كافيًا؟ لا، لا!، لن تسمح لهم بأخذها منها!.. طفلتها فلذة كبدها

همست لنفسها مرة أخرى، كأنها تُسكن روع قلبها المرتجف، وعيونها تتلألأ بالخوف، بينما تتصارع الأفكار في عقلها بتسارعٍ يشبه تتابع نبضات قلبها

"عليّ أن أتحرك… الآن… قبل أن يُدرك أحد وجودي."

اجتاحت مشاعر القلق جسدها كعاصفة، وكأن الصورة المرعبة التي رافقتها في حلمها لم تترك لها مجالًا للراحة. عينيها، التي كانت تحمل في الأصل بريق الشجاعة، بدأت تعكسان طيفًا من الذعر، بينما ارتجف صوتها وكأنه يحاول اختراق جدران القصر المنعزلة. كل حركة، كل خطو، كانت محاطة بهالة من التوتر.

تجمدت ملامح وجهها في لحظة تفكير عميق؛ زوايا فمها انحسرت كأنها تكتشف الصدمة التي تُخفيها. لا يجب أن يعرف الملك عن نواياها أبدًا، خاصةً الآن، وهي تحمل في أحشائها طفلهما. تلك الفكرة وحدها كانت كافية لتدفع المشاعر المتضاربة في قلبها إلى ذروتها؛ كيف يمكن لملكة أن تفكر في الهرب، بينما العالم من حولها يمتلئ بالتوقعات والواجبات؟

عندما تذكرت الحلم، شعرت بشيء كالعاصفة، لا يزال يدور في أعماقها. كانت كأنها تتخيلها جلية أمام عينيها، تكاد تلامسها. هذا الرعب كاد أن يبتلعها، ولكنها تمكنت من إعادة تنظيم أفكارها، مع تكثيف التركيز على الهدف الذي يحركها. يجب أن تحمي طفلتها من هذا العالم الذي يحتضر.

نبرتها، أوراق على حافة الهدوء، بدأت تخفت تحت وطأة الخوف. "لن أدع شيئًا يؤذيها…" تمتمت، وكأن الكلمات كانت تعيد لها بعض الثقة. لكن في أعماقها، شعرت بأن كل مرحلة من خطتها تحمل معها خطر الاكتشاف.

تأملاتٌ عميقة اختلجت في عينيها، عزم داخلي يشتد مع كل لحظة، بينما كانت تعزف على وتر الغموض. أومأت برأسها برقة، مُجبهة الظلال التي تحيط بها، تنبض في قلبها إرادة لا يمكن تجاهلها. "سنكون آمنتين… سأفعل ما يتطلبه الأمر…"

كان الأمر يتطلب تماسكًا، وتحضيرًا لا يُعرف حدوده، فقد كانت في خطر دائم، لكن غريزتها كأم كانت أعلى من كل شيء آخر. وحين استعدت للرحيل، أدركت أن الخسائر التي قد تنجم عن اكتشاف نواياها تفوق ما يمكن أن تحتمل. في تلك اللحظة، عادت إلى سرها الأعمق، تمسك بحلمها بقبضة من حديد.

نهضت، تخرج من ظلال القصر كنسمة خفيفة، كل حركة محسوبة بدقة، تتجنب أي صوت قد ينبه الخدم أو الحراس. السجاد الانيق تحت أقدامها لم يكن مجرد نسيج مزخرف، بل كأنه يئن مع كل خطوة، يجسد أسطورة لا تزال عالقة في جنبات هذا القصر العتيق. ورغم ما يحيط بها من ضجيج الحياة اليومية، أخفقت في أن تكون جزءًا من هذا المزيج؛ خبرتها الطويلة في القصر جعلتها تتحرك كظل خفيف، خفية وهادئة، تتسلل بين الكواليس كما تتسلل الأفكار في عقول الملوك.

لم يكن الملك أو الأبناء هنا؛ الملك عالق في اجتماع خارج حدود الإمبراطورية، بينما الأمراء انشغلوا بأنفسهم، منهم من في الأكاديمية لتدريب الجيوش، ومنهم على الحدود، يحرسون أو يطاردون وحوش الغابة خلال موسم التكاثر. ولكن في هذه الليلة، حيث الجدران تنصت، بدا القصر، رغم صخبه اليومي المعتاد، شبه فارغ. لقد استسلم لسكوت غامض، وكأن جميع جدرانه تدرك سرّها ولم تعد تجرؤ على الحركة.

تقدمت نحو بوابة القصر، حيث يقف الحراس على أهبة الاستعداد، رجال ونساء يرتدون أثوابهم الرسمية بتنسيق دقيق، وكأنهم تماثيل تجسد هيبة وسلطة القصر. كانت الأضواء الخافتة تتراقص على الجدران، مما أضفى على الممر لمسة سحرية. وعند مشهدها، استقام الحراس بحركة متناسقة، كأنما يدركون أهمية وجودها.

«مولاتي،»

قال أحدهم بصوت رصين، مُحنيًا برأسه بتقدير عميق يليق بمقامها.

«كيف يمكننا خدمتك في هذه الساعة المباركة؟»

انتابتها لحظة من الارتياح، ولكن عينيها كانوا يبعثان شعورًا بالتوتر الخفي؛ فالحلم الذي يؤلم روحها لم يغادرها.

"سأذهب لزيارة أحد الحكماء… استشارة في أمر مهم يتعلق بالإمبراطورية،"

أجابت بصوت هادئ، متزن، يحمل هيبة الملكة، وكأن الكلمات تتشكل بعناية فائقة.

«أمرٌ طارئ، يا مولاتي؟»

استفسر الحارس الأكبر، مُستشعرًا نبرة جديتها، لكنه لم يكن لديه أدنى شك في دوافعها. كان يعتقد أنها تمثل الجلال والنظام.

«إذا كان الأمر ضروريًا، فنحن هنا في خدمتك. لا تترددي في الطلب، فسلامتك أساس كل شيء.»

تبادلت نظرات الحراس، ولكن لم يتسلل إليهم أي شعور بالريبة. كانوا يحترمون دورها كزوجة الإمبراطور، وكانوا على دراية بأن مشاغلها يجب أن تُحترم.

"نعم… أمر طارئ جداً… لا أستطيع الانتظار،"

أجابت، محاولًة إخفاء التوتر الذي يعتمل في داخلها، وهي تراقب الحراس بعناية شديدة، تبحث عن أي علامة قد تدلل على الشك. لكنهم لم يظهروا سوى الولاء التام.

في أعماقها، كان قلبها يخفق بسرعة، تذكر أن الخطوة التالية في خطتها قد تكون مصيرية. كانت تعرف أنها تحتاج إلى الأكثر دهاء، ولكن الحراس لم يشكوا أبدًا في ان احدى زوجات الامبراطور تفكر بالهرب

خطت بين القاعات المظلمة، حيث كانت تفتح أمامها كألوانٍ باهتة، تتجنب الانتباه، تتنفس بصمت وتلمس الجدران أحيانًا، وكأنها تتحقق من الاتجاه. كل غرفة تمرّ بها تحمل معها ذكريات حية، صمتًا غامضًا، وعبق الماضي المرير.

***

طارت في السماء، تُلامس الغيوم بلطف، لكن شعور القلق ظل ملازمًا لها. بعد ساعة من التحليق، انتهت الرحلة ببطء في منطقة محرمة، كانت تقع بين عالمها وعالم البشر. هنا، الطقس مضطرب، الهواء مشبع بتيارات غير مستقرة، وكأن كل رياح تحمل تنبيهات من قوى قديمة تحدرها.

عندما نزلت، تلقت ضربة من الرياح العاتية، لكن عزيمتها كان أقوى من كل شيء. تقدمت نحو النقطة الهشة التي عرفت أنها ستقودها إلى ما تفكر به، إلى ملاذ ابنتها المنتظرة. وقفت أمام بوابة مظلمة، معروفة بأنها محظورة، حيث يُقال إن استخدام القوى هنا يُعتبر فعلاً محرمًا. لكنها لم تَبالِ، فسلامة طفلتها كان كل ما يهمها.

تجمعت أمامها دوائر من الطاقة، تنبض كما لو كانت تتنفس. كانت تعرف أن هذه اللحظة تحتاج إلى كل طاقتها، كل ما لديها من قوة، ورغم ذلك، شعرت بكلمات التحذير تتردد في أعماقها. يمكن أن تكون هذه المحاولة نهاية لها، ولكنها كانت مستعدة لتحمل المخاطر.

رفعت يديها نحو السماء، واستشعرت الطاقة المحيطة بها، وبدأت تتجمع في قلبها، ممزوجة بأحاسيس الأمومة والحب. نبرة صوتها، وهي تتحدث الكلمات القديمة، كانت تتردد كأغنية محظورة. وعندما هيأت لفتح البوابة، شعرت بالسلطة تتخلل كل خلية في جسدها، ولكنها كانت تعلم أيضًا أن هذا الأفعال قد تعود عليها بعواقب وخيمة.

«، أيها العالم القديم، افتح لي الطريق!» نادت، وصدى صوتها اختلط مع زئير الريح المتماوج.

تراجعت الأرض من حولها كأنها تطيع أوامرها، وبدأت البوابة تتشكل ببطء، خطوط مضيئة تُرسم في الهواء، مُتحدّية كل معايير القانون لكن بينما كانت تعيد تشكيل الحدود بين العوالم، شعرت باضطراب فيما حولها، وكأن القوى القديمة قد بدأت في الاحتجاج على تجاوزها.

كانت عيناها مُجمعتين بكل التركيز، والتصميم على حماية ما هو أغلى لديها. لم تحتمل فكرة أن تُفشل، وذهنها مشغول بفكرة لطفلتها التي يجب أن تعيش. ووسط تلك الفوضى، شعرت بأن وقتها ينفد، وأن كل لحظة تُمثل تهديدًا لمستقبلها.

فجأة، مع انفجار من الطاقة، تمزق الهواء حولها، وحازت البوابة على شكلها النهائي، متفتحة أمام عينيها كدعوة للعبور إلى ما هو آمن.

عندما تم فتح البوابة بالكامل، ظهر مشهد رائع ومهيب يجمع بين الجمال والغموض. كانت البوابة محاطة بأضواء متوهجة تتلألأ كالأحجار الكريمة، حيث عكس السطح العاكس ضوء القمر الساطع الذي كان يضيء كل شيء من حولها.

البوابة نفسها كانت تتخذ شكل قوس كبير، مصنوع من طاقة قديمة نابضة، كما لو كانت تتشكل من خيوط من النور المنسوجة بعناية. كانت تلك الخيوط تتلألأ بألوان متدرجة بين الأزرق العميق والذهبي، وكأنها تحمل أسرار العالمين في طياتها.

مع فتح البوابة، تسرب من داخلها ضوء ساطع، يكاد يملك القدرة على إيقاف الزمن. خلف البوابة، كان يُرى مشهد شاطئ وامواج البحر التي بدت كأنها تتراقص تحت نسمات هواء مُنعش، والسماء تمتلئ بالنجوم المتلألئة كأنها تُرحب بالعبور.

في تلك اللحظة، عبّرت البوابة عن كل ما كان محجوبًا، كل ما كان مُخفيًا عن عينيها، وكأنها كانت تعدها بمستقبل جديد، حيث يمكن للحياة أن تبدأ من جديد. تلك اللحظة كانت بمثابة نقل بين العالمين، وكان أي شخص ينظر إليها يدرك أنها بوابة بين الماضي والمستقبل، وبين الأمان والمغامرة.

كان الجو مليئًا بالطاقة، وكأن دوائر من العواطف والمشاعر تتشابك فيه، حاملة معها آمال أمٍ قوية وعازمة على حماية ما هو أغلى لديها

عندما عبرت، أدركت أنها لم تعد في مناطق محرمة، بل انتقلت إلى جديد، حينها شعرت بارتياح عميق، لكنها عرفت أيضًا أنها ستدفع ثمن قرارها. ومهما كانت العواقب، طالما أنها ستحمي طفلتها، فإن كل ما فعلته سيستحق العناء.

يتبع...

2026/03/06 · 4 مشاهدة · 1945 كلمة
جورين
نادي الروايات - 2026