في عتمة الليل، ومع عواء الذئاب الذي يملأ غابة موحشة ومخيفة، كانت فتاة حافية القدمين تجري بجنون، تبحث عن منقذٍ أو عن ضوءٍ ينير طريقها. وبين الظلام، أحسّت بنورٍ خافت يأتي من بعيد. تقدّمت أكثر فأكثر، حتى توقفت أمام قصرٍ عتيق، جدرانه تحكي آلاف السنين من الصمود، وقد نبتت النباتات على جدرانه المتشققة.
كان القصر من الخارج مخيفًا للغاية. نظرت الفتاة، واسمها نور وشعرها اسود فحمي طويل وعينيها بلون عسلي غامق، توجهت إلى القصر بارتباك؛ لا تعرف هل تدخله أم تفرّ بعيدًا. لكن فور سماعها لعواء الذئاب من جديد، ارتعبت ودخلت القصر مسرعة…
من وجهة نظر نور:
قبل ساعات، كنت أقود سيارتي وأستمع إلى الأغاني بصوتٍ عالٍ، أغني بمرح وأنا اقود الطريق بين غابات كردستان. كنت أحب السفر والاستكشاف، فأنا في الأصل من بغداد، لكنني جئت إلى كردستان لاكتشافها.
وفجأة، تعطلت سيارتي في منتصف الطريق. نزلت منها وتفقدتها، لكنني لم أجد أي مشكلة، فاستغربت. نظرت حولي ولم أجد أحدًا. تنهدت بضيق، ثم عدت إلى داخل السيارة، أخذت هاتفي وحاولت الاتصال بوالدي لأستشيره وأطمئنه على حالي، لكن لم تكن هناك أي إشارة.
انزعجت وركلت السيارة بغضب، فتألمت وأمسكت بساقي بعبوس.
بعد ساعات، حلّ الليل، وسمعت أصوات الذئاب. ارتعبت وقررت البقاء داخل السيارة وعدم الخروج أبدًا. من شدة التعب، غلبني النوم.
وفي منتصف الليل، سمعت صوت طرقٍ على الزجاج. فتحت عيني بخوف، ونظرت… فصرخت حين وجدت رجلًا غريبًا يحدّق بي.
بعد لحظات، أخرج هاتفه وكتب في الملاحظات أنه يريد مساعدتي، وأن اسمه ياسر، ثم أراني ما كتب. هدأت قليلًا وفتحت الباب بعد أن فهمت أنه يريد المساعدة، لكنني بقيت حذرة.
نظر إليّ ياسر وسألني عن المشكلة، فأخبرته بما حدث للسيارة. تفقد مكان العطل وقال إنه سيحاول إصلاحها. أومأت برأسي وشكرته.
تمشيت قليلًا محاوِلة البحث عن إشارة للاتصال بوالدي، بينما كان ياسر يعمل على السيارة. وفجأة سمعت صوت تشغيل سيارة، فطرت من الفرح ونظرت حولي… لكن الرعب تملكني حين رأيت رجالًا آخرين، وكان الصوت يعود لسيارتهم لا لسيارتي، ووجدت ياسر معهم، ينظر إليّ بشر.
تراجعت بخوف، فقال ياسر بعينين خبيثتين:
«لم أرَ في حياتي فتاةً غبية مثلك، كيف تصدقين رجلًا رأيته لأول مرة؟»
تقدّم نحوي وأنا أتراجع بذعر. أمسك بيدي، فبكيت وقلت برجاء:
«أرجوك اتركني، ماذا فعلتُ لك؟»
ضحك وقال:
«وكيف لرجلٍ مثلي أن يترك فتاة جميلة مثلك؟»
حين حاول الاقتراب أكثر، صفعته بقوة على وجهه، ثم ركضت هاربة إلى داخل الغابة. ركضت بكل ما أملك من قوة حتى ابتعدت مسافة شعرت معها بشيء من الأمان. توقفت ألهث، ولاحظت أن ساقي تنزف بسبب الأشواك التي دخلت حذائي، فاضطررت إلى نزعه.
جلست أبكي مما حدث لي، وبينما أنا كذلك سمعت صوت خطوات. التفتّ فرأيت ذئبًا. ارتعبت وركضت هاربة، أبكي وأركض دون أن أرى الطريق أو أعرف إلى أين أتجه… حتى وجدت نفسي أمام القصر.
بعد أن دخلت القصر، نظرت حولي. كان مظلمًا ومخيفًا. بلعت ريقي وتحدثت بتوتر:
«هل من أحد هنا؟»
لكن لم يجبني أحد.
تقدمت بحذر، فرأيت درجًا يؤدي إلى الطابق الثاني. صعدته، فوجدت ممرًا طويلًا تتوزع على جانبيه أبواب عدة. دخلت أول باب، فوجدت مكتبة كبيرة ومهيبة. على طاولة أنيقة وفاخرة كان هناك كتاب موضوع داخل غلاف زجاجي، كما في المتاحف.
أخذت الكتاب الأسود بفضول، وكان مكتوبًا على غلافه: «أرزيالا».
ما إن فتحت الصفحة الأولى حتى خرج ظلامٌ أسود من الكتاب، واشتدت الرياح من حولي، وشعرت وكأن الكتاب يسحبني نحوه. تطايرت الكتب واهتزت الأرض من تحتي… ثم فجأة، توقف كل شيء.
فتحت عيني بخوف، فوجدت المكتبة طبيعية، وكأن شيئًا لم يحدث. نظرت إلى يدي فلم أجد الكتاب. ارتجفت من الخوف، وخرجت من الغرفة وأغلقت الباب، مقررة ألا أفتحه أبدًا.
تابعت تجوالي في القصر حتى دخلت غرفة نظيفة، فقررت أن أرتاح وأنام تلك الليلة فيها.
استلقيت على السرير، ثم شعرت بألم في كف يدي. نظرت فوجدت وشمًا غريبًا مكتوبًا عليه: «أرزيالا». ارتبكت بشدة، فأنا في حياتي لم أضع وشمًا.
لكن النعاس غلبني، فقررت تجاهل الأمر والنوم…
لم أكن أدري أن الصباح حين يأتي، سيجلب معه شيئًا لم أتخيل يومًا أن يحدث لي أبدًا.
يتبع..