كأن لم يكن

المقدمة

يقولون إن القوة تبني العالم، لكنهم لا يخبرونك بما يحدث حين تُبنى المدن من أكاذيب، والطرق من أوهام، والناس أنفسهم من خيال مدنَّس لا أصل له.

أنا جسار، وحين تلمس يدي شيئاً بُني على ذلك الخيال - يعود إلى العدم الذي جاء منه. لست بطلاً، ولست منقذاً؛ أنا طفل نجا من مأساة لا يعرفها أحد، ويحمل في راحتيه قوة لا يفهمها هو نفسه بعد. قوة لا تخلق ولا تُشكّل، بل تمحو - كل ما هو زائف، كل ما لم يكن ينبغي له أن يوجد أصلاً.

في إمبراطورية دويمن، هذا يجعلني أخطر شيء على وجه الأرض، أو ربما - أكثر شيء يحتاجونه. هذه ليست قصة انتقام، أو ربما هي كذلك، لكنها تبدأ كما تبدأ كل الأشياء الحقيقية - بطفل في زنزانة، وثلج يغطي العالم بالصمت، وسؤال واحد لم يجب عنه أحد بعد: ماذا يتبقى من العالم حين تُمحى كل أكاذيبه؟

بداية القصة

في القرن الثالث عشر، وتحديداً عام 1296 من تقويم دويمن، كان ميتم هويرن يقع في أقصى الجنوب، عند حدود الإمبراطورية حيث ينتهي النظام ويبدأ النسيان. كان يضم أطفالاً نجوا من الحروب والكوارث التي خلّفتها قوة الخيال المدنَّس؛ كل واحد منهم يحمل جرحاً مختلفاً لكنهم يتشاركون نفس الصمت.

كنت أنا، جسار، واحداً من خمسة:

• رين: فتاة تمسك السيف كأنه امتداد لذراعها، لا تتكلم كثيراً لكن جسدها دائماً يقول ما تعجز عنه الكلمات.

• ماري: خفيفة كالظل، سريعة كالفكرة؛ كأن من يراها يشعر أن العالم لم يصمَّم لتُمسك بها.

• شداد: ضخم البنية لسنه، صامت بطريقة مختلفة عن صمت رين؛ صمت من يكتفي بالقوة ولا يرى حاجة للكلام.

• باسل: الأكثر غرابة بينهم جميعاً، لم يكن يملك قوة ظاهرة، لكنه يملك شيئاً أثمن: منطقاً لا يتزعزع، وكرهاً عميقاً للخيال المدنَّس يجعله يرفض الكذب حتى حين يكون الكذب أسهل.

أنا الخامس: الذي تحت المراقبة.

بدأ الأمر بيوم عادي وأثاث اختفى؛ رآني أحد الأطفال أضع يدي على الطاولة فتلاشت كأنها لم تكن. الخوف الذي رأيته في عينيه لم يكن خوفاً من الخطر، بل خوفاً ممن يملك قوة الخيال المدنَّس. لم يستمع أحد لتفسيري، ولم يمنحني أحد فرصة الكلام، وفي الليل ذاته نزلوا بي إلى الأسفل.

الزنزانة لم تكن مجرد غرفة صغيرة؛ كانت فكرة - فكرة أنني يجب أن أختفي. الحجارة رطبة دائماً بعرق لا ينشف، والهواء ثقيل بريح العفن والنسيان. الطعام كان يأتي بالقدر الذي يبقيك حياً فقط، لا أكثر؛ كأنهم يريدون أن تبقى شاهداً على تلاشيك البطيء. لا نافذة، لا ضوء طبيعي، ولا مكان تنام فيه إلا الأرض الباردة. أسابيع تمر فلا تعرف إن كان نهاراً أم ليلاً إلا من صوت الأقدام فوقك.

في تلك الظلمة، صرت أتعلم يدي من جديد؛ أفهم حدودهما، أخشاهما، وأحاول أن أكفّهما عن أي شيء. المسؤول عن إحضار الطعام كان باسل؛ هو من اختاره المشرفون تحديداً لأنهم يعرفون كرهه لقوة الخيال - ضمانة إضافية أنه لن يتهاون معي. حاولت أن أشرح له في كل مرة، أن ما أملكه ليس قوة الخيال بل عكسها - قوة تمحو الخيال لا تصنعه. كان يستمع في صمت ويغلق الباب في كل مرة، لكن في إحدى المرات - وأنا أتكلم - لاحظت شيئاً في عينيه، شيئاً يشبه التردد؛ كأن جزءاً منه يريد أن يصدق. لم يكن ذلك كافياً بعد، لكنه كان بذرة.

ظهور النبيل

في شتاء 1300، جاء النبيل؛ زار الميتم بحكم أنه جزء من إقطاعيته، ومر على السجلات كما يفعل من تعوّد أن التفاصيل تهم. وجد في الأوراق خمسة أسماء، لكن عيناه لم تلتقِ إلا بأربعة وجوه. سأل المشرف، فأجابه المشرف بثقة الشخص الذي تدرب على الكذب: "خطأ في التسجيل، لا أكثر." لكن النبيل كان من النوع الذي لا تقنعه الثقة وحدها؛ ذهب إلى الأطفال وسألهم واحداً واحداً، فأنكروا جميعاً، حتى وصل إلى باسل؛ باسل الذي يكره الكذب أكثر مما يكره قوة الخيال، أخبره بكل شيء.

وجدني النبيل في الزنزانة؛ أضاء الممر بمصباحه وفتح الباب الحديدي ونادى باسمي. قلت بصوت أجش من قلة الاستخدام: "نعم، من أنت؟" نظر إليّ - إلى ما تبقى مني - عظام تكسوها جلد شاحب، وعيون معتادة على الظلام حتى آلمها ضوء مصباحه الصغير. سألني: "لماذا أنت هنا؟" فأجبته بما لا يحتاج تجميلاً: "هذا الميتم المقيت سجنني لكي أختفي - أنا والسر الذي أحمله."

قال: "اخرج." حين خرجت، مدّ إليّ حجراً صغيراً ينبض بنور خافت وقال: "أمسكه." أمسكته، وفي لحظة واحدة هادئة لا دراما فيها، تبخر النور كأنه لم يكن؛ لا صوت، لا دخان، ولا أثر. فراغ نظيف حيث كان الضوء. صمت النبيل طويلاً؛ نظر إلى الحجر، إلى يديّ، وإليّ. رأيت في عينيه الداكنتين شيئاً يتحول - ليس خوفاً، بل إدراكاً بطيئاً يشبه من يرى خريطة لأول مرة ويفهم أين كان طوال هذا الوقت.

أصدر أوامره للحرس بإخفاء ما جرى وقال: "أنا أركين، فيكونت في هذه الإمبراطورية،" مكملاً الجملة التي جمّدتني في مكاني: "سأتولى رعايتك وأخرجك من هذا الميتم." بقيت صامتاً لحظة؛ كانت قذارة الزنزانة لا تزال في ملابسي، والكلمات لا تزال غريبة على لساني من طول الصمت. سألته بحدة لم أحاول إخفاءها: "هل تقول أنك ستتبناني؟ ما الذي ستجنيه أنت من هذا؟ يبدو أن كل ما قلته يصب في مصلحتي - فأخبرني عن مصلحتك."

لم تتزحزح نظرته؛ اقترب خطوة وقال بصوت منخفض، بصوت من يكشف ورقته الأخيرة: "من جانبي - سأمتلك مفتاح العودة إلى ما كان قبل أن تُدنَّس الأرض؛ قبل أن يبني الخيال المدنَّس هذا العالم المزيف." نظرت إليه بما يكفي ليفهم أنني لم أقتنع بعد، وقلت: "بما أنني سأصبح ابنك بالتبني، سأحتاج إلى حارس." رفع حاجبيه قليلاً وقال بنبرة فيها شيء يشبه الإعجاب: "هل تفضل القوي أم الذكي؟"

فكّرت - ليس طويلاً - كنت قد فكّرت في هذا من قبل في ظلام الزنزانة، في تلك الساعات التي لا يملك فيها الإنسان إلا أفكاره: "قوتي لا تمحو فقط - تمحو أي شيء بُني على الكذب: المدن، الطرق، وأشياء لا ينبغي أن تمسّها يد طفل لا يستطيع دائماً أن يتحكم فيما تلمسه. أحتاج شخصاً يعتمد على المنطق لا العضلات؛ أحتاج من يقول لي متى أتوقف." توقفت وأضفت: "باسل، الولد الذي أخبرك عني - هو." نظر إليّ أركين بصمت، ثم أضاف ببطء كمن يكمل الفكرة: "إذن باسل ليس فقط حارسك،" فأجبته بما كنت أعرفه منذ زمن: "بل هو الوحيد الذي يستطيع أن يقول لي متى أتوقف."

الخروج من ميتم هويرن

استغرق أركين ثلاثة أيام لإتمام إجراءات التبني الرسمية؛ في تلك الأيام لم أغادر الغرفة التي خصصها لي في نزله القريب من الميتم. كانت المرة الأولى منذ سنتين أنام على فراش حقيقي، لكن النوم لم يأتِ بسهولة؛ كنت أحدق في السقف وأفكر في يديّ، أُخفيهما تحت البطانية كأنني أخفي شيئاً يجب ألا يراه أحد حتى في الظلام.

في اليوم الثالث، جاء أركين ومعه باسل. وقف باسل خلفه بوجه محايد لا يكشف شيئاً، لكن حين دخل، وقعت عيناه على وجهي مباشرة. لم يتحاشَ النظر، لم يعتذر، ولم أكن أنتظر منه اعتذاراً. قلت بهدوء: "كنت تريد قتلي،" فأجاب بالطريقة ذاتها: "كنت أظنك خطراً." سألته: "وماذا تظن الآن؟" فكّر قبل أن يجيب؛ هذا ما أحببته فيه دائماً - لا يتكلم قبل أن يفكر - ثم قال: "أظنك لا تزال خطراً." نظر إليه أركين بشيء يشبه الارتياح، ونظرت أنا إلى باسل بشيء يشبه الاحترام، وقلت: "إذن نحن متفقان، هل ستأتي معنا؟" لم يجب بالكلام؛ أخذ حقيبته الصغيرة من الأرض ووقف عند الباب ينتظر، وكأن هذا كافٍ.

حين مررنا بردهة الميتم، رأيت رين عند نهاية الممر؛ كانت تمسك قبضة سيفها التدريبي الخشبي وتنظر إليّ. لم تقل شيئاً، لكنها أومأت برأسها إيماءة خفيفة واحدة. لا أعرف ماذا كانت تعني تلك الإيماءة، لكنني أومأت لها بالمثل. خرجنا من ميتم هويرن في صباح شتوي، والثلج يغطي الأرض بصمت أعرفه جيداً. كانت المرة الأولى منذ سنتين أرى السماء بالكامل. سار أركين أمامنا نحو العربة، وسار باسل بجانبي دون أن ينظر إليّ، ثم قال فجأة بصوت منخفض: "إذا بدأت يداك تمحوان شيئاً لا ينبغي، سأضربك على رأسك لتتوقف." توقفت للحظة، ثم مشيت من جديد وقلت: "اتفقنا."

وهكذا بدأت رحلتي؛ لا بالبطولة ولا بالانتقام، بل بطفلين يمشيان في الثلج - أحدهما يخشى يديه، والآخر يحمل في جيبه منطقاً يكفي لإيقاف العالم. بعد مدة وصلنا إلى قصر أركين، ومن تلك اللحظة صرت أسميه بيتي، وأسميت أركين ما لم أسمِّ أحداً من قبل - والدي. نظرت إليه حين اقتربنا من البوابة وسألت: "كيف ستعرّف الجميع بي في الداخل؟ هل جهزت عذراً مقنعاً؟" فأجاب دون أن يتوقف عن المشي: "الجميع بالداخل تقصد زوجتي وابنتي؟" قلت: "نعم، عائلتك؛ يجب أن يكون لديك سبب يجعلهم يقبلون تبنيك لي دون أسئلة." توقف أركين عند البوابة ونظر إليّ بنظرة أدركت فيها أن هذا الرجل لم يكن مرتجلاً كما بدا؛ كأن لديه خطة منذ البداية.

دخول القصر

البوابة كانت من حديد أسود ثقيل؛ نوع الحديد الذي يقول لمن يراه أن من خلفه لا يحتاج إلى إثبات شيء لأحد. فتحها الحارس حين رأى أركين دون أن يُسأل؛ إيماءة من تعوّد أن الأوامر تسبق الكلام. دخلت خلف أركين وباسل يمشي بجانبي. الفناء الداخلي كان واسعاً بما يكفي ليجعلك تشعر بصغرك، لكنه لم يكن بارداً كما توقعت؛ كانت هناك أشجار قديمة وعارية من أوراقها في هذا الشتاء، لكنها كانت هناك - شيء حي يرفض أن يختفي.

أول شيء رأيته داخل القصر لم يكن الزوجة ولا الابنة، بل كانت طاولة؛ طاولة طويلة من خشب داكن، عليها كتب مفتوحة وخرائط مطوية وكوب شاي نسي أحدهم أن يكمله. نظرت إلى يديّ تلقائياً وأبعدتهما عن جسدي قليلاً كما تعلمت. قال أركين خلفي بهدوء: "لن تمحو شيئاً هنا ما لم يكن مبنياً على كذب." لم أجب، لكنني أعدت يديّ إلى جانبي.

سمعت الخطوات قبل أن أرى أصحابها: امرأة تنزل من الدرج الحجري بخطوات لا تتسرع ولا تتأخر؛ خطوات من تعرف وزنها في كل مكان تطأه. شعرها داكن مشدود إلى الخلف، وعيناها تقعان عليّ مباشرة قبل أن تقعا على زوجها - كأنها كانت تعرف أنني سأكون هناك. خلفها بخطوتين، فتاة في عمري تقريباً أو أصغر ربما؛ كانت تحمل كتاباً أغلقته حين رأتني، بحركة من لم ينتهِ من قراءته لكنه قرر أن ما أمامه أكثر إثارة للاهتمام.

وقفت المرأة أمام أركين; لم تسأله أين كان ولم تعانقه، فقط نظرت إليه بنظرة يبدو أنها تعني أشياء كثيرة بينهما. قال أركين: "هذا جسار، سيعيش معنا." صمتت لحظة ونظرت إليّ بنفس الطريقة التي تنظر بها إلى زوجها؛ نظرة لا تطلب تفسيراً بل تقيس. قالت: "منذ متى؟" فأجاب أركين: "منذ الآن." أدارت نظرها إليه مرة أخرى، وشيء مرّ بين عينيهما لم أستطع قراءته. قالت لي بنبرة لا دفء فيها ولا برود: "الغرفة في الجناح الشرقي جاهزة، سيريك مراد إليها." لم تكن ترحيباً لكنها لم تكن رفضاً؛ كانت قراراً.

الفتاة خلفها لم تقل شيئاً طوال هذا الوقت، لكن حين بدأت أتبع الخادم مراد نحو الجناح الشرقي، سمعتها تسأل أباها بصوت منخفض لم تقصد أن يصلني: "هل هو مثلهم؟" لم أسمع جواب أركين.

الغرفة في الجناح الشرقي

الغرفة كانت أكبر بكثير مما احتجته يوماً. وقفت في منتصفها بعد أن أغلق مراد الباب خلفه، ونظرت إلى الفراش والمكتب والنافذة التي تطل على الفناء؛ نافذة حقيقية بزجاج حقيقي، لا قضبان. جلست على حافة الفراش دون أن أستلقي. طرق باسل الباب بعد قليل ودخل دون أن ينتظر إذناً، نظر إلى الغرفة وإليّ وقال: "غرفتي في نهاية الممر." قلت: "جيد." جلس على الكرسي عند المكتب، لم يفتح كتاباً ولم يفعل شيئاً؛ فقط جلس كمن قرر أن يكون هنا.

بعد صمت طويل سألته: "ما الذي قاله أركين لك حين طلب منك أن تأتي؟" فكّر ثم قال: "قال إنك تحتاج شخصاً يثق به المنطق أكثر مما يثق بالقوة." سألته: "وهل صدّقته؟" قال: "لا،" ثم أضاف: "لكنني جئت."

في الليل، حين أطفأت المصباح ومددت يديّ على الفراش - بعيداً عن أي شيء كما تعلمت - سمعت خطوات خفيفة تمر أمام بابي وتتوقف لثانية وتكمل: خطوات الفتاة، ابنة أركين، التي لا أعرف اسمها بعد. لكنها سألت إن كنت "مثلهم" - ومن يكون "هم" هؤلاء الذين تعرفهم وتخشاهم بما يكفي لتسأل في سر؟ هذا سؤال يستحق أن أجد له جواباً. نمت أخيراً وأنا أفكر في خطة أركين التي لم يخبرني عنها بعد، وفي نظرة زوجته التي تقيس بدل أن تسأل، وفي فتاة تحمل كتاباً وتعرف شيئاً لا أعرفه أنا.

القصر هادئ، لكن الهدوء هنا يشبه الهدوء الذي كنت أعرفه في الزنزانة - ليس غياب الأشياء، بل أشياء تنتظر وقتها.

2026/07/26 · 6 مشاهدة · 1892 كلمة
Obada Talat
نادي الروايات - 2026