الفصل الثالث
الصباح الذي يتظاهر بالعادية
استيقظت والشمس بالكاد بدأت تتسلل من النافذة، وشعرت بذلك الثقل الذي يتركه نوم قصير مقطوع بأفكار لا تهدأ. جلست على حافة الفراش وأعدت في رأسي جملة ليّا من الليلة الماضية: عكسهم تماماً. لم أفهمها بعد، لكنني حملتها معي وأنا أرتدي ملابسي، كأنها حجر صغير في جيبي.
نزلت إلى طاولة الإفطار فوجدت الجميع هناك كالمعتاد، لكن شيئاً في الهواء كان مختلفاً. سيرا كانت أكثر صمتاً من العادة، وباسل يأكل بنفس اللامبالاة المعتادة لكن عينيه كانتا تتحركان بين الوجوه أكثر من الطعام. ليّا وحدها بدت طبيعية تماماً، منغمسة في كتابها كأن الليلة الماضية لم تحدث.
أركين: نمتم متأخرين البارحة، الثلاثة.
لم يكن سؤالاً بقدر ما كان ملاحظة يلقيها ليرى من يتحرك عند سماعها. لم يتحرك أحد منا.
جسار: القصر كبير. تأخرنا في استكشافه.
أركين: القصر ليس بهذا الاتساع.
نظر إليّ نظرة طويلة، ثم إلى ليّا، ثم إلى باسل، ولم يجد في وجه أي منا ما يبرر الاستمرار في السؤال. عاد إلى طعامه، لكنني شعرت أن الصمت الذي أعقب كلامه كان أثقل من أي إجابة كنا سنقدمها.
سيرا: يبدو أنكم لا تنامون كثيراً في هذا البيت مؤخراً.
قالتها بلا نظرة مباشرة إلى أحد، لكنها كانت موجهة إليّ بوضوح لا يحتاج عينين لتأكيده. شعرت بشيء يشبه التحذير في صوتها، ليس عدائياً، بل كأنها تراقب حساباً لم تنتهِ من جمع أرقامه بعد.
مكتب لا يُفتح
بعد الإفطار، حين انشغل أركين بأوراقه في مكتبه واختفت سيرا في جناحها، وجدت ليّا تجرّني بحركة رأس نحو الردهة الجانبية، بعيداً عن الأسماع.
ليّا: يجب أن نعرف لماذا لا يفعل شيئاً حيال الجناح القديم قبل أن نفعل نحن أي شيء.
جسار: كيف نعرف هذا دون أن نسأله مباشرة؟
ليّا: مكتبه.
جسار: مكتبه المقفل الذي لا يدخله أحد؟
ليّا: بالضبط ذلك المكتب.
نظرت إليها بحذر. كان في عينيها ذلك البريق نفسه الذي رأيته حين اقترحت أن أمحو الجدار، بريق من قررت أمراً منذ زمن وتنتظر فقط من يشاركها تنفيذه.
جسار: وباسل؟
ليّا: باسل يكره هذه الفكرة سلفاً. لهذا لن نخبره حتى ننتهي.
لم يعجبني هذا، لكنني تبعتها. مكتب أركين كان في الطابق العلوي، بابه من خشب ثقيل بقفل نحاسي قديم. وقفت ليّا أمامه وأخرجت من جيبها سلكاً رفيعاً.
جسار: من أين لديك هذا؟
ليّا: ثلاث سنوات من الملل تعلّم المرء أشياء كثيرة.
فتحت القفل بسهولة أربكتني أكثر من إرباكها لي، ودخلنا. المكتب كان مرتباً بدقة عسكرية، رفوف من الكتب، خرائط مطوية، وعلى الطاولة أوراق مصفوفة بعناية. بحثت ليّا بسرعة ويد خبيرة، بينما وقفت أنا عند الباب أراقب الممر.
ليّا: هنا.
سحبت درجاً صغيراً وأخرجت منه ورقة واحدة، قديمة، بخط يختلف عن خط أركين.
ليّا: هذا خط جدي.
جسار: ماذا يقول؟
قرأت بصوت منخفض، وشعرت بالكلمات تتجمد في الهواء بيننا: "الجناح لا يُهدم، ولا يُفتح، حتى يُولد من يستطيع أن يمحو دون أن يُمحى هو نفسه معه."
وقفنا في صمت.
جسار: هذا عني.
ليّا: هذا عنك منذ قبل أن تُولد.
المشورة
وجدنا باسل في الفناء، يقرأ كما هي عادته، لكنه رفع رأسه فور اقترابنا كأنه شعر بشيء في طريقة مشينا.
باسل: ماذا فعلتما؟
لم يكن سؤالاً.
ليّا: دخلنا مكتب أبي.
باسل: بالطبع فعلتما.
أطلعناه على الورقة. قرأها مرتين، ثم طواها بعناية أكبر من اللازم، كأنه يمنح نفسه وقتاً للتفكير أكثر مما يحتاج للطي.
باسل: هذا يغيّر السؤال.
جسار: كيف؟
باسل: لم يعد السؤال لماذا لا يفعل أبوك شيئاً. السؤال أصبح: هل كان ينتظرك أنت تحديداً، أم أي شخص يملك قوتك؟
نظرت إلى يديّ، تلك العادة التي لم أتخلص منها.
جسار: وما الفرق؟
باسل: الفرق أن الاحتمال الأول يعني أنك جزء من خطة قديمة أكبر منك. والثاني يعني أنك مجرد أداة صالحة وصلت في الوقت المناسب.
ليّا: أيهما أسوأ؟
باسل: لا أعرف بعد. لهذا يجب أن ندخل تلك الغرفة الليلة، لا لنعرف ما بداخلها فقط، بل لنعرف أي الاحتمالين صحيح.
كانت هذه أول مرة يوافق فيها باسل على الفعل قبل أن تكتمل كل الإجابات، وشعرت أن هذا وحده يقول عن خطورة الأمر أكثر من أي كلمة أخرى.
الانتظار
مر النهار بثقل غير معتاد. حاولت أن أتصرف بعادية أمام أركين وسيرا، لكن كل حركة بدت لي مراقَبة، كل نظرة من سيرا وكأنها تُحصي شيئاً. في العصر، مررت بمكتب أركين من الخارج فوجدت الباب مغلقاً كما كان، لا أثر يدل على أننا دخلناه، وشعرت بامتنان صامت لمهارة ليّا في إخفاء الآثار.
عند العشاء، حاول أركين أن يبدأ حديثاً عابراً عن دروس ستبدأ لي قريباً في التاريخ والمنطق، لكنني وجدت صعوبة في التركيز. كنت أفكر في الورقة المطوية في جيب باسل، وفي الجملة التي حفرتها في ذهني: حتى يُولد من يستطيع أن يمحو دون أن يُمحى هو نفسه معه.
سألت نفسي، دون أن أقولها بصوت عالٍ: وإن كنت أنا لا أستطيع؟
الليل الثالث
انتظرنا حتى خلد القصر إلى صمته المعتاد. هذه المرة لم نتسلل منفردين؛ التقينا الثلاثة عند الباب الصغير في نهاية الممر كما لو أن ذلك صار طقساً له قواعده الخاصة.
باسل: إن شعرت بأي شيء غريب في المحو، توقف فوراً. لن أنتظر لأرى إن كان الأمر خطيراً.
جسار: مفهوم.
ليّا: أنا سأراقب النبض في الجدار. إن ازداد، سنعرف أن هناك خطأ ما.
دخلنا الجناح القديم. الهواء كان كما تذكرته، ثقيلاً بذلك الحضور الذي لا يُرى لكنه يُشعَر. وقفنا أمام الجدار الذي حددته قياسات ليّا، والذي أصبح الآن أكثر من مجرد فرضية في دفتر.
جسار: جاهزون؟
ليّا: جاهزون.
باسل: لست جاهزاً أبداً لهذا النوع من الأشياء. لكن تفضل.
اللمس
وضعت راحتي على الحجر البارد. هذه المرة لم أتردد كما في المرة الأولى التي تخيلتها في رأسي طوال اليوم؛ كنت قد قررت منذ الصباح، من لحظة قراءة تلك الورقة، أنني سأفعل هذا بيدين واثقتين مهما كانت النتيجة.
شعرت بالمقاومة المعتادة، ذلك الإصرار القديم للخيال المدنَّس على الوجود، لكنني هذه المرة لم أتراجع أمامها. تركت يدي تعمل، والفراغ يمتد من راحتي كطبقة تُقشَّر عن أخرى.
سمعت ليّا تلهث بجانبي، وسمعت باسل يقول بصوت منخفض وثابت: "ببطء، جسار. ببطء."
استمريت، وشعرت للحظة أن الفراغ يريد أن يمتد أبعد مما ينبغي، أن يجرّ يدي معه إلى عمق لم أقصده. شددت على نفسي، أدرت انتباهي كله إلى نقطة واحدة صغيرة، وتوقف الفراغ عند حدوده.
فتحت عينيّ. كان أمامنا باب حقيقي، خشبي، عادي، بلا أي أثر للخيال، كأن الحجر المزيف لم يكن سوى غطاء وضعه أحدهم فوق شيء أراد إخفاءه لا محوه.
ليّا: توقفتَ في الوقت المناسب.
جسار: بالكاد.
باسل: هذا يكفيني لأقلق طوال الأسبوع القادم.
خلف الباب
نظرنا إلى الباب معاً في صمت طويل، ذلك النوع من الصمت الذي يسبق الأسئلة الكبيرة. مدّ باسل يده نحو المقبض قبل أن أستطيع فعل ذلك، وقال دون أن ينظر إلينا: "إن كان هناك خطر خلفه، من الأفضل أن يكون أول من يواجهه من لا يملك قوة قد تخرج عن سيطرتها."
فتح الباب ببطء. لم يصرّ، بل انفتح بسلاسة غريبة، كأنه اعتاد أن يُفتح رغم أن لا أحد دخله منذ سنوات. امتد ضوء مصباح ليّا إلى الداخل فكشف غرفة صغيرة، أصغر بكثير مما توقعنا لمكان أثار كل هذا الحذر عبر الأجيال.
في وسطها طاولة حجرية واحدة، وفوقها شيء ملفوف بقماش رمادي كان أبيض يوماً، وعلى الجدار المقابل خطوط محفورة يدوياً، ليست زخرفة بل كتابة، بلغة لا أعرفها لكن عرفت شكلها من كتب أركين المفتوحة في الأسفل.
باسل: هذا ليس ما توقعته.
ليّا: ولا أنا.
اقتربت من الطاولة الحجرية، وسمعت نبضة أخرى، هذه المرة من داخل القماش نفسه، خفيفة كقلب طفل نائم. مدّت ليّا يدها لتزيح القماش، فأمسك باسل معصمها بهدوء.
باسل: دعوا جسار يفعل هذا. يداه هي التي قد تحتاج للتراجع، لا أيدينا.
نظرت إليهما، ومددت يدي أنا نحو القماش، وسحبته ببطء، وشعرت بيدي ترتجف لأول مرة منذ سنوات، لا
خوفاً من قوتي هذه المرة، بل خوفاً مما قد أجده ولا تستطيع تلك القوة أن تلمسه.