ضحى اليوم التالي رمادياً، كأن الشمس قررت ألا تلمس شينجوكو. في الطابق الثالث تحت الأرض من مبنى مختبر الطب الشرعي، حيث الضوء فلوريسنتي أبيض قاسٍ، وحيث الهواء له طعم الفورمالين والموت النظيف، كانت هيرانو ميساكي تحني ظهرها فوق طاولة من الفولاذ المقاوم للصدأ.

أمامها، جثة.

لم تكن جثة عادية. كانت لرجل في أوائل الأربعين، ياباني، ممتلئ الجسم قليلاً. وجهه كان... سليماً. لم تكن هذه هي المشكلة. المشكلة كانت في يديه، أو بالأحرى، في أصابعه.

أو ما تبقى منها.

أصابع يده اليسرى كلها، من الخنصر إلى الإبهام، كانت مفقودة. ليست مبتورة بمشرط أو منشار كهربائي. الجروح كانت... ممزقة. ممضوغة تقريباً.

"مثيرة للاشمئزاز، أليس كذلك؟"

دخل مساعدها، "تاناكا"، شاب نحيل يرتدي نظارات سميكة، حاملاً صينية أدوات. كان وجهه شاحباً، وعيناه تتجنبان النظر إلى الطاولة.

"مثيرة للفضول،" صححت ميساكي دون أن ترفع عينيها. صوتها كان هادئاً، أكاديمياً. ارتدت قفازاتها المطاطية الزرقاء ورفعت يد الجثة برفق. "هذه ليست أداة. هذه أسنان. أسنان بشرية."

تاناكا كاد يسقط صينية الأدوات. "أسنان؟! هل... تقصدين أن أحداً..."

"عضها. نعم." أكملت ميساكي الجملة ببرودها العلمي. رفعت عدسة مكبرة وفحصت حواف الجرح. "انظر هنا. علامات القواطع. وهنا، الطواحن. الشخص الذي فعل هذا لم يكن فقط يعض، بل كان يمضغ. ببطء. كان يستمتع."

تاناكا ابتلع ريقه بصعوبة. "أي نوع من الوحوش...؟"

ميساكي وضعت اليد برفق، ثم توجهت نحو رأس الجثة. فتحت جفن العين اليمنى بأصبعها المغطى بالقفاز، وسلطت مصباحاً صغيراً على البؤبؤ.

"مات قبل ثلاثة أيام. لكن النزيف في بياض العين... هذا اختناق." همست لنفسها أكثر مما كانت تخاطب مساعدها. "خنقوه أولاً. ثم... بدأوا في الأصابع."

انتقلت إلى منطقة الصدر. آثار حروق دائرية صغيرة متعددة. "سجائر. ماركة كورية رخيصة. 'إيسي'. رائحتها لا تزال موجودة تحت الكلور."

"الكوريون..." قال تاناكا وكأنه كشف لغزاً عظيماً.

ميساكي التفتت إليه بنظرة جعلته يتراجع خطوة. *"لا تستنتج بناءً على ما تريد تصديقه. الجثة تخبرنا قصة. السجائر كورية، لكن الندوب على ظهره... هذه من ضرب متكرر بعصا الخيزران. طريقة تأديب يابانية قديمة. وأسنانه العلوية... ثلاثة منها مزروعة. زراعة أسنان بتقنية كورية-يابانية مشتركة، لا يقوم بها إلا عيادتان في طوكيو."

"إذن... ماذا يعني هذا؟"

"يعني أن هذا الرجل..." نظرت إلى وجه الجثة الهادئ، "...كان يعرف الجميع، والجميع كانوا يعرفونه. وكان الجميع يريدون قطعة منه." رفعت غطاءً أبيض لتستر الجثة. "أرسل التقرير إلى المحقق فوجيوارا. هو الوحيد الذي سيهتم بنوع الجريمة الذي لا يهم أحداً."

****

في تلك اللحظة، وفي حانة "القيقب الأحمر" تحت الأرض، كان تاكيشي يجلس وحده في الزاوية.

لم تكن الحانة قد فتحت بعد. كان جين-سان، صاحب المكان الأعمى، يعزف على الشاميسين لحناً حزيناً، أصابعه الرقيقة تتحرك على الأوتار كالعناكب. الضوء الوحيد كان شمعة على طاولة تاكيشي، تعكس ظلالاً على وجهه الزاوي.

"سمعت أنك زرت لي سانغ-مين الليلة الماضية." قال جين-سان دون أن يتوقف عن العزف. صوته كان رقيقاً، فيه نبرة معلم قديم.

"زرت سيارته." صحح تاكيشي وهو يحتسي الساكي. "لي سانغ-مين لا يخرج بنفسه. ليس بعد."

"وأسديت إليه تهديداً، أيضاً."

"تحذيراً."

ابتسم جين-سان، وعيناه البيضاوان الغائمتان تتجهان نحو السقف. "التحذير هو تهديد مغلف بالأخلاق. في عالمنا، كلاهما يبدأ الحرب."

توقف لحن الشاميسين فجأة.

"تاكيشي..." قال العجوز، وهذه المرة صوته كان خالياً من أي نغمة موسيقية. "هل أنت مستعد للموت؟"

تاكيشي توقف عن الشرب. نظر إلى الساكي في كأسه الخزفي الصغير، فرأى انعكاس عينيه.

"لا. لكني مستعد لألا أكون جباناً."

"الجبان يعيش ليقاتل يوماً آخر. المتهور يموت ويأخذ الجميع معه." وقف جين-سان ببطء، متكئاً على عصاه. "أخوك كينجي كان... شجاعاً. وشجاعته قتلته. لا تكرر خطأه."

"أنا لا أكرر خطأه." قال تاكيشي وهو ينهض ويخرج ورقة نقدية من فئة عشرة آلاف ين، يضعها تحت كأس الساكي. "أنا أكمل عمله غير المنتهي."

وهو يغادر الحانة، لم يسمع تعليق العجوز الأخير:

"هذا بالضبط ما أخشاه."

****

في المختبر، كانت ميساكي تخلع معطفها الأبيض وتستعد للعودة إلى المنزل. لكن شيئاً ما جعلها تتوقف.

عادت إلى الجثة. رفعت الغطاء مرة أخرى.

"تاناكا، هل لاحظت علامات على الكاحلين؟"

"الكاحلين؟ لا، كنتُ مركزاً على... الأصابع."

رفعت ميساكي بنطال الجثة. كان هناك. وشم. صغير. شبه مخفي بين عظمتي الكاحل.

عقرب أسود. نفس العقرب. لكن صغيراً وبدائياً. ليس مثل وشم تاكيشي الذي يغطي ظهره بالكامل، لكنه كان نفس الرمز.

"هذا الرجل..." همست ميساكي، واتسعت عيناها قليلاً، "...كان كوبون. تابع في نقابة كيومي-رينغو."

ثم أخرجت هاتفها، وطلبت رقماً لم تطلبه منذ أشهر.

بعد رنتين، جاء الرد:

"ميساكي. هذه مفاجأة." صوت فوجيوارا كان خشن كعادته.

"لدي جثة. رجل من نقابة كيومي-رينغو. مات بطريقة..." توقفت. "...مقرفة."

"كل الموت مقرف. ما الجديد؟"

"الجديد أن الأصابع... تم عضها. والأهم، عُثر على الجثة في منطقة محايدة بين أراضي كيومي-رينغو وعشيرة تشو-هان."

صمت على الخط.

ثم: "أرسلي التقرير. وأخبريني... هل قلتِ هذا لأحد آخر غيري؟"

"لا."

"اجعليه يبقى هكذا. هذا النوع من الموت... هذا ليس تصفية. هذه رسالة. وإذا بدأت الرسائل... فهذا يعني أن الحرب لم تعد وشيكة."

"بل ماذا؟"

"بل أصبحت قد بدأت بالفعل. ونحن لم نرَ إلا الظرف."

أغلق الخط.

ميساكي نظرت إلى الجثة مرة أخرى. للمرة الأولى في تلك الليلة، شعرت بالبرد.

****

فوق سطح مبنى مهجور في أودايبا، كان الليل يلف طوكيو كحبل مشنقة.

وقف تاكيشي وحده، ينظر إلى أضواء المدينة التي لا تنام. خلفه، تسعة رجال في بدلات سوداء، كلهم من فرقته. وقفوا في صف صامت.

"جثة ياماموتو وُجدت هذا الصباح." قال تاكيشي دون أن يلتفت. "كان واحداً منا. كان مخبرنا داخل أراضي تشو-هان."

صمت. الريح كانت تجيب بدلاً منهم.

"من يعرف كيف أرسل الرسائل لقائد فرقته عندما كان متخفياً؟"

تقدم أحد الرجال، كبير في السن، وجهه كخريطة طرق قديمة. "كان يستخدم حانة... 'القيقب الأحمر'. يترك رسائله عند جين-سان."

تاكيشي أومأ. كان يعرف. كان يختبرهم فقط.

"إذن..." قال أخيراً، وهو يلتفت ليواجههم، وعيناه تحملان ثقل القرار الذي لم يعد بإمكانه تأجيله، "...هناك خائن في مكان ما. شخص يعرف كيف نتحرك. شخص كان قريباً كفاية ليعرف أن ياماموتو هو مخبرنا."

نظر في وجه كل رجل، واحداً تلو الآخر.

"شخص ما... في هذه المجموعة."

الرجال نظروا إلى بعضهم البعض. التهمة كانت في الهواء، كثيفة كالدخان.

"لن أطلب من الخائن أن يتقدم." تابع تاكيشي، وصوته ما زال هادئاً، لكن فيه صلابة الفولاذ. "لأن الخونة لا يتقدمون. لكني أقول هذا..."

توقف. الريح صفّرت بين المباني المهجورة.

"...ياماموتو كان له ابنة. عمرها أربع سنوات. عندما مات، كانت أصابعه في فم شخص آخر. كان يصرخ. لمدة ساعتين."

اليد اليمنى لتاكيشي انقبضت.

"عندما أجد من فعل هذا... وعندما أجد من أخبرهم أين يجدونه... لن تكون هناك موتة سريعة. لن يكون هناك يوبيتسومي. لن يكون هناك اغتسال للعار."

ترك الجملة معلقة في الهواء، ثم مشى نحو باب السطح.

قبل أن يفتح الباب، توقف. قال، دون أن يلتفت إلى الوراء:

"كازو. بقية الفرقة تنتظر في المستودع رقم سبعة. اعقدوا اجتماعاً. لا أريد أن أكون هناك. أنتم تعرفون ما يجب فعله للاستعداد."

"استعداد لماذا، تاكيشي-نيي؟" سأل كينتا، الشاب المندفع من الليلة الماضية.

تاكيشي فتح الباب. ضوء الدرج غمر وجهه للحظة، كاشفاً عن ندبة صغيرة تحت ذقنه لم يلاحظها أحد من قبل. ندبة من طفولة محروقة.

"للجحيم."

أغلق الباب خلفه.

****

في شقتها الصغيرة في كوينجي، بعيداً عن أضواء شينجوكو، جلست ميساكي في الظلام.

أمامها، على طاولة القهوة، كان هناك مجلدان. الأول: تقرير تشريح ياماموتو. الثاني: ملف قديم، أصفر الحواف، مكتوب عليه بخط اليد: "قضية مقتل سوزوكي كينجي - شينجوكو، 2018".

فتحت الملف. أول ما رأته كان صورة.

شابان. أحدهما في العشرين، عيناه لامعتان، ابتسامة عريضة، شعر مصبوغ أشقر، يد كاملة الأصابع تلف كتف شاب آخر. الشاب الآخر كان في السابعة عشرة. كان نحيلاً جداً، شعر أسود طويل يغطي نصف وجهه، عيناه داكنتان ثقيلتان، ولا ابتسامة. كان ينظر إلى الكاميرا وكأنه يريد تحطيمها.

كان تاكيشي. وأخوه كينجي.

أغلقت ميساكي عينيها. تذكرت أول مرة قابلت فيها تاكيشي، قبل عامين، في زقاق خلف مختبرها. كانت قد هددها رجلان من عصابة صغيرة، وكان تاكيشي يمر صدفة. لم يتكلم. فقط وقف بينها وبينهم. نظروا إليه... ثم هربوا.

"لماذا؟" سألته حينها.

"أخي كان سيطلب مني." أجاب ومضى.

تفتح عينيها الآن. تنظر إلى صورة الشابين مرة أخرى.

"أخوك... كان سيطلب منك ماذا؟" همست للصورة. "أن تنقذ غرباء؟ أم أن تدمر نفسك؟"

ثم فتحت تقرير الجثة مجدداً. قلبت الصفحات حتى وجدت ما كانت تبحث عنه. ملاحظة صغيرة كتبتها بخط يدها:

"عينة تحت الأظافر: بقايا جلد بشري. فصيلة دم O+. تطابق جزئي مع..."

توقفت عن القراءة. أغلقت الملفين. وضعتهما في حقيبتها. ثم ارتدت معطفها وخرجت إلى ليل طوكيو الماطر مرة أخرى.

كانت تعرف أين ستجد تاكيشي.

كانت تعرف أيضاً أنها، بإخباره، ستشعل حرباً.

لكنها كانت تعرف شيئاً آخر.

أن الصمت... يقتل أيضاً.

2026/05/04 · 1 مشاهدة · 1316 كلمة
Dego Max
نادي الروايات - 2026