قالوا قديماً إن الساموراي الحقيقي لا يشعر بالجوع ولا بالبرد ولا بالخوف. كذبوا. الساموراي الحقيقي يتظاهر فقط. وفي أزقة كابوكيتشو، كان الجميع ساموراي بدرجة أو بأخرى.
تاكيشي كان يتظاهر الآن.
جلس على درج ناري خلف حانة مهجورة، قميصه الأبيض ملطخ بالدم. ليس دمه. كان دم رجل آخر، حاول طعنه قبل ساعة. الرجل الآن في مستشفى تابع للعصابة، والأطباء يحاولون إنقاذ يده التي كسرها تاكيشي بعقب مسدسه.
"غبي." تمتم تاكيشي لنفسه وهو يشعل سيجارة. المطر توقف، لكن الهواء كان ما زال رطباً، مشبعاً برائحة زيت الطهي القديم ونفايات المطاعم المجاورة. رفع عينيه إلى السماء. لم يرَ نجوماً، فقط وهج المدينة البرتقالي المريض.
هاتفه اهتز. رسالة من رقم غير مسجل:
"القيقب الأحمر. منتصف الليل. جئت وحدك."
لم تكن ميساكي. هذه رسالة أخرى.
تنهد. نفث الدخان. كان يعرف من أرسلها. وكان يعرف أن الذهاب وحده انتحار. لكنه كان يعرف أيضاً أن عدم الذهاب جبن. والجبن، في عالمه، كان معدياً. إذا أظهرته مرة، التقطه الجميع.
وقف. ألقى السيجارة. سحقها بكعبه.
"كينجي..." همس اسماً لم ينطقه بصوت عالٍ منذ أشهر. "ماذا كنت ستفعل؟"
الريح فقط أجابته.
****
دخلت ميساكي حانة "القيقب الأحمر" عند الساعة الحادية عشرة والنصف.
لم تكن قد أتت إلى هنا منذ ستة أشهر. منذ أن جلست مع تاكيشي آخر مرة، وتبادلا معلومات عن تاجر أعضاء كان يستهدف فتيات الحي. يومها، قالت له: "أريد أن أوقفه." قال: "أنا سأوقفه." وبعد ثلاثة أيام، ظهر التاجر ملقى أمام مركز شرطة شينجوكو، مقيداً، مع ملف كامل بكل جرائمه. لم يُقتل. فقط... سُلِّم.
"ميساكي-سان." صوت جين-سان كان ترحيباً دافئاً ملفوفاً بالفضول. "عودتك تشرفني. لكن الليلة... الليلة فيها رائحة. رائحة حديد."
"كل الليالي فيها رائحة حديد في هذا الحي، جين-سان." أجابت وهي تجلس على المقعد المقابل للباب مباشرة. ظهرها إلى الحائط. نظرتها على المدخل. عادة قديمة.
"صحيح. لكن بعض الليالي... الحديد فيها طازج." وضع العجوز كأساً من الساكي الدافئ أمامها دون أن تسأل. "رجل نبيل جاء قبلك. جلس في ركنك المفضل. كان متوتراً. شرب ثلاثة كؤوس في عشر دقائق. ثم غادر. ترك هذا."
مد يده وأعطاها ورقة مطوية. فتحتها. خط غير متقن، ياباني ركيك كتبه أجنبي:
"أخبروا العقرب: لي سانغ-مين يريد السلام. الخائن ليس منا. الخائن في بيتكم. الاجتماع في الرصيف 4. منتصف الليل. تعال وحيداً."
ميساكي رفعت عينيها إلى جين-سان. "من ترك هذا؟"
"رجل كوري. صغير. وجهه كالفأر. كان خائفاً. الخوف له رائحة أيضاً."
"وهل أخبرت تاكيشي؟"
جين-سان ابتسم. "أنا مجرد نادل أعمى. لا أرى الرسائل. لا أقرأها. لا أوصلها. أنا فقط... أقدم الشاي. وأحياناً، الساكي."
ميساكي طوت الورقة. عرفت أن هذا فخ. عرفت أن تاكيشي سيعرف أنه فخ. وعرفت أيضاً أن المعرفة لا تغير شيئاً.
"أين ذهب؟ أعني، الرجل الذي ترك الرسالة."
"خرج. اتجه يساراً. سمعت خطواته تتسارع. ثم..." توقف جين-سان. رفع رأسه كأنه يسمع شيئاً بعيداً. "...ثم لم أسمع شيئاً."
****
الرصيف 4.
كان جزءاً من منطقة أودايبا الصناعية، حيث توقفت أعمال البناء منذ التسعينات. هياكل خرسانية عارية، رافعات صدئة تقف كوحوش نائمة، والمياه السوداء لميناء طوكيو تلعق الأرصفة ببطء.
وصل تاكيشي قبل منتصف الليل بعشر دقائق. لم يأتِ وحده تماماً. خبأ ثلاثة من رجاله في الظلال، لكنه هو من تقدم إلى النور.
النور الوحيد كان من مصباح زيتي موضوع على صندوق خشبي. أمام الصندوق، وقف رجل واحد.
لم يكن لي سانغ-مين. كان الرجل الضخم من الليلة الماضية. هيون-وو.
"أين رئيسك؟" سأل تاكيشي.
"في مكان آمن." صوت هيون-وو كان عميقاً كقاع البحر. "ليس غبياً كفاية ليأتي بنفسه."
"إذاً أنت الطُعم."
"الطُعم يجذب السمكة. أنا أجذب العقرب." ابتسم هيون-وو. أسنانه كانت مصفوفة بشكل غريب، كأنها زُرعت في فمه كدعامات. "لي سانغ-مين يريد إنهاء هذا. نحن لا نريد حرباً."
"قتلتم مخبرنا."
"لم نقتله." قال هيون-وو ببساطة. "وجدناه ميتاً. شخص ما قتله ووضعه في أراضينا. شخص ما يريدنا أن نتصارع."
تاكيشي لم يجب. كان يفكر. الجثة. الأصابع الممضوغة. طريقة موت ياماموتو كانت... رسالة مرسومة بالدم. لكن لمن؟
"لي سانغ-مين يقترح هدنة. شهراً واحداً. نوقف كل العمليات. نبحث عن الطرف الثالث معاً." مد هيون-وو يده الضخمة. "هذا عرض. ليس طلباً."
تاكيشي نظر إلى اليد. لم يصافح.
"كيف أعرف أنكم لم تقتلوا ياماموتو؟"
"لأننا لو قتلناه، لما مزقنا أصابعه." قال هيون-وو، وفي صوته لأول مرة نبرة اشمئزاز. "نحن رجال أعمال. نقتل. لا نمضغ. هذا..." توقف، كأنه يبحث عن الكلمة. "...هذا عمل حيوان. أو شيطان."
صمت. الريح صفرت في الهياكل الخرسانية. تاكيشي كان يزن الخيارات. الحرب ضد الكوريين ستكلفه رجالاً. الكثير منهم. لكن الهدنة... الهدنة ستمنحه الوقت ليجد الخائن.
مد يده. صافح هيون-وو. قبضة الرجل الكوري كانت كفك حديدي، لكن تاكيشي لم يرمش.
"شهر." قال. "إذا اكتشفت أنك كذبت..."
"...ستقتلني. أعرف." قاطعه هيون-وو. "لكن قبل أن تقتلني، اكتشف من يحرك الخيوط من الظل. هناك عدو ثالث. أشمه. رائحته مختلفة."
ترك يده. استدار.
"هيون-وو." ناداه تاكيشي. توقف العملاق. "الليلة الماضية... قلت لك 'ولا أنت'. كيف عرفت اسمي؟"
لم يجب هيون-وو. فقط ابتسم ابتسامة غريبة، واختفى في الظلام.
****
كانت ميساكي تركض.
بعد أن غادرت الحانة، اتجهت يساراً. اتبعت حدسها. لم تكن تعرف أين تبحث، لكنها كانت تعرف أن شيئاً ما خطأ. وفي أزقة كابوكيتشو، الخطأ عادة يعني الجثث.
وجدته في زقاق خلف صف من آلات البيع.
الرجل الكوري. وجه الفأر. كان مستلقياً على ظهره، وعيناه مفتوحتان على السماء التي لا يراها. لم يكن هناك دم. فقط... علامات حول رقبته. خنق.
انحنت بجانبه. تحسست نبضه. لا شيء. كان ما زال دافئاً. قُتل لتوه.
ثم رأت الورقة في يده.
كان يقبض عليها بإحكام، حتى في الموت. فتحت أصابعه برفق. ورقة صغيرة. مكتوب عليها بخط اليد نفسه، لكن هذه المرة بالكاد يُقرأ، كأنه كتبه وهو يحتضر:
"ليس كورياً. ليس يابانياً. الظل يتكلم الصينية."
الظل.
التفت ميساكي بسرعة. لا أحد. الزقاق فارغ. لكنها شعرت به. شعور غريب، كأن شخصاً ما كان يراقبها. شخصاً ما كان... يبتسم.
وضعت الورقة في معطفها. أخرجت هاتفها. طلبت رقم تاكيشي.
لم يجب.
"اللعنة." همست. ثم اتصلت برقم آخر. رقم لم تظن يوماً أنها ستتصل به طواعية.
"فوجيوارا." جاء الصوت الخشن بعد رنة واحدة.
"لدي جثة أخرى. زقاق خلف حانة القيقب الأحمر. رجل كوري. مخنوق. وقبل أن يموت... كتب شيئاً."
"ماذا كتب؟"
توقفت. نظرت إلى الورقة مرة أخرى.
"كتب: 'الظل يتكلم الصينية'. هل هذا يعني شيئاً لك؟"
صمت طويل. طويل جداً. ثم:
"ابقِ في مكانك. لا تلمسي شيئاً آخر. سأكون هناك في عشر دقائق."
أغلق الخط قبل أن تسأل أي سؤال آخر.
ميساكي بقيت جالسة في الزقاق المظلم، إلى جانب الجثة، تشعر بنبضات قلبها تتسارع. كان الليل في شينجوكو يلفها كشرنقة.
والظل في مكان ما... كان ينتظر.
****
وصل تاكيشي إلى الحانة بعد منتصف الليل بنصف ساعة. كان قد تلقى أخيراً رسالة ميساكي: "تعالِ إلى القيقب. الآن. وجدت جثة."
لكنه لم يجد ميساكي. وجد فوجيوارا.
المحقق وقف أمام الحانة، يدخن بصمت. وجهه الندب كان أكثر قسوة من المعتاد تحت ضوء النيون.
"أين هي؟" سأل تاكيشي دون مقدمات.
"في سيارتي. بخير. صدمة خفيفة." نفث فوجيوارا الدخان. "الجثة في طريقها إلى المشرحة. والرسالة..." مد يده وأعطاه الورقة.
قرأها تاكيشي. ببطء. مرتين.
"الظل." قال أخيراً. "ما هذا الهراء؟"
"ليس هراء." أجاب فوجيوارا. "هذا اسم. أو بالأحرى... لقب. لم أسمع به منذ عشرين سنة. ظننته اختفى."
"اختفى من أين؟"
فوجيوارا رمى عقب سيجارته. داس عليه. نظر إلى تاكيشي مباشرة، ولأول مرة، لم يكن هناك عداء في عينيه. فقط... تعب. تعب قديم.
"منذ عشرين سنة، قبل أن تأتي أنت وأخوك إلى هذا الحي، كانت هناك ثلاث قوى في شينجوكو. نحن نعرف اثنتين: كيومي-رينغو، وتشو-هان. لكن الثالثة... الثالثة كانت مختلفة. لم تكن عصابة. كانت..." توقف، كأنه يبحث عن كلمة. "...طيفاً. مجموعة صغيرة. لا تتاجر بالمخدرات ولا بالدعارة. كانت تتاجر بشيء آخر: المعلومات. الأسرار. نقاط ضعف الجميع."
"من كان يقودها؟"
"لا أحد يعرف. كانوا يتصلون به فقط... 'الظل'. كان يتكلم اليابانية، والكورية، والصينية. كان يعرف كل شيء عن الجميع. ثم، في ليلة واحدة... اختفوا. اختفى هو. اختفى رجاله. كأنهم لم يكونوا موجودين."
صمت. ضوء النيون الأحمر كان يومض على وجه فوجيوارا.
"حتى الآن." أضاف. "حتى هاتين الجثتين. حتى هذه الحرب التي يدفعكم إليها شخص ما."
تاكيشي طوى الورقة. وضعها في جيبه الداخلي، إلى جانب علبة سجائره.
"لماذا تخبرني هذا؟" سأل. "أنت تكرهني. تكره الياكوزا. لماذا تساعد؟"
"لأنني أكره شيئاً آخر أكثر." أجاب فوجيوارا. "أكره أن أُستخدم. شخص ما يلعب بنا كلنا. يجعلكم تقتلون بعضكم. يجعل شرطتي تركض في دوائر. يجعل..." توقف. نظر بعيداً. "...يجعل موت زوجتي بلا معنى أكثر مما هو عليه."
كان هذا أول اعتراف شخصي من فوجيوارا. تاكيشي لم يجب. فقط أومأ، ببطء.
"سأجد الظل." قال. "وسأعرف لماذا يريدنا أن نتحارب."
"وإذا كان ما يريده هو رؤية العالم يحترق؟"
تاكيشي التفت. بدأ يمشي نحو سيارة فوجيوارا حيث كانت ميساكي تنتظر.
"إذن..." قال دون أن يلتفت، "...سأحرقه أولاً."
****
في سيارة فوجيوارا، جلست ميساكي في المقعد الخلفي، ملفوفة في بطانية كان قد أعطاها إياها. كان جسدها يرتجف، ليس من البرد، بل من الأدرينالين الذي بدأ ينحسر.
فتح تاكيشي الباب. جلس بجانبها. للحظة، لم ينطق أي منهما.
ثم: "هل أنتِ بخير؟"
"أنا جالسة مع جثة في زقاق. وأكتشف أن هناك شبحاً صينياً يحرك حرب عصابات. وأتصل بمحقق يخبرني أنه يكره العالم..." ضحكت ضحكة قصيرة مرة. "...لا. لست بخير."
تاكيشي أشعل سيجارة. فتح النافذة قليلاً.
"الجثة الأولى. ياماموتو." قالت ميساكي فجأة. "الأصابع. الأسنان. قلتِ أنه رسالة."
"نعم."
"الرجل الكوري... لم تكن أصابعه ممضوغة. كان مخنوقاً. برسالة مختلفة. رسالة مكتوبة."
"نعم."
"إذن... 'الظل' يغير رسائله حسب المتلقي. للكوريين، يمضغ الأصابع ليقول 'انظروا، هذا ما تفعله الوحوش'. ولنا... يكتب."
تاكيشي نظر إليها. للمرة الأولى منذ وقت طويل، كان هناك شيء يشبه الاحترام في عينيه.
"أنت ذكية جداً." قال.
"أعرف." أجابت. "لهذا أنا خائفة."
توقف تاكيشي عن التدخين. نظر إلى المدينة من النافذة. أضواء. نيون. أكاذيب.
"أنا أيضاً." قال أخيراً.
همسة. همسة فقط. لكنها كانت كافية.
****
في مكان ما، في برج فاخر يطل على طوكيو كلها، كان الظل يجلس.
لم يكن صينياً حقاً. لم يكن يابانياً. لم يكن كورياً. كان... لا أحد. كان الجميع.
أمامه، ثلاث شاشات. على الأولى: خريطة لمناطق نفوذ كيومي-رينغو. على الثانية: خريطة لعشيرة تشو-هان. على الثالثة: صور. تاكيشي. ميساكي. فوجيوارا. لي سانغ-مين. هيون-وو.
رفع كأساً من الويسكي. نظر إلى وجه تاكيشي على الشاشة.
"العقرب..." قال بصوت ناعم، متعدد اللهجات، لا ينتمي إلى مكان واحد، "...أخيراً بدأت ترى. لكن الرؤية... ليست كافية."
وضع الكأس. ضغط زراً.
"الفصل الرابع. لنرفع الحرارة."
الشاشات أظلمت. والظل ضحك.
ضحكة لم يسمعها أحد. بعد.