محافظة ناغانو. جبال الألب اليابانية. قرية "يوكيامورا".
الثلج لم يتوقف منذ ثلاثة أيام.
كان يهطل بصمت، يغطي أسطح البيوت الخشبية القديمة، ويكدس على أغصان أشجار الأرز حتى تنحني كعجائز يصلون، ويحول الطريق الوحيد المؤدي إلى القرية إلى نفق أبيض ضيق. يوكيامورا كانت قرية صغيرة جداً. خمسون بيتاً. معبد بوذي في الأعلى. مقبرة قديمة في الأسفل. وينبوع ماء حار يتصاعد بخاره في البرد القارس.
كانت هذه هي القرية التي ولد فيها سوزوكي كازوؤو. الجد. أول ظل. مؤسس كل شيء.
والآن، بعد قرن تقريباً، عاد دمه إليها.
---
وصل تاكيشي وميساكي وفوجيوارا في سيارة دفع رباعي استأجروها من محطة قطار ناغانو. الطريق كان شبه مغلق. الثلج كان يصل إلى أعلى الإطارات. لكنهم وصلوا.
"مكان نهاية العالم." قال فوجيوارا وهو ينظر إلى الصمت الأبيض. "لم أكن أعرف أن اليابان ما زالت تحوي أماكن كهذه."
"هذا ليس نهاية العالم." قال تاكيشي وهو يغلق باب السيارة. "هذا... بدايته."
وقف أمام بوابة القرية. بوابة خشبية قديمة. عليها لافتة كتب عليها بخط اليد: "يوكيامورا - قرية الثلج الصامت." وتحتها، بخط أصغر: "من يدخل هنا... فليحمل الحقيقة. أو ليدفنها."
"كلمات جدك؟" سألت ميساكي.
"لا أعرف." قال تاكيشي. "لكنها تشبه تفكيره."
دخلوا القرية. كانت هادئة. هادئة جداً. الشارع الرئيسي كان خالياً. الدخان كان يتصاعد من بعض المداخن، لكن الأبواب كانت مغلقة. الستائر مسدلة. لا أحد في الخارج.
"شيء ما خطأ." قال فوجيوارا. يده تحركت تلقائياً نحو مسدسه.
"ماذا تقصد؟"
"انظر. الثلج على الأرض. لا آثار أقدام. لا آثار عجلات. منذ متى والثلج يهطل؟ ثلاثة أيام؟ إذن... لم يخرج أحد من بيته منذ ثلاثة أيام."
تاكيشي نظر. كان على حق. الثلج كان ناصعاً. لم تمسسه خطوة.
"ربما يختبئون من البرد." قالت ميساكي.
"أو ربما..." قال فوجيوارا، "...يختبئون من شيء آخر."
تقدموا بحذر. حتى وصلوا إلى بيت في وسط القرية. بيت أكبر من البقية. عليه لافتة: "بيت سوزوكي".
"هنا." قال تاكيشي. "بيت العائلة."
كان البيت مهجوراً. النوافذ مكسورة. الباب موصد بسلسلة صدئة. لكن شيئاً ما كان مكتوباً على الجدار الخارجي. كتابة جديدة. لم تكن هنا منذ زمن طويل. كُتبت بطلاء أحمر:
"الظل يسبقك. نحن ننتظر. نحن نعرف."
"سبقونا." همست ميساكي.
"كيف؟ نحن الوحيدون الذين يعرفون أننا قادمون." قال فوجيوارا. ثم توقف. نظر إلى تاكيشي. "...إلا إذا كان هناك تنصت. أو خائن. أو..."
"أو أن الظل هنا من البداية." أكمل تاكيشي. "ربما لم يغادر هذه القرية أبداً. ربما... كان ينتظرني أن آتي."
---
قبل أن يكمل، سمعوا صوتاً.
بكاء.
بكاء طفل.
قادم من المعبد البوذي في أعلى التلة.
"لا." قال فوجيوارا. "لا تذهب. هذا فخ واضح."
"أعرف." قال تاكيشي. "لكنه طفل."
"في قرية مهجورة. بعد ثلاثة أيام من الثلج. والوحيد الذي يبكي هو طفل؟ هذا ليس فخاً. هذا... عرض."
"أعرف." كرر تاكيشي. ثم بدأ يصعد نحو المعبد.
تبادل فوجيوارا وميساكي نظرة. ثم تبعاه.
---
المعبد كان خشبياً. قديماً. الثلج كان يغطي سطحه المائل. التماثيل الحجرية على الجانبين كانت ترتدي قبعات ثلجية بيضاء. والدخان كان يتصاعد من المبخرة الأمامية.
على الدرجات، كان هناك طفل.
طفل صغير. في الخامسة أو السادسة. يرتدي معطفاً أحمر. يبكي.
"مرحباً." قال تاكيشي بهدوء، وهو ينحني ليصبح في مستوى الطفل. "هل أنت ضائع؟"
الطفل توقف عن البكاء. رفع رأسه. نظر إلى تاكيشي.
"أنت..." قال الطفل. صوته كان غريباً. ليس صوت طفل خائف. كان... هادئاً جداً. "...أنت دم سوزوكي."
تاكيشي تجمد.
"من أنت؟"
"أنا..." قال الطفل، وابتسم، "...الرسالة. وهو..." أشار إلى المعبد خلفه، "...المرسل."
وقف الطفل. مسح دموعه. نظر إلى تاكيشي مرة أخرى.
"جدك كان رجلاً طيباً. لكنه كان خائفاً. خائفاً مما يعرفه. خائفاً مما في دمه. لهذا... دفنه هنا. في الثلج. في المعبد. فيّ."
"ما أنت؟"
"أنا... ذاكرة. جزء من المرقوم الأخير. جزء منك. جزء تم تخزينه هنا. في انتظار عودتك."
اقترب الطفل من تاكيشي. مد يده الصغيرة. لمس جبهة تاكيشي.
وفي لحظة... رأى تاكيشي كل شيء.
---
رأى الحرب. ليس الحرب العالمية. حرباً أقدم. حرباً كانت تدور في الظلال. بين من يريدون تذكر شيء... ومن يريدون نسيانه.
رأى جده. شاباً. في الأربعين. يقف في هذه القرية بالذات. مع آخرين. كانوا جميعاً يحملون نفس المفتاح. نفس المفتاح الأسود الذي في جيب تاكيشي الآن.
رأى طقوساً. كلمات. تضحيات. شيئاً كان يُدفن. ليس جسداً. ذكرى. ذاكرة حرب كاملة. ذاكرة ما حدث. ذاكرة... خطيئة.
ورأى الوجه. وجه الظل الحقيقي. ليس السايكو-كانبو. شخصاً آخر. أقدم. الوجه كان... شبيهاً بوجه جده. أخاً؟ شريكاً؟ عدواً؟
ثم سمع صوت جده. واضحاً. كأنه في الغرفة:
"تاكيشي... حفيدي... إذا سمعت هذا... فقد فشلت في حمايتك. المنظمة قادمة. الظل يريد أن يفتح الباب. لا تدعه. الباب ليس في بكين. ليس في سيول. ليس في أي خريطة. الباب... في دمك. في ذاكرتك. في الخطيئة التي دفناها."
"ما هي الخطيئة؟" سأل تاكيشي في الرؤية.
"الخطيئة... هي أننا لم نربح الحرب. نحن... خسرناها. والظل... هو من ربح. الظل الحقيقي ليس عدواً. الظل الحقيقي... هو أنا. هو أنت. هو كل من حمل دم سوزوكي. الظل الحقيقي... هو الذاكرة التي رفضنا مواجهتها. والآن... تريد أن تولد من جديد."
"كيف أوقفها؟"
"لا توقفها. لا يمكن للظل أن يموت أبداً. لكن يمكن... أن يتغير. يمكن أن يصبح شيئاً آخر. ظل الشجرة... يمكن أن يكون ملجأ. أو قبراً. الخيار... لك."
الصوت تلاشى. الرؤية تلاشت. فتح تاكيشي عينيه.
كان ما زال راكعاً في الثلج. أمام المعبد. الطفل اختفى. ميساكي وفوجيوارا كانا بجانبه.
"تاكيشي! تاكيشي، هل تسمعني؟" ميساكي كانت تمسك بوجهه.
"كنت..." همس، "...كنت بعيداً."
"ماذا رأيت؟"
"رأيت... جدي. ورأيت الظل الحقيقي." وقف. كان يعرف الآن. "الظل الحقيقي ليس شخصاً. ليس تنظيماً. الظل الحقيقي... هو شيء بداخلنا. بداخل دم سوزوكي. المنظمة تريد إخراجه. جدي دفنه. وأنا..." نظر إلى يديه. "...أنا المفتاح."
---
قبل أن يكمل، سمعوا صوتاً آخر.
ليس بكاء. صراخاً. من القرية. من الأسفل.
ركضوا. نزلوا من المعبد بسرعة. وعندما وصلوا إلى الساحة الرئيسية... رأوه.
البيوت كانت تحترق.
كلها. مرة واحدة. النار كانت سوداء. لم تكن ناراً عادية. كانت تأكل الخشب بصمت. لا دخان. لا حرارة. فقط... ظلام يأكل الضوء.
وفي وسط الساحة، كان هناك رجل.
واقف. وحده. ينتظرهم.
طويل. نحيل. يرتدي معطفاً أسود. وجهه... لم يكن له وجه. ليس قناعاً. وجهه كان أملس. كدمية لم تنحت ملامحها بعد. لكن عينيه كانتا موجودتين. عينين سوداوين. بلا بياض.
"القاتل." همست ميساكي.
"ليس قاتلاً فقط." قال فوجيوارا. "هذا... المنتج النهائي. هذا ما يصنعه الظل."
الرجل بلا وجه رفع يده. كانت يده مشوهة. إبهام أيمن طويل. أيسر قصير. نفس اليد التي خنقت الكوري. نفس الأسنان التي مضغت أصابع ياماموتو.
"سوزوكي تاكيشي." قال الرجل. صوته كان... متعدداً. كأن عدة أشخاص يتكلمون في وقت واحد. "المرقوم الأخير. عدت إلى مكان الدفن. هذا جيد."
"من أنت؟"
"أنا... المستقبل. أنا ما سيصبح عليه كل البشر. بلا ذاكرة. بلا ماضٍ. بلا ألم. أنا... الحرية."
"هذه ليست حرية." قال تاكيشي وهو يتقدم. "هذه عبودية. أنت فارغ. صنعوك فارغاً."
"الفراغ..." قال الرجل، "...هو السلام."
ثم هجم.
---
كانت المعركة أقصر مما توقعوا. وأكثر رعباً.
الرجل بلا وجه لم يكن سريعاً فقط. كان يقرأ الحركات. كل طلقة من فوجيوارا... تجنبها. كل ضربة من تاكيشي... صدها. كأنه يعرف ما سيفعلونه قبل أن يفعلوه.
"أنا أقرأ ذاكرتك." قال الرجل وهو يمسك بقبضة تاكيشي ويسحقه. "أعرف كل حركة تعلمتها. كل قتال تدربت عليه. كل ألم شعرت به. أنت... كتاب مفتوح."
قذف تاكيشي على الأرض. التفت إلى فوجيوارا.
"وأنت... يا محقق. زوجتك... كانت تصرخ. لكن لم يسمعها أحد. كما لم يسمعك أحد الآن."
فوجيوارا صرخ. أفرغ مسدسه في الرجل. الرصاصات اخترقت جسده. لكنه لم يسقط. لم ينزف. فقط... استمر في التقدم.
"لا يمكن قتلي." قال. "أنا لست حياً."
عندها... سمعوا صوتاً.
صوت طبل. قديم. قادم من المعبد. من الأعلى.
الرجل بلا وجه توقف. التفت نحو الصوت. ولأول مرة... بدا مرتبكاً.
"ما هذا؟"
تاكيشي نهض. كان يعرف. كان يتذكر الرؤية. الطقوس. الذاكرة. جده قال: "الظل يمكن أن يصبح شيئاً آخر. ظل الشجرة يمكن أن يكون ملجأ... أو قبراً."
"هذا..." قال تاكيشي، "...هو القفل. القفل الذي جددته عائلتي كل سنة. القفل الذي يمنعك أنت ومن أرسلك من أن تولدوا. والآن..." نظر إلى الرجل بلا وجه، "...سأغلقه. عليك."
ركض نحو المعبد. الرجل بلا وجه تبعه. لكنه كان بطيئاً. الصوت كان يؤثر فيه. يضعفه.
"ميساكي! فوجيوارا! النار!"
"ماذا؟"
"النار السوداء! إنها جزء منه! إذا أطفأناها... يضعف!"
ركض فوجيوارا نحو أحد البيوت المحترقة. أمسك بدلو ماء. رماه على النار السوداء. الماء تبخر فوراً. لكن النار... تراجعت قليلاً.
"الماء لا يكفي!" صرخ. "النار باردة. تحتاج... حرارة!"
ميساكي نظرت حولها. رأت مولداً كهربائياً قديماً. خزان وقود.
"عندي فكرة!"
ركضت نحو المولد. فتحت خزان الوقود. أمسكت بقطعة قماش. غمستها. أشعلتها.
"تحتاج حرارة؟" قالت. "خذ حرارة!"
رمت القماش المشتعل على النار السوداء.
لوهلة... تصارعت الناران. الأسود والبرتقالي. ثم... الأسود بدأ يختفي. ليس ينطفئ. يختفي. كأنه لم يكن موجوداً.
صرخ الرجل بلا وجه. سقط على ركبتيه. جسده بدأ يتشقق. من الشقوق... لم يخرج دم. خرج ضوء. ضوء أسود.
"المعبد..." همس وهو ينهار. "...المعبد يقتلني. الظل الحقيقي... يتركني."
"ليس الظل الحقيقي." قال تاكيشي من أعلى التلة. كان قد وصل إلى المعبد. وقف أمام المذبح. "الظل الحقيقي ليس شخصاً يترك أو يبقى. الظل الحقيقي..." وضع يده على المذبح. "...هو خيار. وأنا اخترت."
أغلق عينيه. تذكر كلمات جده: "لا يمكن للظل أن يموت أبداً. لكن يمكن أن يتغير."
"إذن... تغير." همس.
وفي دمه... شعر بشيء يتحرك. شيء كان نائماً. استيقظ. ليس وحشاً. ليس خطيئة. فقط... ذاكرة. حزن قديم. ندم. شيء أراد جده أن يدفنه. لكنه قرر... أن يواجهه.
فتح عينيه. وفي عينيه... لم يعد هناك ظل.
"أنا سوزوكي تاكيشي." قال للرجل المنهار. "حفيد سوزوكي كازوؤو. حفيد أول ظل. لكني... لن أصبح الظل التالي."
الرجل بلا وجه صرخ صرخة أخيرة. ثم... انهار. تحول إلى رماد. الرماد تطاير في الريح. واختفى.
النار السوداء اختفت تماماً. القرية عادت هادئة. الثلج... بدأ يهطل من جديد. أبيض. نظيف.
---
وقف الثلاثة في الساحة. البيوت كانت محروقة. لكن النار الحقيقية فقط هي التي اختفت. السوداء.
"ما الذي حدث؟" سألت ميساكي. كانت تلهث. "كيف... كيف قتلته؟"
"لم أقتله." قال تاكيشي. "حررته. كان مسجوناً في جسد بلا ماضٍ. وعندما واجهت ماضيي... حررته من مهمته."
"وماذا الآن؟"
نظر تاكيشي إلى القرية. إلى المعبد. إلى الثلج.
"الآن... أعرف الحقيقة. الظل الحقيقي ليس عدواً يمكن قتله. الظل الحقيقي... هو جزء مني. جزء من كل من حمل دم سوزوكي. جدي حاول دفنه. المنظمة تريد إطلاقه. لكن الخيار الثالث..."
"ما هو؟" سأل فوجيوارا.
"...أن أواجهه. أن أفهمه. أن أتصالح معه. الظل... يمكن أن يكون محارباً. أو حارساً. أو..." نظر إلى يديه. "...أباً."
"وما هو بالنسبة لك؟"
تاكيشي لم يجب. لكن ميساكي رأت شيئاً في عينيه. شيئاً لم تره من قبل. لم يكن النور. لم يكن الظلام. كان... شيئاً بينهما.
"سأعرف..." قال أخيراً، "...عندما أصل إلى بكين."