في اليوم الثاني…

استيقظت قبل شروق الشمس بقليل.

لم يكن هناك صوت يوقظني، ولا مناداة، ولا ضجيج… فقط ذلك الإحساس الداخلي الذي أصبح مألوفًا منذ بدأ التدريب.

فتحت عيني ببطء، وجسدي لا يزال متعبًا من اليوم السابق، لكن عقلي… كان متيقظًا.

اليوم…

لن يكون مثل الأمس.

حين وصلت إلى ساحة التدريب، كانت الشمس بالكاد بدأت في الظهور، خيوط الضوء الأولى ترسم ظلالًا طويلة على الأرض الخالية.

لكنني لم أكن وحدي.

كان جين هناك.

واقفًا بثبات، درعه يغطي جسده كجدار لا يمكن اختراقه، وفأسه الضخم مستقر على كتفه وكأنه امتداد طبيعي له.

تقدمت نحوه.

نظر إلي.

ثم قال بهدوءٍ خالٍ من أي مزاح:

— “استعد يا دارون… أنا لا أرحم.”

سحبت سيفي.

وشددت قبضتي عليه.

في تلك اللحظة…

أدركت شيئًا مهمًا.

كارل كان مهاجمًا.

سريعًا. مباشرًا. حادًا.

أما جين…

فكان عكس ذلك تمامًا.

مدافع.

لم يكن خصمًا يمكن كسره بالاندفاع.

لكن…

لم يكن لدي خيار.

اندفعت.

بحركة سريعة، وجهت ضربة نحو كتفه.

لكن—

تصدى لها بسهولة.

درعه لم يهتز حتى.

وفي اللحظة التالية، تحرك.

ليس بسيف…

بل بدرعه.

اصطدم بي من الجانب.

لم أره قادمًا.

انقلب جسدي، وفقدت توازني، وتراجعت عدة خطوات قبل أن أستعيد نفسي بصعوبة.

رفع رأسه نحوي.

وقال بسخرية باردة:

— “ضعيف.”

شدّدت على أسناني.

“ليس بعد…”

اندفعت مجددًا.

لكن قبل أن أصل إليه—

شعرت بها.

خطر.

لكن…

متأخر.

فأسه انطلق بهجمة أفقية هائلة.

لم أفكر.

رفعت سيفي لصدها.

خطأ.

الاصطدام—

كان كأنه صاعقة.

قوة الضربة اخترقت ذراعي بالكامل.

صرخت.

تراجعت، خطواتي غير مستقرة، الألم يضرب جسدي كالمطر.

عظامي…

كادت تتحطم.

وقفت بصعوبة.

جين لم يتحرك.

نظر إلي، ثم قال بهدوء:

— “أنت تحاول مجاراتي كما فعلت مع كارل.”

توقف.

ثم أضاف:

— “تخلّ عن هذا الأسلوب… وإلا ستنكسر.”

تنفست بعمق.

كان محقًا.

الهجوم المباشر…

لن ينجح.

لكنني…

لم أكن أعرف ماذا أفعل بدلًا من ذلك.

اندفعت مرة أخرى.

ثم مرة أخرى.

ثم مرة أخرى…

الجولة الأولى—

سُحقت.

الثالثة—

لمست درعه.

الخامسة—

بدأت أبطئ.

السابعة—

تغير شيء.

“هناك…”

شعرت بها.

إرادته.

لكنها لم تكن كإرادة كارل.

لم تكن حادة.

بل…

سميكة.

ثقيلة.

صلبة.

كأنها جدار غير مرئي يحيط به.

كلما اقتربت…

شعرت بثقل يدفعني للخلف.

تراجعت خطوة.

“هذا…”

لم يكن مجرد دفاع جسدي.

بل…

دفاع إرادي.

بعد استراحة الغداء، عدنا.

هذه المرة…

لم أندفع.

بدأت أراقب.

أتحسس.

أبحث عن…

ثغرة.

كل دفاع…

له نقطة ضعف.

حتى جين.

“ليس الدرع…”

“بل ما خلفه.”

بدأت أركز على إرادته.

ليست كجدار واحد…

بل طبقات.

وأضعفها…

في لحظة الحركة.

عندما يهاجم.

هناك—

تنكشف.

حاولت.

مرة.

فشلت.

مرتين.

ثلاث.

لكن…

كنت أقترب.

مع نهاية اليوم…

لم أكسره.

لكنني…

فهمته.

ولأول مرة—

أدركت شيئًا مهمًا:

الإحساس وحده… لا يكفي.

في اليوم التالي…

كان دوري مع إيمي.

كانت تقف في منتصف الساحة، تتمدد بخفة، تحرك أطرافها وكأنها تستعد لرقصة… لا قتال.

عندما اقتربت—

ابتسمت.

— “هل نبدأ يا دارون؟”

سحبت سيفي.

لكن—

اختفت.

لم أرها.

لم أشعر بها.

فقط—

ضربة.

ركلة من الخلف.

سقطت أرضًا.

تنفسي انقطع للحظة.

رفعت رأسي—

كانت فوقي.

تضحك.

— “دارون…”

ثم قالت، بنبرة مختلفة:

— “أنا لست إيمي التي قاتلت معك في الحرب.”

توقفت.

— “هناك… كنت ضعيفة.”

— “ساذجة.”

نظرت إلي بجدية هذه المرة:

— “لكنني رأيت الموت.”

سكتت لحظة.

— “وتعلمت.”

ثم ابتسمت:

— “والآن… دورك.”

نهضت.

“إذن…”

“لن تكون سهلة.”

بدأ القتال.

ومنذ اللحظة الأولى—

أدركت.

هي أسرع.

ليس قليلًا.

بل…

بشكل مزعج.

حركتها خفيفة.

سلسة.

كأنها لا تلمس الأرض أصلًا.

“قدرتها…”

“تعززها.”

لكن هذا لم يكن كل شيء.

إرادتها…

كانت غريبة.

خفيفة.

لكن…

ثابتة.

كأنها تيار مستمر.

لم تكن تنفجر مثل كارل.

ولا تتصلب مثل جين.

بل…

تتدفق.

حاولت تتبعها.

نجحت…

أحيانًا.

لكن—

جسدي لم يستطع المواكبة.

كنت أرى.

لكنني…

لم أستطع التحرك.

وهنا—

أدركت الحقيقة.

“أنا… لست مطلقًا.”

مع نهاية اليوم…

كنت منهكًا.

لكنني تعلمت.

أكثر مما توقعت.

في المساء، جلسنا كالمعتاد.

لكن هذه المرة…

الدهشة لم تكن نحوي.

بل نحو إيمي.

كارل قال:

— “ما الذي حدث لكِ؟”

جين أومأ:

— “تحسنتِ بشكل واضح.”

نور ابتسمت:

— “أصبحتِ… مختلفة.”

إيمي فقط ضحكت.

لكنني…

فهمت.

التدريب…

لا يغيرني وحدي.

بل…

الجميع.

اليوم الخامس…

كان الأسوأ.

نور.

ورمايتها.

لم تستخدم سهامًا حقيقية.

لكن…

تمنيت لو فعلت.

الألم…

كان حقيقيًا.

وقفت بعيدًا.

سحبت قوسها.

ثم—

أطلقت.

السهم انطلق بسرعة.

لكن—

لم أشعر بشيء.

تأخرت.

أصبت.

صرخت.

“لماذا…؟”

حاولت مجددًا.

ثم مجددًا.

حتى بدأت أفهم.

“السهام…”

“لا تحمل إرادة.”

توقفت.

“بل…”

“تُطلق بها.”

في لحظة واحدة.

لحظة الإطلاق.

وهنا فقط…

يمكن الشعور بها.

“إذن…”

“يجب أن أسبقها.”

لكن هذا—

كان أصعب بكثير.

لأنني لا أواجه السهم…

بل…

اللحظة.

لحظة القرار.

لحظة الإرادة.

حاولت.

وفشلت.

مرارًا.

حتى بدأت أشك—

“هل هذا ممكن أصلًا…؟”

هل يمكن لشخص في مستواي…

أن يواجه ذلك؟

أم أن هذا…

يتطلب شيئًا آخر؟

بحثت.

سألت.

فكرت.

حتى وصلت لإجابة واحدة.

“هذا…”

“…مستوى آخر.”

مستوى لا يعتمد فقط على الإحساس.

بل…

على شيء اكبر

2026/04/07 · 1 مشاهدة · 758 كلمة
المتخيل
نادي الروايات - 2026