بعد العودة إلى المدينة، كان الجميع متفائلين حقًا، و لن أنكر هذا الأمر أيضًا.
كان هناك شيء مختلف في الأجواء، شيء لا يمكن وصفه بسهولة… وكأننا عدنا من اختبارٍ حقيقي، لا مجرد مهمة عادية. وجوه الناس، أصوات السوق، ضجيج العربات، حتى الهواء نفسه… بدا أخف، أو ربما أنا من تغير.
لقد كان مكسبنا من مهمة صيد الغيلان مرضيًا حقًا، ليس فقط لأننا تمكنا من صيد عشرين غولًا في اشتباك واحد، بل لأن ذلك الاشتباك نفسه كان من المفترض أن يستغرق يومين على الأقل من التخطيط والمراقبة. يومين من الحذر، من الترقب، من الخوف المستمر من الوقوع في كمين… لكننا أنهينا كل ذلك في مواجهة واحدة.
مواجهة لم تكن سهلة.
مواجهة كادت أن تخرج عن السيطرة في أكثر من لحظة.
ومع ذلك… نجونا.
بل وانتصرنا.
لكن ما كان يسعدني حقًا أكثر من صيد الغيلان، لم يكن المال… ولا حتى النجاح الجماعي.
بل كان شيئًا آخر.
قدرتي.
لأول مرة… تمكنت من استحضارها برغبة مني.
ليس صدفة.
ليس خوفًا.
ليس لحظة يأس.
بل… بإرادتي.
وهذا وحده كان كافيًا ليجعل كل ما حدث يستحق العناء.
خلال عودتنا، وبينما كنا نسير عبر الطريق المؤدي إلى بوابة المدينة، كنت غارقًا في أفكاري. لم أكن أسمع ضحكات كارل، ولا تعليقات إيمي الساخرة، ولا حتى نقاش جين ونور حول تفاصيل القتال… كنت بعيدًا.
أعيد كل لحظة في ذهني.
كل حركة.
كل قرار.
كل إحساس.
وقد تمكنت من استنتاج أمرين أساسيين.
الأول… أن قدرتي تُفعل بطريقتين.
بشكل جزئي…
وبشكل كامل.
الشكل الجزئي… هو ما استخدمته اليوم.
ذلك الإحساس الحاد، ذلك التركيز الذي يجعل العالم من حولي أبطأ… أو ربما أنا من أصبح أسرع في إدراكه. أستطيع رؤية النوايا، قراءة الحركات، توقع الهجمات… ليس بشكل كامل، لكن بشكل كافٍ ليمنحني أفضلية.
أما الشكل الكامل…
فهو شيء لم أصل إليه بعد.
شيء أشعر بوجوده… لكنني لا أستطيع لمسه.
وكأن هناك بابًا داخل عقلي… أراه، أقترب منه، لكنني لا أملك المفتاح.
أما الأمر الثاني…
فهو أن تفعيل هذه القدرة، حتى بشكل جزئي… مرهق.
ليس جسديًا فقط.
بل عقليًا… بشكل أساسي.
لم أستطع استخدامها لأكثر من عشرين ثانية.
وعندما انتهت… كنت في أسوأ حالاتي.
رأسي كان ينبض وكأنه سينفجر.
أفكاري كانت مشتتة.
جسدي… بالكاد كان يتحرك.
كان ذلك كافيًا ليجعلني أتساءل…
ماذا سيحدث… لو استخدمتها بكامل إمكانياتها؟
الفكرة وحدها… كانت مرعبة.
وهذا جعلني أصل إلى استنتاج بسيط… لكنه مهم:
قوتي… سلاح ذو حدين.
إن لم أتعلم التحكم بها…
قد تدمرني… قبل أن تنقذني.
كان مهمة اليوم خبرة حقيقية للفريق فقد كانت اول اختبار حقيقي للعمل الجماعي اذ ان كل التدريب الذي خضناه خلال الاسبوع السابق و فهمي لطريقة قتال الجميع قد افادني في مهمة اليوم
تمكنت من بناء اساسي كمرتزقة او كمقاتل ايضا و قد كان هذا افضل عنصر في مهمة اليوم حيث ادركت قيمة استغلال الفرص و استخدام المحيط لدعم نفسي في القتال فبعد كل شيء البقاء و النجاة مهارة لا تقدر بثمن
لن انكر انني بنيت فكرة اساسية للوحوش و طبيعتها فالغيلان كان ماكرة و صيادة بالفطرة اما الذئاب فكانت مفترسين حقيقيين و كانت ارادتهم مميزة حقا و قد كانت مختلفة كل الاختلاف عن ارادة البشر فبعد كل شيء هي نابعة عن الفطرة
تنهدت ببطء وأنا أرفع رأسي، لأجد أننا قد وصلنا إلى بوابة المدينة.
الحراس ألقوا نظرة سريعة علينا، على ملابسنا المتسخة، على آثار الدماء التي لم تختفِ بالكامل… ثم سمحوا لنا بالدخول دون سؤال.
هذا وحده كان كافيًا ليدل على شيء واحد…
نحن لم نعد مجرد مبتدئين.
كان السير داخل المدينة مختلفًا هذه المرة.
نظرات الناس لم تكن نفس النظرات السابقة.
بعضهم كان ينظر بإعجاب.
البعض الآخر بحذر.
والبعض… بشيء يشبه الاحترام.
“يبدو أننا أصبحنا مشهورين قليلًا.”
قالها كارل وهو يمرر يده في شعره بثقة مبالغ فيها كعادته.
“أو ربما وجهك فقط هو ما يجذب الأنظار.”
ردت إيمي بسخرية، لتنفجر نور بضحكة خفيفة، بينما اكتفى جين بابتسامة هادئة.
لم أشاركهم الحديث.
لكن… ابتسامة خفيفة ارتسمت على وجهي دون أن أشعر.
كان هذا الشعور… جديدًا علي.
شعور الانتماء.
لم تمضِ دقائق حتى وصلنا إلى نقابة المرتزقة.
دخلنا، وكان المكان مزدحمًا كعادته، أصوات المرتزقة، ضحكاتهم، صفقاتهم… كل شيء كان يعج بالحياة.
توجهنا مباشرة نحو ماري.
بمجرد أن رأتنا، اتسعت عيناها قليلًا، ثم ابتسمت قائلة:
“أهلاً بكم… يبدو أنكم عدتم سالمين.”
“بل وعدنا ومعنا خبر أفضل.”
قالتها إيمي بحماس، وهي تضع كيس الغنائم على الطاولة.
نظرت ماري إلى الكيس، ثم إلينا، وكأنها تحاول تقدير ما حدث.
“لا تخبريني…”
“عشرون.”
قالتها نور بهدوء.
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم قالت ماري ببطء:
“…غولًا؟”
أومأنا جميعًا.
لم تقل شيئًا لعدة لحظات… ثم تنهدت وقالت بابتسامة:
“يبدو أنني قللت من شأنكم.”
لم يكن في صوتها سخرية هذه المرة.
بل… تقدير حقيقي.
تم إنهاء الإجراءات بسرعة، وبعد التحقق من المهمة، تم تسليمنا المكافأة.
عشرون عملة فضية.
كان ثمن إتمام المهمة مغريًا بقدر خطورتها.
عشرين غولًا… عشرون عملة.
ببساطة… عملة لكل غول.
تقاسمنا الجائزة بالتساوي بيننا.
أربع عملات لكل شخص.
أمسكت بالعملات في يدي، وتأملتها للحظة.
لن أنكر… أن جني المال أحد أكثر الأشياء إرضاءً ومتعة.
بعد كل شيء… يميل الإنسان إلى الشعور بالسعادة عند الحصول على ثمن مجهوداته.
لكن… هذه المرة، لم يكن المال هو ما يهمني أكثر.
بل…
ما تعلمته.
تفرقنا بعد استلام أموالنا.
كارل ذهب في طريقه، ربما للتفاخر بما أنجزه.
جين توجه لشراء بعض المعدات.
نور… كعادتها، اختفت بهدوء.
وبقيت أنا… وإيمي.
نظرَت إليّ، ثم ابتسمت قائلة:
“لنذهب.”
“إلى أين؟”
“إلى المكان الوحيد الذي يستحق الذهاب بعد يوم كهذا.”
لم أحتج إلى سؤال آخر.
النزل.
سرنا معًا عبر شوارع المدينة، هذه المرة بصمت مريح.
لم يكن صمتًا محرجًا… بل صمتًا مليئًا بالرضا.
“لقد كنت مختلفًا اليوم.”
قالتها إيمي فجأة.
نظرت إليها.
“كيف ذلك؟”
توقفت للحظة، وكأنها تبحث عن الكلمات.
“لم تكن تقاتل فقط… كنت ترى.”
صمت.
ثم أضافت:
“حتى عندما لم تستخدم قدرتك… كنت تتحرك بشكل مختلف.”
فكرت في كلامها.
ثم قلت بهدوء:
“ربما… لأنني بدأت أفهم.”
لم تسألني المزيد.
ولم أشرح.
لكن… نظرة واحدة بيننا كانت كافية.
وصلنا إلى النزل.
بمجرد أن دخلنا، استقبلتنا سارة بابتسامتها الساخرة، تلك الابتسامة التي تزرع الطمأنينة في أعماق أرواحنا المتعبة.
“عدتما أخيرًا.”
قالتها وهي تمسح يديها بمنديل.
“وأنتِ كما أنتِ… لم يتغير شيء.”
ردت إيمي.
“على عكسكما… تبدوان كأنكما خرجتما من الجحيم.”
ضحكت بخفة.
لم أعلق.
لكن… شعورًا دافئًا تسلل إلى داخلي.
بعد كل شيء… كان النزل، خاصة… المكان الأول الذي يمكنني دعوته “منزلي” في هذا العالم.
جلسنا، ولم تمضِ دقائق حتى وضعت سارة الطعام أمامنا.
كان وجبة العشاء عظيمة بكل ما تعنيه الكلمة.
حساء غني، لحم طري، خبز دافئ…
الرائحة وحدها كانت كفيلة بإسكات أي حديث.
بدأنا بالأكل.
ببطء في البداية… ثم بسرعة.
كأننا نحاول تعويض كل ما فقدناه خلال القتال.
لم نتحدث كثيرًا.
لكن… لم يكن هناك حاجة للكلام.
بعد أن انتهينا، جلست للخلف، وأطلقت زفيرًا طويلًا.
“هذا… أفضل شيء في الحياة.”
قالتها إيمي وهي تضع يدها على بطنها.
ابتسمت.
“ربما.”
نهضنا بعدها، واتجه كل منا إلى غرفته.
بمجرد أن دخلت، أغلقت الباب خلفي، وأسندت ظهري عليه للحظة.
صمت.
هدوء.
وأخيرًا… وحدة.
سرت ببطء نحو السرير، وجلست عليه.
ثم…
استلقيت.
نظرت إلى السقف.
أفكاري بدأت تعود.
لكن هذه المرة… لم تكن مشتتة.
بل…
مرتبة.
أنا لست قويًا بعد.
هذا واضح.
ما زلت في المستوى الأول.
ما زلت بالكاد أستطيع استشعار الإرادة.
لكن…
إحساسي… مختلف.
أعمق.
أدق.
وكأن…
قدرتي… تدفعني للأمام.
“العقل الفعال…”
همست بها دون وعي.
لا أعرف لماذا.
لكن… هذا الاسم بدا مناسبًا.
أغمضت عيني.
وشعرت بشيء غريب.
هدوء.
ليس هدوء المكان…
بل هدوء داخلي.
وكأنني…
لأول مرة…
أسير في الاتجاه الصحيح.
ابتسمت.
ببطء.
ثم…
اختفى كل شيء.
كان النوم أعمق من أي وقت مضى.
لا أحلام.
لا أصوات.
فقط…
راحة.
لا يوجد شيء أفضل من النوم… لشفاء تعب الجسد والعقل على السواء.
ولن أنكر…
أن الغد…
كان أكثر شيء أتأمله.