كان الهدوء ثقيلاً.

ثقيلاً بشكلٍ غير طبيعي… كأن المدينة بأكملها تحبس أنفاسها دون أن تدرك السبب.

جلستُ مع الفريق في نقابة المرتزقة، نفس الطاولة، نفس الوجوه، لكن الجو لم يكن كما كان. لم يكن مجرد ملل هذه المرة… بل شيء أقرب إلى الترقب.

شيء ينتظر أن يحدث.

شيء… سيحدث.

كنت أطرق الطاولة بأصابعي ببطء، دون وعي، بينما نظري شارد في الفراغ. ذلك الشعور… ذلك الشعور الذي أحسسته في الغابة… لم يختفِ.

بل أصبح أوضح.

أثقل.

أقرب.

— "دارون."

رفعت رأسي.

كانت نور تنظر إليّ، عيناها تدرسان ملامحي.

— "أنت شارد منذ فترة… هل ما زلت تفكر في ما قلته سابقًا؟"

تنفست ببطء.

— "…نعم."

قبل أن أضيف شيئًا—

انفُتح باب النقابة بعنف.

ارتطم بالجدار بقوة جعلت الجميع يلتفتون في آنٍ واحد.

دخل رجل… لا، لم يكن مجرد رجل.

كان حطام إنسان.

ملابسه ممزقة، جسده مغطى بالدم، أنفاسه متقطعة، عيناه واسعتان… ممتلئتان برعبٍ لم أره من قبل.

سقط على الأرض قبل أن يتمكن حتى من التقدم خطوة أخرى.

— "النجدة…!"

كان صوته مبحوحًا، بالكاد يُسمع.

في لحظة، اختفى الملل.

اختفى الصمت.

اختفى كل شيء.

تحولت النقابة إلى فوضى.

اندفع المرتزقة نحوه، ماري وقفت بسرعة خلف مكتبها، وجهها فقد لونه.

— "ماذا حدث؟!"

صرخت به.

رفع الرجل رأسه بصعوبة… شفتاه ترتجفان.

— "القافلة…"

توقف… كأن الكلمات تخنقه.

— "القافلة… دُمرت…"

سقط الصمت.

صمت… ثقيل.

— "الوحوش…"

ابتلعتُ ريقي دون وعي.

— "كانت… كثيرة…"

— "ليست طبيعية…"

— "كانت… منظمة…"

شعرتُ بشيء ينقبض داخل صدري.

— "كم عدد الضحايا؟"

سأل أحد المرتزقة بحدة.

الرجل أغمض عينيه…

ثم قال بصوتٍ مكسور:

— "…أكثر من ستين."

ستون.

شخصًا.

ماتوا.

في لحظة، شعرتُ بأن الهواء أصبح أثقل.

أثقل بكثير.

— "لا يزال هناك ناجون…"

فتح عينيه فجأة، كأن هذه الفكرة وحدها تبقيه حيًا.

— "حوالي عشرين… ربما أكثر بقليل… محاصرون…"

— "إن لم نتحرك الآن…"

لم يكمل.

لم يكن بحاجة.

تحركت ماري فورًا.

— "مهمة إنقاذ عاجلة!"

صرخت بصوتٍ حاد، قوي، قطع كل شيء.

— "جميع المرتزقة القادرين على القتال—استعدوا فورًا!"

لكن قبل أن يعم الاندفاع—

نزلت من الطابق الثاني… ثلاث شخصيات.

بمجرد ظهورهم—

تغير الجو.

ليس لأنهم صرخوا.

ليس لأنهم تحركوا.

بل لأن وجودهم وحده… كان كافيًا.

نظرت إليهم.

و… فهمت.

نخبة.

الأول… رجل طويل، شعره أسود قصير، عيناه باردتان بشكل مخيف، يحمل رمحًا طويلاً.

الثانية… امرأة بشعر فضي قصير، تحمل خناجر مزدوجة، نظراتها حادة كالنصل.

الثالث… رجل ضخم، درع ثقيل، وسيف عريض على ظهره، هالته وحدها تضغط على المكان.

تقدمت ماري، صوتها أصبح أكثر احترامًا.

— "فرقة 'الظلال الرمادية'…"

أشارت إلى الثلاثة.

— "وفرقة 'الرمح الفضي'…"

ثم نظرت نحونا.

— "وفرقة دارون."

شعرت بنبض قلبي يتسارع.

— "أنتم الثلاثة ستتولون المهمة."

سادت لحظة صمت.

ثم—

ابتسم كارل.

— "أخيرًا… شيء يستحق."

جين شد قبضته على فأسه.

— "إنقاذ… هذا جيد."

إيمي نظرت إليّ.

— "دارون."

أومأت.

— "أنا جاهز."

لكن داخلي…

لم يكن كذلك.

ذلك الشعور…

كان يزداد.

لم نضيع وقتًا.

تحركنا فورًا.

خارج المدينة، عبر الطريق الترابي، نحو الغابة الغربية.

الهواء كان ثقيلاً.

لا ريح.

لا أصوات.

حتى الطيور… لم تكن هناك.

— "هذا ليس طبيعيًا…"

همست نور.

لم يرد أحد.

كلنا شعرنا بها.

حتى من لا يملك قدرة على الإحساس بالإرادة—

كان يشعر… بشيء.

أنا…

كنت أشعر بأكثر من ذلك.

شيء…

يضغط على عقلي.

ليس واضحًا.

لكن…

موجود.

— "كم يبعد الموقع؟"

سأل كارل.

رد أحد أفراد النخبة—صاحب الرمح:

— "أقل من ساعة."

صوته كان هادئًا.

باردًا.

— "لكننا سنصل أسرع."

ثم—

انطلق.

سرعته… لم تكن طبيعية.

تبادلنا النظرات—

ثم تبعناه.

كلما اقتربنا—

كلما أصبح الشعور أقوى.

أثقل.

أوضح.

بدأت أنفاسي تتسارع.

— "دارون؟"

إيمي لاحظت.

— "أنا بخير…"

كذبت.

لم أكن بخير.

شيء ما هناك…

ينتظر.

وصلنا.

أو بالأحرى…

وصلنا إلى ما تبقى.

القافلة…

لم تعد قافلة.

كانت…

مجزرة.

العربات مكسرة، بعضها مقلوب، بعضها محترق جزئيًا، الأرض مغطاة بالدماء… آثار القتال كانت في كل مكان.

جثث…

في كل اتجاه.

بعضها مشوه.

بعضها ممزق.

بعضها…

لم يعد يمكن التعرف عليه.

تجمدت مكاني.

رائحة الدم…

كانت خانقة.

— "تفرقوا."

قال صاحب الرمح بهدوء.

— "ابحثوا عن الناجين."

تحرك الجميع.

لكنني…

لم أستطع التحرك لثوانٍ.

هذا…

ليس كالغابة.

ليس كالتدريب.

هذا…

واقع.

— "دارون!"

صوت إيمي أعادني.

شدّدت قبضتي.

— "…نعم."

تحركت.

بدأنا البحث.

الصمت…

كان أسوأ من الصراخ.

ثم—

— "هنا!"

صرخت نور.

اندفعنا نحوها.

مررنا بين الحطام، بين الجثث، بين آثار الدم…

ثم—

توقفنا.

هناك…

في منخفضٍ صغير بين العربات المحطمة…

كانوا.

الناجون.

حوالي واحد وعشرين شخصًا.

رجال.

نساء.

حتى طفلان.

وجوههم شاحبة.

عيونهم ممتلئة بالخوف.

لكنهم…

كانوا أحياء.

تنفست بعمق.

— "لقد وجدناهم—"

لكنني توقفت.

لأنني…

شعرت بها.

فجأة.

بقوة.

أقوى من أي وقتٍ مضى.

— "انتظروا…"

همست.

الجميع التفت إليّ.

— "هناك شيء—"

ثم—

سمعناها.

صوت.

خشخشة.

من بين الأشجار.

واحد.

ثم آخر.

ثم…

عشرات.

ظهرت.

من الظلال.

عيون متوهجة.

أجساد ملتوية.

ابتسامات… غير طبيعية.

غيلان.

لكن…

ليست مثل التي قاتلناها.

هذه…

كانت مختلفة.

أكبر.

أكثر تنظيمًا.

أكثر… هدوءًا.

ثم—

خرج واحد منهم.

من الأمام.

توقف.

نظر إلينا.

ثم…

ابتسم.

ابتسامة…

عاقلة.

تجمد الدم في عروقي.

— "…هذا ليس طبيعيًا."

همس جين.

— "تشكيل."

قال صاحب الرمح بهدوء.

— "احموا الناجين."

تحركت الوحوش.

ببطء.

لكن…

بثقة.

كانت تحيط بنا.

تغلق الدائرة.

عددهم…

لم يكن قليلاً.

أكثر من ثلاثين.

شعرت بأنفاسي تضيق.

ذلك الشعور—

عاد.

أقوى.

أثقل.

كأنه…

ينظر إليّ.

— "دارون."

همست إيمي.

— "هل تشعر بها؟"

أومأت ببطء.

— "نعم…"

— "شيء… ليس هنا فقط…"

رفعت رأسي.

نظرت إلى عمق الغابة.

— "هناك شيء… أكبر…"

صمت.

ثم—

شدّ كارل سيفه.

— "حسنًا…"

ابتسم.

لكن هذه المرة—

لم تكن ابتسامته المعتادة.

— "يبدو أن الأمر أصبح ممتعًا."

نور رفعت قوسها.

جين تقدم خطوة للأمام.

إيمي وقفت بجانبي.

أما أنا…

فشددت قبضتي على سيفي.

و—

ركزت.

تلك القدرة…

تتحرك.

ببطء.

بشكل جزئي.

لمدة قصيرة.

لكن…

كافية.

رأيتهم.

حركاتهم.

نواياهم.

لكن—

في الخلف…

بعيدًا…

كان هناك شيء آخر.

شيء…

ينظر.

يراقب.

ينتظر.

ابتلعت ريقي.

ثم—

تقدمت الوحوش خطوة.

وتقدّمنا نحن خطوة.

بيننا…

خطوة واحدة فقط.

لحظة واحدة فقط.

قبل أن ينفجر كل شيء.

وتوقفت أنفاسي…

عند تلك اللحظة.

2026/04/08 · 2 مشاهدة · 947 كلمة
المتخيل
نادي الروايات - 2026