لم يكن الطريق إلى المدينة مجرد عودة…

كان انسحابًا.

انسحابًا بثمن.

الخطوات ثقيلة، الأنفاس متقطعة، والهواء نفسه بدا وكأنه يرفض دخول صدورهم. لم يكن أحد يتحدث. لم يكن هناك ما يُقال أصلًا.

كل واحد منهم… كان يعرف.

ما حدث هناك… لم يكن طبيعيًا.

دارون كان يسير بينهم، أو بالأحرى… يُساق.

قدماه تتحركان، لكن وعيه لم يكن حاضرًا بالكامل.

الألم.

لم يكن في جسده فقط.

بل… في رأسه.

في عقله.

كأن شيئًا ما لا يزال هناك، عالقًا، يضغط، يهمس، يرفض المغادرة.

رفع يده ببطء إلى رأسه، ضغط عليها بقوة.

— “…توقف…”

همسها.

لكن الألم لم يتوقف.

بل ازداد.

صوت خافت…

غير واضح…

لكن موجود.

— “أنت… رأيت…”

توقف.

تجمدت خطواته للحظة.

— “دارون؟”

صوت إيمي.

قريب.

لكنه بدا بعيدًا.

— “أنا… بخير…”

كذب.

كان يعلم أنه يكذب.

لكن لم يكن هناك وقت للانهيار.

ليس الآن.

ليس وهم ما زالوا داخل الغابة.

عندما ظهرت أسوار المدينة أخيرًا في الأفق…

لم يشعر أحد بالراحة.

كان من المفترض أن يكون هذا الأمان.

لكن…

لم يكن كذلك.

البوابة فُتحت بسرعة فور رؤيتهم.

الحراس… لم يطرحوا أسئلة.

لم يحتاجوا.

الدماء.

الناجون.

الحالة العامة…

كانت كافية.

— “أطباء! بسرعة!”

صرخة دوّت في المكان.

وفجأة—

تحرك كل شيء.

تم سحب الناجين بسرعة.

نُقل المصابون.

الأوامر انهالت من كل اتجاه.

لكن وسط كل ذلك…

كان هناك شيء واحد واضح:

المدينة… لم تكن مستعدة.

داخل خيمة العلاج…

الرائحة كانت خانقة.

دم.وأدوية.

عرق.وألم.

جين كان أول من أُسقط على السرير.

نزيفه كان خطيرًا.

كارل جلس بصمت، يضغط على جرح في كتفه.

نور… كانت ترتجف.

أما إيمي—

فكانت تنظر.

إلى دارون.

لم تقل شيئًا.

لكن عينيها…

كانتا مليئتين بشيء لم ترغب في الاعتراف به.

القلق.

دارون جلس.

أو سقط.

على أحد الأسرة.

ممرضة اقتربت بسرعة.

— “هل تستطيع السمع؟”

أومأ.

— “الاسم؟”

— “…دارون.”

— “الوعي؟”

— “…جزئي…”

لم يفهم لماذا قال ذلك.

لكن…

كان صحيحًا.

ناولته الممرضة قارورة صغيرة.

— “اشرب.”

نظر إليها.

— “ما هذا…؟”

— “مسكن قوي.”

تردد.

— “سيؤلمك أكثر إن لم تفعل.”

نظر إليها للحظة.

ثم—

شرب.

الدقائق التالية…

لم تكن واضحة.

الألم…

خف.

لكن لم يختفِ.

بل…

تحول.

من ألم حاد…

إلى ضغط.

ثابت.

مستمر.

كأن شيئًا يجلس داخل رأسه… ويرفض المغادرة.

“دارون.”

صوت.

هذه المرة—

واضح.

فتح عينيه.

إيمي.

— “كيف تشعر؟”

صمت.

ثم—

— “…أسوأ.”

لم تكذب عليه.

— “أعرف.”

جلست بجانبه.

— “لكننا عدنا.”

— “…هل عدنا حقًا؟”

نظرت إليه.

لم تفهم.

أو…

ربما فهمت.

لكنها لم ترغب في التفكير في ذلك.

بعد ساعات…

تم علاج الجروح الأساسية.

لم يكن أحد في حالة جيدة.

لكنهم كانوا…

أحياء.

وهذا—

كان كافيًا.

مؤقتًا.

المساء.

نفس الطاولة.

لكن…ليس نفس الجو.

لم تكن جلسة عادية.

كانت—

اجتماعًا.

رين جلس أولًا.

هادئ.

لكن عينيه…

كانت تعمل.

تحلل.

تربط.

كيرا جلست مقابله.

صامتة.

لكن انتباهها…حاد.

بقية الفريقين…توزعوا.

أما فريق دارون…

فجلسوا معًا.

لكن المسافة بينهم…

كانت أكبر مما تبدو.

الصمت.

ثقيـل.

ثم—

— “ما رأيكم؟”

رين.

ببساطة.

لكن سؤاله…

لم يكن بسيطًا.

كارل تنهد.

— “انه كمين.”

— “امر واضح تماما.”

نور هزت رأسها.

— “ليس فقط كمين…”

— “كان منظما.”

جين، رغم ضعفه، قال:

— “توقيتهم… لم يكن عشوائيًا.”

كيرا ابتسمت.

ابتسامة خفيفة.

— “جيد.”

— “أنتم لستم أغبياء.”

نظرت للجميع.

— “لكنكم لم تصلوا للنقطة الأهم.”

صمت.

ثم—

— “لم يكن الهدف قتلنا.”

الجميع—

تجمد.

رين أكمل.

— “لو أراد ذلك…”

— “لكنا موتى.”

— “ببساطة.”

إيمي عبست.

— “كيف؟”

كيرا انحنت للأمام قليلًا.

— “العدد قليل.”

— “كان هناك ثلاثون؟”

ضحكت بخفة.

— “هذا ليس عددًا كافيًا.”

دارون رفع رأسه ببطء.

عينيه…ثقيلتان.

لكن…مركزتان.

— “…كان يعلم.”

الجميع نظر إليه.

— “كان يعلم أننا سنأتي…”

— “وسنأتي بقوة.”

— “بنخبة قواتنا.”

رين أومأ.

— “بالضبط.”

نور همست:

— “اختبار…؟”

— “بل تقييم.”

قالها رين.

بوضوح.

الصمت.

عاد.

لكن هذه المرة…

كان أثقل.

جين ضغط على يده.

— “هذا يعني…”

— “هو… يراقبنا؟”

اجابت كيرا

— “منذ البداية.”

دارون شعر بشيء…

بارد.

يمر في عموده الفقري.

— “القافلة…”

— “الناجون…”

— “العدد…”

— “التوقيت…”

— “كل شيء… محسوب.”

كارل شد على قبضته.

— “هذا… ليس وحشًا.”

رين نظر إليه.

— “لا.هذا المستوى من الذكاء غير طبيعي"

دارون…ابتسم.

لكنها لم تكن ابتسامة طبيعية.

— “…قلت لكم…”

— “لم ينتهِ…”

إيمي نظرت إليه بقلق.

— “دارون…”

لكنه لم يسمعها.

— “هو… هناك…”

— “ينتظر…”

— “يراقب…يتلاعب بنا”

ضغط على رأسه.

بقوة.

— “…وهو سعيد…”

— “دارون!”

صوت إيمي ارتفع.

لكنه—

لم يكن هنا.

كان هناك.

في الغابة.

الظلام.

والعينين.

تلك—

العينين.

شهق.

— “إنه…”

توقف.

ثم—

همس.

— “يرانا…”

الصمت.

هذه المرة…

لم يكن صمت تفكير.

كان صمت خوف.

نور…

كانت أول من تكلم.

— “أنا… شعرت به أيضًا…”

كارل رفع رأسه.

— “وأنا.”

جين.

— “نفس الشيء…”

إيمي.

تجمدت.

— “…كلكم؟”

رين لم يبتسم.

— “نعم.”

— “ذلك… لم يكن مجرد إحساس.”

— “كان… ضغطًا.”

— “وجودًا عظيما.”

كيرا أضافت بهدوء:

— “شيء… أعلى.”

دارون—

بدأ يتنفس بسرعة.

— “لا…”

— “لا…”

— “هو… ليس فقط أعلى…”

رفع رأسه فجأة.

عينيه—

واسعتان.

— “هو… يفهمنا…”

— “أكثر مما نفهم أنفسنا…”

— “نحن… داخل لعبته…”

يده—

ارتجفت.

— “و…”

— “و…”

توقف.

ثم—

سقط.

ببطء.

كأن جسده…

استسلم أخيرًا.

— “دارون!!”

إيمي أمسكت به.

لكن—

كانت متأخرًا.

عينيه—

فقدت التركيز.

أنفاسه—

غير منتظمة.

— “الطبيب! بسرعة!”

لكن رين—

رفع يده.

— “انتظروا.”

نظر إليه.

— “هذا… ليس طبيعيا.”

— “عقله.ينهار”

كيرا اقتربت.

نظرت إليه.

— “لقد دفع نفسه…”

— “أكثر من اللازم.”

إيمي كانت ترتجف.

— “هو… فقط استخدم قدرته…”

— “لا.”

قالها رين.

— “هو… ليس كذلك هذا شيء مختلف.”

الصمت.

ثم—

— “هجوم عقلي…”

— “ذلك الشيء الموجود داخل الغابة استهدفه.”

دارون—

لم يتحرك.

لكن داخله—

لم يكن ساكنًا.

الظلام عاد.

لكن هذه المرة…

لم يكن فارغًا.

كان هناك—

شيء.

ينظر.

وينتظر.

2026/04/09 · 0 مشاهدة · 909 كلمة
المتخيل
نادي الروايات - 2026