بعد أن أزال بقع الدماء عن جسده، واغتسل بالماء البارد،
وقف للحظة…
يحدق في انعكاسه المرتجف فوق سطح الماء.
لم يرَ وجه قاتل…
بل وجهًا فارغًا.
استدار ببطء، وتوجه نحو مكان توزيع حصص الطعام.
وقف في الصف.
دقائق مرت… لكنها بدت أطول مما ينبغي.
حين وصل دوره، وُضع في يده صحن حساء باهت، ورغيف خبز بحجم كفه.
حدّق فيهما قليلًا…
ثم تحرك بلا كلمة.
سار مسافة قصيرة، قبل أن يجلس في نفس المكان الذي جلس فيه مع إيمي ليلة البارحة.
نفس الأرض.
نفس الصمت.
لكن ليس نفس الشخص.
رفع الملعقة ببطء، قرّبها من فمه…
ثم توقف.
رائحة الحساء لم تكن سيئة إلى هذا الحد…
ومع ذلك—
حلقه رفض ابتلاعه.
حاول مرة أخرى.
لقمة صغيرة… بالكاد مرت.
ليس بسبب طعمه.
بل بسبب ذلك الشعور.
ذلك الشعور المقرف… الثقيل… الذي التصق به منذ لحظة الطعن.
وجه الجندي—
رغم أنه لم يره بوضوح…
لم يفارق مخيلته.
وكأن عينيه كانتا هناك…
تراقبانه.
شدّ قبضته على الملعقة.
معدته تقلّبت بعنف.
شعور بالذنب… بدأ ينهشه من الداخل.
حاول تهدئة نفسه.
فشل.
كان عاجزًا.
خائفًا.
ضعيفًا.
وأكثر من أي شيء—
كان فارغًا.
فراغ هائل… يبتلع كل فكرة، كل شعور، كل معنى.
هل هو بسبب فقدان ذاكرته؟
أم لأنه… لا ينتمي إلى هذا المكان؟
لا يعلم.
فقط جلس هناك…
متصلبًا.
الوقت مرّ… دون أن يشعر به.
ثم—
ضربة.
صفعة خفيفة على منتصف ظهره.
لم تكن مؤلمة…
لكنها أيقظته من دوّامته.
استدار بسرعة—
إيمي.
“ما الذي تفعله هنا وحدك كالكئيب؟”
ابتسامتها…
كانت دافئة.
دافئة بشكل مؤلم.
قبل أن يدرك—
انهمرت دموعه.
بصمت في البداية…
ثم بلا سيطرة.
اتسعت عيناها بصدمة.
“ماذا؟! هل آلمتك؟ هل ضربتك بقوة؟ أنا—أنا لم أقصد! أنا آسفة!”
حاول أن يتكلم…
لكن الكلمات لم تخرج.
فقط الدموع.
مرت دقائق—
جلست خلالها بجانبه… بصمت.
لم تضغط عليه.
لم تسأله.
فقط… بقيت.
ومع الوقت—
هدأ.
أنفاسه استقرت.
ومسح دموعه ببطء.
نظرت إليه بحذر، وقالت بنبرة أخف:
“هل أنت بخير…؟ هل تحتاج شيئًا؟”
صمت للحظة…
ثم قال بصوت خافت:
“القتل… كان شعورًا مقيتًا.”
قبض على يده.
“لا أريد أن أشعر به مرة أخرى.”
فكرت قليلًا…
ثم قالت بهدوء:
“أعلم أنه صعب.”
“لكن… هذه هي الحياة هنا.”
“أحيانًا… عليك أن تختار خيارات تكرهها… لتستمر.”
رفع رأسه ببطء.
“تعلمين ما الذي كرهته أكثر؟”
نظرت إليه.
“أنني… شعرت بالسعادة بعدها.”
صوته انخفض أكثر:
“كأنه إنجاز.”
هزّت كتفيها ببساطة:
“وما المشكلة في ذلك؟”
“إنه إنجاز فعلًا.”
“نحن أحياء، أليس كذلك؟”
“أليس هذا أفضل إنجاز يمكننا تحقيقه هنا؟”
صمت.
ثم قال ببطء:
“كان قتله… سهلًا.”
“سهلًا بشكل مقزز.”
“بمجرد أن دخل السيف… انتهى.”
“لم يكن هناك… أي شيء يمنعني.”
نظرت إليه بثبات، ثم قالت:
“لهذا السبب… بقاؤنا أحياء هو الإنجاز الحقيقي.”
“لأن موتنا… أسهل بكثير.”
أنزل نظره إلى الأرض.
كانت محقة.
تمامًا.
لقد نجا…
والآن؟
يجلس هنا… يبكي على شيء حدث بالفعل.
لا يمكن تغييره.
نظر إلى الحساء أمامه.
ثم قال بصوت منخفض:
“نجوت بصعوبة…”
“لكن… لا شيء يضمن أن يكون الأمر بهذه السهولة غدًا.”
قبض على الملعقة.
“عليّ أن أكون أقوى.”
“رجل جائع… سيموت أسرع.”
ثم—
بدأ يأكل.
بسرعة.
بعنف.
كأنه… يتشبث بالحياة.
نظرت إليه إيمي، وضحكت بخفة:
“ببطء أيها الشره… لن يهرب طعامك.”
توقف للحظة…
ثم ابتسم ابتسامة خفيفة.
كلماتها…
لم تكن مجرد مزاح.
كانت… دفعة.
شيئًا… أعاده خطوة إلى الوراء من الحافة.
شعر بها في داخله.
بوضوح.
إيمي…
أنقذته.
مرة أخرى.