بعد إعلان التراجع—

لم يشعر بشيء…

سوى التعب.

تعبٍ عميق…

متجذر في كل جزء من جسده.

تحرك ببطء نحو مصدر الماء، وانحنى، ثم بدأ بإزالة الدماء والأوساخ العالقة على جلده.

عندما لامس الماء البارد بشرته—

انتفض جسده قليلًا.

لكن…

ذلك البرد—

كان مرحبًا به.

كأنه يطفئ شيئًا مشتعلًا داخله.

مرّر يده على وجهه، يغسل آثار الدم…

ثم توقف للحظة.

أنفاسه هدأت.

أفكاره…

أصبحت أكثر صفاءً.

لكنه لاحظ شيئًا غريبًا.

شعور…

لم يتوقعه.

نشوة خفيفة.

دافئة.

تسري في صدره.

لم يكن خوفًا.

ولا ذنبًا.

بل—

إحساس بالنصر.

بالبقاء.

لقد واجه خصمًا أقوى منه…

ونجا.

بل—

ساهم في قتله.

لقد فعلها.

بعد أن أنهى تنظيف نفسه، عاد ببطء إلى المكان الذي اعتاد الجلوس فيه.

أو…

المكان الوحيد الذي أصبح مألوفًا له في هذا العالم الغريب.

جلس.

ثم أرخى جسده بالكامل.

الألم—

كان فوريًا.

عضلاته تحترق.

كل حركة…

كانت تذكّره بما مرّ به.

أغلق عينيه للحظة.

هذا سيستمر… لأيام.

لم يكن هناك شك في ذلك.

لكنه لم يهتم.

الراحة…

كانت كل ما يريده الآن.

مرت لحظات—

لا يعلم كم.

حتى سمع خطوات خلفه.

بطيئة…

لكنها مألوفة.

استدار.

إيمي.

بابتسامتها المعتادة.

لكن—

هذه المرة…

كان هناك شيء مختلف.

الضمادات.

كتفها…

وذراعها…

ملفوفان بإحكام.

ومسند يثبت ذراعها.

انقبض صدره.

قلق.

واضح.

لاحظته.

تنحنحت قليلًا، ثم قالت:

“لا تقلق… مجرد جرح.”

ابتسمت بخفة:

“ستعود ذراعي كما كانت.”

قبل أن يرد—

رمت شيئًا في حجره.

كيس صغير.

“تفضل… نصيبك.”

نظر إليه بتردد.

ثم فتحه ببطء.

عُملات فضية.

كثيرة.

خمس عشرة قطعة.

رفع نظره…

لكنها سبقته:

“ثمن الدرع.”

أشارت بيدها:

“درع الفارس.”

“كان غاليًا… خصوصًا أنه لم يتضرر كثيرًا.”

عبس قليلًا.

“كان بخمسة وعشرين.”

“أخذت عشرة… وأنت خمسة عشر.”

ظل صامتًا.

تعابير وجهه لم تتغير.

مما جعلها ترفع حاجبها:

“ماذا؟ لماذا تنظر هكذا؟”

“ألا يعجبك؟”

قال ببطء:

“كان درعه…”

“لماذا نأخذه… ونبيعه؟”

“أليس… ملكه؟”

نظرت إليه لثانية—

ثم انفجرت ضاحكة.

“حقًا أنت غريب يا دارون.”

هزت كتفيها:

“إنه ميت.”

“ومن الطبيعي أن نأخذ نصيبنا من الغنائم.”

أشارت إلى سيف طويل قريب منه:

“ذلك سيفه.”

“جودته ممتازة.”

“سيفك… بالكاد يصمد.”

“خذه.”

عبس أكثر.

“لا أشعر بالراحة…”

“في استخدام أشياء شخص قتلته.”

هذه المرة—

لم تضحك.

نظرت إليه بجدية.

“الموت… هو النهاية.”

“الخسارة الكبرى.”

“والنجاة… هي الفوز.”

اقتربت قليلًا، وقالت بهدوء:

“والفائز… يحصل على كل شيء.”

“هكذا يعمل هذا العالم.”

صمت.

ثم تنهد.

“لن أسمح لنفسي أن تتوقف…”

“بسبب أمر كهذا.”

رفع رأسه قليلًا:

“شكرًا لك.”

ابتسمت.

“لا عليك.”

ثم نظرت إليه بفضول مفاجئ:

“على كل حال…”

“كيف فعلتها؟”

“كيف تفاديت هجماته؟”

“كِدتُ أموت من ضربتين فقط…”

“وأنت… تعاملت معه.”

تردد.

كيف يشرح هذا؟

فكر قليلًا…

ثم قال:

“لم أرَ السيف…”

“شعرت به.”

“بنيته…”

“أو… إرادته.”

“كنت أرى المسار… قبل أن يحدث.”

صمت.

ثم—

اتسعت عيناها.

“دارون… هل أنت جاد؟!”

ارتبك.

“ماذا؟ ما الأمر؟”

اقتربت منه قليلًا، صوتها أصبح أخفض:

“الإرادة… هي كل شيء.”

“هي أساس البشر.”

“قوتهم… ووجودهم.”

توقفت لحظة، ثم تابعت:

“ولها مراحل.”

“أنا… مجرد مرتزقة.”

“لا أعرف إلا أول خمس مراحل.”

رفعت إصبعًا:

“الأولى—الإحساس بها.”

نظرت إليه مباشرة:

“كما فعلت أنت.”

“عندما تشعر بإرادة خصمك…”

“يمكنك توقع هجماته.”

“لأن الإنسان… يتحرك وفق إرادته.”

“وعندما يهاجم…”

“يكشفها.”

رفعت إصبعًا ثانيًا:

“الثانية—الفهن.”

رفعت بقية الاصابع:

"الثالثة هي التحكم و الرابعة هي التجلي و الخامسة هي التجسيد "

“لا أعرف الكثير…”

“لكن من يصل إليها…”

“يتجاوز حدود البشر.”

خفّضت صوتها أكثر:

“هناك من يقول… أن عمره يتضاعف.”

“ثلاث مرات.”

“أو أكثر.”

سكتت لحظة، ثم هزت رأسها:

“لا أعرف كيف تصل لها.”

“ولا ما بعدها.”

ثم أضافت:

“لكن… من يتقن الثالثة—”

“يصبح فارسًا.”

“ومن يصل للرابعة—”

“فارس كبير.”

رفعت نظرها قليلًا:

“لدينا واحد فقط.”

“وفي المقاطعة الأخرى… واحد.”

“هؤلاء…”

“ليسوا بشرًا.”

“لا يمكن تخيل قوتهم.”

صمت.

غرق في التفكير.

كلماتها…

لم تكن عادية.

كانت… مفتاحًا.

بعد دقائق—

رفع رأسه.

“شكرًا يا إيمي.”

“لقد ساعدتني حقًا.”

ابتسمت بخفة:

“على فكرة…”

“الشخص الذي قاتلناه…”

“كان فارسًا متدربًا في المستوى الثاني على الاكثر.”

صمتت لحظة، ثم أضافت:

“لو كان فارسًا حقيقيًا…”

“لكنا… ميتين.”

“لحسن الحظ…لم يكن كذلك.”

نهضا معًا.

ببطء.

توجها نحو مكان توزيع الطعام.

تناولا وجبتهما بصمت…

التعب كان أقوى من أي حديث.

وبعدها—

سقطا في نوم عميق.

نوم…

يعكس حربًا…

لم تنتهِ بعد.

2026/04/04 · 3 مشاهدة · 651 كلمة
المتخيل
نادي الروايات - 2026