فصل 1 : نار
ساحة القصر من التلة التي تطل على أرنوس ، جثث ملقاة على الأرض ، بعضها يرتدي بزة عسكرية و يحمل سلاحا ، و آخرين بلباس مدني نساء و رجال بل و أطفال . بجانبهم ، عشرات الجنود المكبلين ينظر بعضهم في شرود و بعضهم في حزن و أحيانا غضب و خوف ، محاطون حراسة لصيقة من العساكر .
أعطى الملك بعد نجاته من المحاولة الانقلابية زمام الأمور لثلاتة رجال ليلعبوا دور رجال إطفاء مخمدين نار الانقلاب الحارقة . أولهم الذي يحدق للجنود المكبلين باستعلاذ و احتقار ، رايمان دي راينارت ، يمشي بخطا ثابتة ببزته العسكرية البيضاء المرصعة باللون الذهبي ، يتفادى بقع الدم التي قد تلطخ حذاءه أو بزته ، توحي رتبته بمكانته العالية ، كانت حركاته موجهة لا تجادل ، و صوته الجهور الذي لا ينطق سوى الأوامر للجنود الذين يمتثلون لأوامره و يلتفون حوله . و على النقيض منه رجل هزيل يدعى "كولتهو هالكن" ، ببزة زرقاء أغمق من لباس الجنود و نظاراته التي تتبع أي شيء في الساحة ، تحيطه هالة شؤم و كأنه روح ميتة ، تلقي الأوامر بصوت خافت ، يقترب رجاله منه و ينحنون ليسمعوا أوامره و يتحركون بتنسيق شديد و بخفة أعلى من العساكر ، يمكنك ان تستنتج من خلال إشارته بيده للمكبلين انه أمر باقتيادهم لمكان معين.
أما الرجل الثالث فهو هارولد ستامب ، بلباس مدني و هندام مرتب أنيق بمظهره ، متقن البروتوكول ، يتكلم مع الحضور و الناجين من كبار الشخصيات بصوت مطمئن يشد من يسمعه و ابتسامة لا تفارق وجهه ، و هو يعطي تصريحات صحفية بلغة فصيحة منمقة أقرب للرسمية ، مرددا كملة واحدة " مرت الأزمة الصغيرة على خير و سيعود الاستقرار السلام لإيلاريا شعبا و قيادة " .
لعب الثلاثي دورا محوريا في لملمة الشتات و إعادة التوازن المؤسسات العسكرية و الحكومية لدولة كانت على مشارف الانهيار .
يعد هذا الانقلاب الأول من نوعه في عهد الملك إليانور بل و منذ حرب دامت لستين عاما في عهد والده أنطونيو الرابع . شكلت الأزمة تحديا لنظام أرسى الاستقرار و بقبضة امنية يقوده ملك واحد و دائرة من رجاله الأقوياء .
اقتادت قوات كولتهو العناصر المتمردة إلى معتقل في العاصمة ، ليباشر التحقيق مع 56 جنديا و قائدين اثنين اتضح من خلال التحقيق أنهما من قادا العملية الانقلابية برفقة قائد آخر اختفى و لم يعثر عليه من بين الجرحى و الضحايا ...
كانت معتقل أرنوس ، عبارة عن مبنى من طابق أرضي يضم خدمات المواطنين و مكتب قائد المعتقل "فيتول" ، بينما تحته معتقل يضم زنازن فردية و جماعية متعددة تقابل بعضها بهندسة دائرية ، و غرف تحقيقات و في مركزه ساحة كبيرة ، تطل عليها كل الغرف و الزنازن ...
قضت أوامر كولتهو باستنطاق كل جندي من المتمردين على حدى لاستخراج المزيد من المعلومات ، امتلأت غرف التحقيقات ، سمعت أصوات المحققين و هم يصرخون غاصبين ، ارتطامات أدوات خصصت للاستنطاق ، أصوات ضرب و لكم و تقطيع ، و ذوي صراخ المعتقلين الذي سمع أكثر من تصريحاتهم ...
كانت أجوبة المتمردين متقاربة و بئيسة كحالهم ، تحجج بعضهم بتعرضهم للخداع و الاستغلال من طرف القادة الذين ورطوهم في المؤامرة ، تبرأ البعض الآخر من الانقلاب و نددوا بها قال أحدهم :" جعلونا نقتل بعضنا ليصلوا هم للسلطة !!" ، قلة قليلة من تكلموا عن سبب حقيقي دفعهم للمشاركة ، في النهاية تعرضوا جميعا للضرب من الشديد و التعذيب الذي اشتهر به معتقل أرنوس ليومين كاملين قبل أن يحيلوا للأسر في الزنازن .
أما القادة ، فقد قرر المدير العام كولتهو بنفسه في غرفة التحقيق . تتوسط الغرفة طاولة عليها وثائق و مستندات بكرسيين خشبيين ، بجابها سطل بلاستيكي يحوي معدات التحقيق المدمية ، و على الحائط صورة الملك إليانور و راية إيلاريا ، جلس كولتهو في كرسي و أدخل عليه "جون بونيس" ، العقيد الكاريزمي الذي قاتل في الانقلاب حتى النهاية ، أجلسه الحارس في كرسيه أمام المدير كولتهو ، نظر له مطولا ثم باغته في لحظة بلكمة اسقطت العقيد السابق أرضا ، و جعلت بعضا من اسنانه تتساقط ، صاح كولتهو و جسمه يرتعد من الغضب :ـ لماذا فعلتم بي هذا ايها الأوغاد ؟؟... أتعرف كم عانيت لأصل هنا !" ساد الصمت لثواني قبل أن يعود كولتهو للجلوس بهدوءه المعتاد ثم قال بنبرة أكثر هدواء :" أين هو ؟" ، بصق جون الظن من فمه و قال :" لا أعلم عنما تتكلم ... لا علم لي " رد كولتهو و هو يقترب مركزا على وجه جون :" أتظنون أنكم أذكى منا ؟ من اوهمكم بهذا؟ " رد جون و هو يلمح كولتهو بنظرات حقد و تحد :" ما أعرفه أننا أشرف منكم بمراحل أيها المنحطون الطغاة !!" في ذهول الحرس الذين استغربوا كيف لشخص في موقفه ان يتكلم مع المدير بهذه الطريقة... سأله كولتهو :" ماذا عن الخمسين جنديا الذين ورطتهم ... يقولون أنكم استغليتموهم لتصلوا للسلطة " رد جون بصوت تملؤه الثقة و جرأة في وجه سجانيه :" أتحمل كامل المسؤولية ، هم وثقوا بمشروعنا التحريري ، أنا من قدت الانقلاب و من نفدته ... لا تمسوهم بسوء !" فكر كولتهو مليا في العزيمة التي يظهرها جون و تشبته بموقفه الانقلابي ، و ادرك أنه لن يبيع رفاق سلاحه لينجوا بنفسه رغم انه في موقف شخص لا يملك ما يخسره ... رد كولتهو بهدوء:" كنت أعرف نوعيتك و طموحك منذ كنت في الجيش ... انت و ستيفن أيوريفا من النوعية التي فضلت الخروج عن المألوف ، لكن للأسف قضيتك خاسرة من البداية ... أحيانا الطموح المفرط يؤدي للوهم لا للجنون و هو الذي قادمك لهذا الوضع المزري " رد جون بنبرة حادة :" لم نخسر الحرب بعد ستعيشون الرعب و تندحروا للأبد !!"
أجاب كولتهو :" كنت أعرف انك ستجيب هكذا ... لم اتوقع تعاونا منك على كل حال . " و هو يطلب بحركة يده من الحراس سحبه قال بابتسامة و هو يزيل نظراته :" أنتم لا تعرفون في وجه من وجهتم بنادقكم ... على أي سترى بنفسك... "
اقترب من المشرف فيتول رئيس المعتقل و قال له :" جرده من ملابسه و أربطه في الزنزانة و أغلق فمه ، لا أن يتواصل و لا يأكل و يشرب لفترة ...(بصوت حاد) لكن أبقيه حيا "
ثم جاء الحرس بالانقلابي الثاني راينو لوغام رائد سابق في الجيش ، نظر له مطولا... ثم ألقى عليه التحية و سأله عن حاله مبتسما رد راينو بأنه بخير ثم شكره عن سؤاله رد كولتهو " في الحقيقة أريد أن أسألك بعض الأسئلة ، هل تعرف مكان ستفين أيوريفا؟" فأجاب راينو " لا أعلم مكانه بالظبط ... لكنني أعتقد أن ناتس روندرو و جماعته ساعدوه على الفرار ... " سأله كولتهو ما إن كانوا قد تواصلوا معه رد راينو " لم يتواصلوا معي شخصيا... لكنهم تواصلوا مع ستيفن هو القائد الفعلي ... كل ما أعرفه أنه اتفق معهم على الخطة ... كان ستيفن يقول أننا مدعمون لذا حفزني للمشاركة . "
تواصلت التحقيقات كان كولتهو يستمع لكل ما يقوله و يدون المعلومات بعد كل سؤال ... استمر الامر على حاله لساعتين عند انتهاء التحقيق قال كولتهو " لماذا شاركت في الانقلاب ... من بين الضباط توقعت لك مستقبلا جيدا " رد راينو " لقد غرروا بي لأقوم بما فعلته ... أردت اتخاد الطريق الأسرع .. لكنهم فشلوا ... و ها أنا ذا .."
رد كولتهو " حسنا ... فهمتك شكرا على تعاونك اليوم... ستبقى في الأسر الى أن يأتي دورك مجددا ..." ثم عاد للأسر .