في ليلةٍ حالكة الظلام،

كان هناك شخص يرتدي عباءة سوداء، يسير بخطوات سريعة بين المباني، وكأنه مطارد.

يصل إلى مبنى قديم، فيتوقف عند أبوابه الكبيرة لحظة، ثم يفتحها ويدخل.

وبمجرد دخوله...

يظهر شخص آخر خلفه، ويدخل بدوره، ثم يُغلق الباب بقوة.

يقشعر جسد الفتى للحظة، ويلتفت حوله بارتباك.

لا يرى شيئًا...

العتمة تبتلع المكان بالكامل.

وفجأة-

تشتعل الشموع.

لكنها ليست نارًا عادية...

إنها لهب أزرق.

يضيق بصره، وحين يتأقلم مع الضوء، يرى الشخص الذي كان يطارده...

جالسًا على كرسي فاخر بطراز فكتوري، أسود بالكامل، أطرافه منقوشة بالذهب.

يرفع قدمه اليمنى فوق اليسرى،

يتكئ بيده اليمنى على مسند الكرسي،

وباليسرى على المسند الآخر...

جلسة هادئة، لكنها مهيبة.

وحين ينظر الفتى حوله،

يدرك أن الظلال ليست مجرد ظلال...

بل أشخاص يقفون بصمت، يراقبونه.

يقف الفتى في منتصف الغرفة، وصوته يرتجف وهو يقول:

- من أنت؟

يجيبه الشخص بصوت بارد، مليء بالهيبة:

- أنا هنا من يطرح الأسئلة.

يميل برأسه قليلًا، مستندًا على أطراف أصابعه، ويقول:

- ما الذي ستفعله الآن... بعد أن وصلت إلى هذا الحد؟

الفتى يقف ثابتًا،

العرق يقطر من جبينه،

عشرات العيون تحدّق به...

لكنه لا يجرؤ على النظر سوى إلى وجهه البارد.

ثم، بصوت مرتجف، يحاول أن يبدو ثابتًا، يقول:

- ظننتُ أنكِ مجرد خيال...

خطة مدفونة في الظلال...

لكن الآن، وقد رأيتك بعيني، لا أستطيع التراجع.

إن كنت ستقتلني... فافعلها الآن.

يحدّق في عينيه مباشرة، متحديًا...

لكنه في داخله يعلم:

هو أقوى منه.

يسود الصمت.

ثم ينهض ببطء من عرشه،

خطواته لا تُصدر صوتًا،

والشموع تخفت كلما اقترب.

ثم يقول بصوت هادئ، مملوء بالغموض:

- قتلك؟ لا...

بل سأجعلك ترى بعينيّ كيف ينقلب هذا العالم،

وكيف تُـمزّق القوانين واحدةً تلو الأخرى...

ثم... سأسألك السؤال نفسه مجددًا.

يتوتر الفتى.

وفي قلبه يعلم...

لقد دخل لعنة لا طريق للعودة منها.

بعد كلماته الهادئة، ينظر إلى عينيه،

يقرأ فيهما الخوف والتحدي،

كأنه يدرس سطوره الداخلية.

تلامس يده الباردة كتف الفتى،

فيتجمّد في مكانه...

لا يعرف: هل يطمئن؟

أم يستعد لنهايته؟

ثم، بصوت هادئ، مع ابتسامة خبيثة خفيفة:

- لأنك فتى ذكي... سأعطيك خيارين.

يرتفع الإصبع الأول بخفة:

- أن تصبح أحد أتباعي...

ثم تتغير نبرة صوته فجأة،

تلمع عيناه بشرر خافت،

ويبرد الهواء من حوله.

يرتفع الإصبع الثاني ببطء:

- أو أن تُمحى من الوجود.

يلتفت بهدوء، ويعود إلى عرشه،

تاركًا الصمت يضغط على صدر الفتى كجدارٍ ينهار عليه.

- وأظن أنك ستختار الإجابة الصحيحة...

لأنك عبقري. فلا تُخيّب ظنّي.

الشموع تومض،

كأنها تنتظر قراره.

ينظر الفتى إلى الأرض،

وأفكاره تتصارع داخله:

«أخدعه؟ مستحيل... هذا ليس شخصًا عاديًا... إنها اللهب الأزرق...»

«الهرب؟ الهجوم؟ لا... مستحيل... لماذا طاردته؟ لماذا استخدمت ذكائي ضد نفسي؟»

يعض شفته، توتره واضح،

والجميع يراقب دون أن يرمش.

وفجأة، يقاطعه ذلك الصوت الهادئ:

- ياااه... لقد أعطيتك فرصة،

وأنت تعلم أني لم أُعطِها لأحدٍ من قبل.

تسري القشعريرة في جسده،

لكنه يجمع شجاعته ويقول:

- كيف أعطيك ولائي وأنا لم أعرفك إلا توًّا؟

وحتى لو فعلت... كيف ستثق بي؟

يعلو ضحك اللهب الأزرق،

يُدوّي في القاعة:

- يا لك من فتى... حقًا أحببتك.

أحسنت الاختيار حين منحتك فرصة.

ثم يسود الصمت مرة أخرى.

يجلس الفتى على الأرض،

يزفر زفرة استسلام،

يرفع رأسه، ويبتسم ابتسامة خفيفة:

- أنا أُعطيك ولائي.

لا وسام...

لا وعد...

ولا حتى كلمة شكر.

يقترب منه، ينحني قليلًا، ويهمس بصوت لا يسمعه سواهما:

- إن كنت صادقًا... فأثبت لي.

يناوله لفافة سوداء، مختومة بشعارٍ مميّز:

لهب أزرق يلتهم عينًا مفتوحة.

- فيها كُتب: أحضر الهدف... حيًّا أو ميتًا.

لكن إن عدتَ بلا نتيجة...

فاعلم أنك لم تُولد من جديد... بل ميت.

انتهى الليل الطويل...

لكن بالنسبة للفتى، كانت البداية فقط.

_________________________________________

تشرق الشمس...

وفي مكانٍ آخر تمامًا...

في قصر الدوق،

يقف فتى أمام المرآة.

شعره أسود كسواد الليل،

وعيناه زرقاوان فاتحتان، باردتان، تخلو من المشاعر،

تغطيهما رموش سوداء كثيفة.

بشرته بيضاء كالثّلج.

يرتدي الزي الرسمي للأكاديمية.

إيان،

ينتمي إلى عائلة الدوق إيليورد،

إحدى أشهر العائلات النبيلة.

يتجهز للذهاب إلى أكاديمية يونِراس،

أكاديمية داخلية للسحر،

يصعب دخولها بسبب اختبارات القبول القاسية

التي تتغير كل عام،

ولا تقبل أي رشاوى.

يركب العربة،

والخدم يحملون الحقائب.

يقول بهدوء:

- تحرّك.

وأثناء توجه العربة، يفكر في نفسه:

«سأجتاز الاختبار دون أن أجذب الأنظار...

فأنا أعرف جميع الاختبارات.

أعرفها... من كتاب قرأته في طفولتي.»

2026/05/29 · 5 مشاهدة · 665 كلمة
نادي الروايات - 2026