الفصل الأول: بهجة الملل

"آاااه! مجرد يوم ممل آخر مفعم بالبهجة،" تنهد «سيج»، ولم يستطع إخفاء نظرة الرضا في عينيه. خطى خارج مبنى المكاتب وهو يتثاءب، وانجرفت عيناه نحو السماء، يراقب الشمس وهي تغرب عند الأفق

في العشرين من عمره، كان «سيج» يمثل تجسيداً للشخص العادي: شاب يرتدي بدلة عمل سوداء أنيقة، ويقبض بيده على حقيبة جلدية بنية. كان وجهه غير لافت؛ ليس وسيماً ولكنه بالتأكيد ليس قبيحاً، من ذلك النوع من الوجوه الذي يندمج بسلاسة وسط الزحام.

بينما كان يشق طريقه نحو محطة مترو الأنفاق، هز «سيج» رأسه محاولاً التخلص من النعاس. وبعد دقائق قليلة، وجد نفسه داخل القطار، يراقب العالم في الخارج وهو يتحول إلى خطوط ضبابية من الضوء والألوان. بحركة معتادة، أخرج هاتفه ووصل سماعات الأذن، وبينما كان يتنقل في تطبيق الموسيقى المفضل لديه، اختار مقطوعة كانت تنجح دائماً في رفع معنوياته. ومع تدفق اللحن حوله، كانت نظره من الاستمتاع على وجهه.

جلس في أحد أركان القطار، شبه متوارٍ عن الأنظار، فشعر وكأنه شبح غير مرئي. لم يلاحظه أحد؛ وكأنه انزلق إلى واقع آخر لا يوجد فيه سوى الموسيقى.

بعد حوالي ساعة، توقف القطار فجأة. ومع بدء الركاب في النزول، وقف «سيج» بهدوء وانضم إليهم، مندمجاً في الحشد الكثيف بالخارج. كانت الشمس قد غابت تماماً خلف الأفق، ليأتي القمر أخيراً ويطالب بمكانه المستحق؛ حيث علق عالياً كملك ساهر تحيط به النجوم المتلألئة.

توهجت الشوارع بأضواء النيون النابضة مع بدء تدفق الحياة الليلية من حوله. كان البعض يبدأ مغامراته المسائية، بينما كان آخرون ينهون أيامهم الطويلة. ضجت الحانات بموسيقى "الهيفي ميتال" الصاخبة بينما كان الرواد يترنحون خارجين منها في حالة يرثى لها. كانت الشوارع تضج بمختلف الشخصيات، كل منهم غارق في عالمه الخاص.

سار «سيج» وسط هذه الفوضى الحيوية برأس منحني قليلاً والموسيقى لا تزال تعمل بهدوء في أذنيه. كان يتحرك بسلاسة لدرجة أن الناس عندما كانوا يحتكون به، لم يلاحظوا وجوده؛ وكأنه يسير عبر الظلال دون أن يُلمح.

بعد تجوال استمر لأكثر من ثلاثين دقيقة، وصل «سيج» أخيراً إلى مجمع سكني، حيث بدت المباني متهالكة تحت الإضاءة الخافتة التي توفرها مصابيح الشوارع وضوء القمر فقط. كان المكان هنا يبدو أكثر قتامة مقارنة بالشوارع الصاخبة التي تركها خلفه للتو.

دون أن يردعه الغموض المحيط به، سار «سيج» بهمة نحو مبنى مرتفع من أربعة طوابق بلا مصعد؛ حيث لم تكن تنتظره سوى السلالم. وأثناء صعوده، مر بالعديد من السكان الذين لم يعيروه حتى نظرة عابرة؛ كانوا يتدفقون بجانبه كالماء حول الصخور.

وصل أخيراً إلى الطوابق الرابع، واقترب من باب متواضع في نهاية الممر. بمهارة معتادة، أخرج مفاتيحه وفتح الباب قبل أن يخطو للداخل ويغلقه خلفه.

بمجرد أن ضغط على مفتاح الضوء، أضيئت الغرفة على الفور، لتكشف عن شقة تعكس حياة صاحبها: صغيرة لكنها مريحة. لم تكن واسعة، مجرد حمام صغير، غرفة نوم دافئة، وغرفة معيشة مدمجة، لكنها كانت تحتوي على كل ما يحتاجه. ضمت منطقة المعيشة مكتباً بسيطاً مع كرسي، حيث استقر حاسوبه الموثوق جاهزاً للعمل. وعلى الجدار المجاور، علقت خزانة صغيرة تفيض بمزيج انتقائي من المجلات، والمانجا، ومجسمات الشخصيات التي تحكي قصصاً من المغامرة والحنين. وفي وسط الغرفة، كانت هناك أريكة صغيرة تواجه تلفزيوناً بشاشة مسطحة مثبتاً على الحائط. أما المطبخ فكان عادياً ولكنه عملي، مثالي لإعداد وجبات سريعة بعد الأيام الطويلة. بشكل عام، كان التصميم عادياً بشكل ساحر، ومع ذلك كان يبدو مناسباً تماماً.

فكر «سيج» بينما تحول وجهه الهادئ أخيراً إلى ابتسامة: "من الجيد أن أكون في المنزل". توجه إلى غرفة نومه ليخلع بدلته، ثم ذهب إلى الحمام لينعش نفسه. بعد ذلك، اتجه إلى المطبخ وأعد لنفسه عشاءً بسيطاً، ليكون نهاية مرضية ليومه.

بعد انتهائه من العشاء في أقل من ثلاثين دقيقة، ارتمى على الأريكة، وشغل التلفزيون، وغرق في حلقة من "الأنمي". مر الوقت، وبعد ساعتين من متابعة أحدث حلقات الأنمي، وقف «سيج» وتمدد قليلاً، ثم توجه إلى حاسوبه العزيز. جلس على الكرسي، ووضع سماعات الرأس، وشغل الجهاز، ثم غاص في عالم ألعاب الفيديو.

استغرق «سيج» في عالم الألعاب حتى دقت الساعة التاسعة مساءً. كان قد قضى أكثر من أربع ساعات متواصلة في اللعب.

"آاااه..! يا لها من لعبة، لقد ارتفع مستواي أخيراً بعد ثلاثة أيام من الطحن ، ليس سيئاً... ليس سيئاً على الإطلاق!"

خلع سماعات الرأس وتمدد بجسده وعلى وجهه ابتسامة رضا. كان هذا هو نوع الحياة الذي يحلم به، حياة مليئة بالملل التام والطبيعية؛ لولا حاجته للمال للاستمرار في حياته البسيطة هذه، لما كلف نفسه عناء الذهاب إلى العمل.

بالنسبة له، العمل يشبه مهمة توكل إلى عبد، وهو محض ضياع للوقت. امتلاك وظيفة يعني الالتزام بالعبودية... النوع الحديث من العبودية. فبصرف النظر عن الراتب الزهيد الذي يُدفع كل شهر، لا تختلف الوظائف عن العبودية في شيء. ربما كانت رؤيته مختلفة تماماً عن الآخرين، لكن هكذا يرى الأمور، وهو لا يزال متمسكاً بمعتقداته.

في عصر تجارة العبيد، كان العبيد يُجبرون على العمل تحت الشمس الحارقة من الفجر حتى الليل مع فترات راحة قليلة. في هذا المجتمع الحديث، يشعر الذهاب للعمل وكأنك عبد مجبر، فقط الهدف هو الذي تغير أما الجوهر فيبقى كما هو. استُبدلت العقوبات بخصم الرواتب، وحرمان المكافآت، وتوبيخ المدير، وما إلى ذلك. وبالمقارنة مع عصر تجارة العبيد حيث كان الخطأ الواحد يعني الجلد أو السجن والتجويع، يضطر الناس الآن للاستيقاظ مبكراً والذهاب للعمل والعودة في المساء، لذا لا يوجد فرق كبير بين وظيفة الـ 9-5 وعصر تجارة العبيد؛ مجرد تغييرات طفيفة، هذا كل شيء.

هز «سيج» رأسه واستفاق سريعاً من أفكاره وهو يربت على خديه.

"قرقرة...!"

فجأة، أصدرت معدته صوتاً عالياً تردد صداه في الغرفة. تمتم وهو يفرك بطنه متجهاً نحو المطبخ: "هاه! جعت مرة أخرى...".

فتح الثلاجة، لكنها كانت فارغة باستثناء بعض الفاكهة وزجاجة حليب. فتح الخزائن، لكنها كانت جميعاً خالية. حك رأسه واتكأ على طاولة المطبخ: "يبدو أن الطعام قد نفد؛ أحتاج لإعادة التموين!".

نظر إلى الوقت: "هل أنتظر حتى الغد... لكن «هاري العجوز» لم يغلق محله بعد... يمكنني الحصول على خصم منه وربما أتناول لقمة سريعة أثناء خروجي!".

غرق في التفكير بشأن إعادة تخزين مؤنه الغذائية. ورغم كسله، لم يكن يرغب في عناء الخروج يومياً، وعلاوة على ذلك، كان لا يزال هناك متسع من الوقت. غداً السبت؛ ويمكنه البقاء في المنزل طوال اليوم دون خروج إذا توفرت المؤن.

أومأ برأسه وقد اتخذ قراره: "يبدو أن هذه خطة جيده للغاية". أمسك بمحفظته وهاتفه بسرعة، وخرج من المجمع السكني متجهاً نحو أقرب سوق ليلي.

2026/03/02 · 10 مشاهدة · 983 كلمة
Master reader
نادي الروايات - 2026