الفصل الثاني: الموت

بعد بضع دقائق، وصل «سيج» إلى السوق الليلي. كان المكان يعج بالضجيج والحركة، غاص بالمشاة؛ فتدفق الناس كان كثيفاً للغاية حتى في هذا الوقت المتأخر من الليل.

اصطفت البسطات على كلا الجانبين، واختلطت في الهواء أنواع شتى من الروائح التي كانت تسكر الحواس. كان الباعة يصرخون فوق أصوات بعضهم البعض، بينما كان الزيت واللحم يتطقطقان في المقالي، وامتلأ الجو برائحة التوابل والعرق والسمك المقلي.

استنشق «سيج» نفساً عميقاً وظهرت بريق فرح على وجهه، ودون تردد، توغل في عمق السوق، تحتك أكتافه بالغرباء وهو يمر بمطاعم وبسطات الطعام.

بعد ثلاث دقائق، وصل إلى بسطة صغيرة؛ كانت محشورة بين متجرين مغلقين، بإضاءة خافتة وبضع طاولات فارغة في معظمها. كانت مجموعة من طلاب الجامعات يضحكون بهدوء وهم يأكلون، فبما أن هناك جامعة لا تبعد كثيراً عن هنا، فإن السوق الليلي يكون عادة مكتظاً بالطلاب.

"مهلاً «سيج»... لم نرك منذ مدة طويلة! كيف حالك؟"

كان الصوت لامرأة في الخمسينيات من عمرها، شعرها المكسو بالخصلات الرمادية مربوط للخلف، وابتسامتها دافئة كبخار الحساء المتصاعد خلفها.

"ماما ماريا،" قال «سيج» وهو يفرك رقبته بابتسامة عريضة: "لقد كانت ثلاثة أيام فقط!"

"ثلاثة أيام... ثلاثة أشهر، الأمر سيئ عندما تصبح في مثل عمري،" ابتسمت وهي تضيق عيناها بلطف.

رد «سيج» بوجه جاد: "لا تزالين شابّة يا ماما ماريا، وجميلة أيضاً. أراهن أنكِ عندما تسيرين مع «إيلين»، يظن الكثيرون أنكما شقيقتان، وليس أماً وابنتها".

"أوه، توقف عن هذه المجاملات! لستُ شابة؛ أنت تبالغ فقط،" قالت ماما ماريا وهي تقلب عينيها، ورغم أنها تظاهرت بالانزعاج، إلا أن الفرح في عينيها لم يختفِ.

"حسناً، يكفي كلاماً. الطلب المعتاد كالعادة؟" سألت ماما ماريا وهي تنظر إليه.

"نعم، المعتاد،" ابتسم «سيج»، ووجد طاولة وجلس يتصفح هاتفه. بدأت ماما ماريا في إعداد طعام «سيج» بحماس كبير؛ ويبدو أن إطراءه قبل قليل جعلها في غاية السعادة.

بعد خمس دقائق، أحضرت ماما ماريا الطعام إلى طاولته. وقالت وهي تضحك: "حسناً، استمتع يا «سيج»، لقد أضفتُ بضع قطع إضافية من اللحم. لا تزال نحيفاً؛ تناول المزيد من اللحم وابنِ بعض العضلات، وإلا ستموت عازباً".

"إذن من الأفضل أن آكل قبل أن أموت وحيداً،" لم يتصنع «سيج» وبدأ في الأكل بنهم. كان الطعام بسيطاً، لا رفاهية فيه؛ مجرد وعاء من الأرز وسمكة "بلطي" مقلية بالكامل. بسيط لكنه لذيذ. كل لقمة كانت تشعره بالاستقرار؛ القرمشة، والحلاوة الطفيفة المنبعثة من الملح. كان هذا هو السلام، ذلك النوع من البهجة الصغيرة التي لا يزال بإمكانه تحمل تكلفتها.

مر الوقت، وبعد عشر دقائق، كان قد انتهى بالفعل، مسح الوعاء تماماً، وأنهى السمكة حتى آخر شوكة فيها. استند إلى الخلف وزفر بهدوء وهو ينظف أسنانه، ثم وضع بعض الأوراق النقدية على الطاولة ولوح بيده لماما ماريا.

"ماما ماريا، سأذهب الآن؛ لقد تأخر الوقت. سأمر عليكِ غداً".

"حسناً، كن حذراً في الطريق، اتفقنا؟ الشوارع لم تعد آمنة كما كانت،" لوحت له محذرة.

رد «سيج» وهو يختفي وسط الزحام: "سأفعل...".

أنزلته سيارة أجرة أمام سوبر ماركت صغير. كانت لافتة "النيون" تومض بضعف. في الداخل، كان الهدوء يسود المكان باستثناء الطنين المنخفض للثلاجات. خلف المنضدة كان هناك رجل عجوز يرتدي مئزراً أخضر، ينظف الفاكهة بقطعة قماش بيضاء.

"مساء الخير، العجوز هاري!" اقترب «سيج» بابتسامة. رفع العجوز هاري رأسه وابتسم بإشراق.

"أوه «سيج»، دعني أحزر... نفدت مؤنك مرة أخرى؟" تعمقت ابتسامة العجوز عندما رآه.

"تنهد... أنت تعرفني يا هاري، أنا أكره كل هذا العناء، وعلاوة على ذلك، غداً السبت. أحتاج لإعادة التموين حتى لا أضطر للخروج،" فرد «سيج» ذراعيه وهز كتفيه.

هز العجوز هاري رأسه ضاحكاً، وازدادت التجاعيد على وجهه وضوحاً: "يمكنك فقط تدبير كل شيء عبر هاتفك؛ لا داعي للمجيء وشراء البقالة بنفسك".

هز «سيج» رأسه: "أحب أن أفعل كل شيء بنفسي؛ فكرة أن يشتري شخص آخر البقالة لي تبدو غريبة نوعاً ما".

"حسناً، افعل ما تشاء. شباب هذه الأيام دائماً ما يحبون الدراما،" لوح هاري بيده العجوز لـ«سيج».

ضحك «سيج» بهدوء، وصنع علامة النصر بيده، ثم توجه مباشرة لبدء التسوق. لم يكن بحاجة للكثير، فقط ما يكفي لأسبوع كامل. وفي غضون دقائق، كان قد اشترى كل ما يحتاجه وعاد إلى المنضدة.

"يبدو أنه الطلب المعتاد؛ لم يتغير شيء. أنت تتصرف كرجل عجوز أكثر مني،" قال هاري وهو يمسح المشتريات بوجه هادئ.

"ماذا يمكنني أن أقول؟ أنا فقط أحب الحياة البسيطة. هذا النوع من الحياة أكثر إرضاءً؛ عِش الحياة وفقاً لإرادتك الخاصة؛ ففي النهاية، نحن نعيش مرة واحدة!" ومضت عينا «سيج» بالمشاعر وهو يقول ذلك.

"هممم... هذا منظور مثير للاهتمام للحياة. أنت مختلف تماماً عن شباب اليوم،" تنهد هاري وتابع: "أتمنى لو كان أبنائي مثلك؛ هؤلاء الأشقياء يقلقونني حقاً".

نظر «سيج» إلى العجوز هاري ولم يسعه إلا أن يشعر بمزيد من التأثر. حياة هاري ليست سهلة؛ «سيج» يعرف أبناءه وكيف أنهم... حسناً، هم مثيرون للمشاكل، ودائماً ما يسببون له المتاعب هنا وهناك.

ابتسم «سيج» له بإشراق: "هيا يا هاري؛ إنهم مجرد شباب. أنا متأكد أنهم عندما يصلون للسن المناسب، سيعودون لرشدهم".

ضحك هاري من قلبه: "أقدر تفاؤلك. حسناً، لقد انتهيت،" وسلم كيس البقالة لـ«سيج».

أخرج «سيج» بطاقته ومررها على الماكينة ثم أومأ لهاري: "أيها العجوز، أنا ذاهب؛ من الأفضل أن تغلق مبكراً؛ ليس من الآمن البقاء هنا وحدك".

"أيها الشقي، أنت من يجب أن يسرع للمنزل ويهتم بنفسه!" طرده هاري مازحاً.

"حسناً، أنا ذاهب. أراك لاحقاً،" لوح «سيج» وخرج من المتجر.

"ها... يا له من شاب غريب الأطوار،" نظر هاري إلى ظهر «سيج» وهو يبتعد وهز رأسه، عائداً لتنظيف فاكهته.

في هذا الوقت، كان الليل قد خيّم تماماً، وسحب الليل تغطي جزئياً القمر المعلق عالياً في السماء.

"الوقت يمر بسرعة حقاً!" نظر «سيج» إلى الوقت في هاتفه وزفر نَفَساً بارداً تحول إلى ضباب. كان يسير في الزقاق الوحيد الذي يؤدي إلى مجمعه السكني.

في منتصف الطريق داخل الزقاق المظلم وكيس البقالة في يده، شعر بالجو يصبح غريباً وثقيلاً، توقفت الرياح وبدأ الضباب يتسرب إلى الزقاق. ترددت أصوات خطواته بضعف. رفع رأسه ونظر حوله، شاعراً أن الأجواء ليست على ما يرام؛ شعر بضيق في صدره وأصبح التنفس صعباً عليه.

تمتم لنفسه وهو ينظر خلفه: "هممم... هذا غريب".

بعد التأكد من أن لا أحد يتبعه، أدار رأسه نحو الطريق أمامه، لكن في اللحظة التالية تجمد في مكانه وبدأ العرق البارد يتصبب من جبينه. بدأ قلبه يخفق كالطبل وهو يشعر ببرودة تسري في جسده.

أمامه مباشرة، على بعد سنتيمترات قليلة، كان هناك مسدس فضي غريب مصوب نحو رأسه. لم يستطع رؤية الشخص خلف المسدس؛ فقط خيال داكن يرتدي قبعة كان يصعب تمييزه.

"أر... أرج... أرجوك... لا... لا تقتلني! لدي مال؛ إذا كان هذا ما تريده، يمكنك أخذه،" قال «سيج» وصوته يضعف. كان قلبه ينبض بسرعة جنونية، وكأنه على وشك الانفجار من صدره.

"أر... أرج... أرجوك...! بـانـغ!"

دوّى صوت طلق ناري في الزقاق المظلم. اتسعت عينا «سيج» وظهر ثقب دموي في منتصف رأسه، والدم يتدفق منه. شعر بأفكاره وحياته تستنزف منه بسرعة.

سقط إلى الوراء وارتطم بالأرض بقوة، وتناثرت كيس البقالة التي كان يحملها على الأرض الباردة. أصبحت عيناه ثقيلتين؛ انقشعت السحب التي كانت تغطي القمر ليظهر البدر كاملاً، وانسكب ضوؤه الفضي الجميل في الزقاق المظلم. تلاشى الضباب الذي كان يغطي الزقاق ببطء جنباً إلى جنب مع تلك الشخصية الغامضة.

شعر «سيج» بكيانه وهو يُنتزع منه.

"إذن... هكذا أموت، هاه؟ أظن أن حياتي المملة قد انتهت".

كانت هذه هي الفكرة الوحيدة التي ترددت في ذهنه قبل أن يفارق الحياة تماماً.

.......................

2026/03/02 · 6 مشاهدة · 1133 كلمة
Master reader
نادي الروايات - 2026