#الفصل الثلاثون

غادر هان لي ساحة الفيلا الفخمة والمهيبة بخطوات هادئة ورزينة للغاية، لكن عقله كان يغلي كمرجل ضخم من الأفكار المتلاطمة والمتشابكة التي لا تهدأ أبداً. لم يعد الهواء الليلي البارد والمنعش يزعجه كما في السابق، فقد أصبح جسده الآن وعاءً متوازناً ومثالياً لطاقتي النار والجليد المتضادتين، وهو توازن فريد من نوعه لم يسبق له مثيل في تاريخ الأكاديمية الطويل والممتد لقرون. سار في الممر المظلم الطويل الذي تحفه الأشجار العالية، وهو يشعر بوزن المفتاح الذهبي الثقيل الذي أعطته إياه شي تشينغ في جيبه، وكان يلمسه بين الحين والآخر بأصابعه للتأكد من وجوده وأمانه. لم يكن مجرد مفتاح معدني لخزانة مادية تحتوي على كنوز مادية، بل كان في نظره مفتاحاً لمرحلة جديدة وخطيرة جداً من الغموض والتحديات التي لم يكن مستعداً لها تماماً في هذه اللحظة الحرجة من رحلته.

توقف هان لي فجأة عند حافة الغابة الكثيفة والموحشة، ونظر بعمق وتأمل إلى السماء المرصعة بالنجوم اللامعة التي كانت تبدو كأنها عيون تراقب خطواته بدقة. كان يعلم يقيناً وبلا أدنى شك أن العيون تراقبه من كل جانب ومن خلف كل شجرة صلبة، وأن هدوءه الظاهري وبروده المصطنع هما الدرع الوحيد الذي يبقيه على قيد الحياة في هذا العالم المليء بالمفاجآت. "النظام،" همس في أعماق عقله بصوت غير مسموع، "هل هناك أي أثر متبقي للطاقة الروحية أو السمات المتساقطة من القتلة الذين واجهتهم قبل قليل في تلك المعركة الدامية؟" ظهرت واجهة النظام الزرقاء الشاحبة والشفافة أمام عينيه بوضوح، مشيرة بومضات ضوئية متناثرة في أرجاء الغابة المظلمة. كانت تلك هي السمات الثمينة والنادرة التي سقطت أثناء القتال العنيف ولم يلتقطها بعد بسبب انشغاله الشديد بالمواجهات المباشرة وحماية الآخرين.

بدلاً من العودة مباشرة وبسرعة إلى الحافلة مع بقية الطلاب المنتظرين، قرر هان لي استكشاف المنطقة المحيطة بالفيلا بعمق أكبر وبحذر شديد يفوق المعتاد. كان يريد التأكد تماماً وبشكل قاطع من أن "مؤامرة الظل" التي بدأت تظهر خيوطها بوضوح لم تترك وراءها فخاخاً سحرية أو مادية أخرى قد تؤذيه أو تكشف أمره أمام السلطات. وبينما كان يتنقل بخفة ورشاقة مذهلة وتوقيت مثالي بين الأشجار الضخمة، مستخدماً "تقنية حركة الريح" التي وصلت لمستوى الكمال المطلق بفضل استهلاكه الذكي للنقاط، تعثر بشيء غريب ومريب للغاية. لم يكن جثة هامدة لعدو أو سلاحاً محطماً من مخلفات القتال، بل كان تشكيلاً صخرياً غريباً يبدو طبيعياً تماماً للعين المجردة غير الخبيرة، لكنه كان ينبثق منه ضغط روحي خفي ومركز لا يشعر به إلا من يمتلك حواساً فائقة ومطورة مثله.

اقترب هان لي بحذر شديد وخطوات مدروسة، ويده تلامس باستمرار مقبض سيفه "قنص الأرواح" الجاهز للاستخدام في أي لحظة غدر. بلمسة خفيفة ودقيقة ومشحونة بالطاقة من يده، تفتتت الصخور ببطء وانسيابية لتكشف عن مدخل سري ضيق ومظلم يؤدي إلى سرداب عميق يمتد تحت الأرض. "هل هذه هي خزانة عائلة شي السرية التي تحدثت عنها شي تشينغ في القاعة؟" تساءل في نفسه بفضول وحذر، لكنه سرعان ما أدرك أن الموقع والتصميم المعماري مختلفان تماماً عما وصفته له بطلة عائلة شي القوية. دخل السرداب بخطوات صامتة كالشبح الذي لا يترك أثراً، ليجد نفسه فجأة في غرفة واسعة وباردة مليئة بالمخطوطات الجلدية القديمة والجرار الزجاجية الغامضة التي تحتوي على عينات بيولوجية وسوائل غريبة من وحوش نادرة ومنقرضة منذ أزمنة سحيقة.

في وسط الغرفة المظلمة التي تفوح منها رائحة القدم والغبار، كانت هناك طاولة خشبية قديمة جداً ومتهالكة كأنها ستتحطم في أي لحظة، وعليها رسالة وحيدة وبسيطة مختومة بختم شمعي أحمر قانٍ لم يره من قبل في حياته الدراسية: تنين أسود مهيب يلتف بقوة حول شمس سوداء غامضة تشع هالة من الكآبة. فتح هان لي الرسالة بيد ترتجف قليلاً من التوتر والترقب، وقرأ محتواها الصادم والخطير الذي جعل دمه يتجمد في عروقه من شدة الرعب والذهول: "الهدف الحقيقي والنهائي من كل هذه الفوضى المفتعلة ليس البطل الظاهر للعيان الذي يمجده الجميع، بل الوعاء المختار بعناية. هان لي هو المفتاح الذهبي الوحيد والفريد الذي سيفتح بوابة السيادة المطلقة للسمات المظلمة التي ننتظرها."

شعر هان لي برعشة قوية وعنيفة تسري في كامل جسده المطور، وكأن صاعقة من السماء قد ضربته مباشرة. "الوعاء؟ هل يتحدثون عني أنا بوضوح تام؟ وكيف عرفوا باسمي الحقيقي وبقدراتي المخفية بهذه الدقة؟" لم يكن لديه وقت طويل أو رفاهية للتفكير المعمق أو التحليل الفلسفي، فجأة وبدون أي سابق إنذار، سمع صوت خطوات ثقيلة ومنظمة ومنتظمة تقترب بسرعة كبيرة من المدخل السري للسرداب. لم تكن خطوات وحش هائج أو حيوان ضال، بل كانت خطوات بشرية مدربة تدريباً عسكرياً صارماً وقاسياً. اختبأ هان لي فوراً وبسرعة البرق في أظلم وأعمق زاوية في الغرفة، وكتم أنفاسه تماماً، مستخدماً قدرته الفائقة والمطورة على إخفاء الهالة والاندماج الكامل مع الظلال الكثيفة المحيطة به.

دخل رجل ضخم الجثة وعريض المنكبين يرتدي درعاً ثقيلاً ولامعاً يعكس ضوءاً خافتاً، يرافقه شابان من نخبة الأكاديمية المتفوقين والذين يعرفهم هان لي جيداً. كان الرجل الضخم هو "الجنرال مو"، أحد المسؤولين الكبار والنافذين عن أمن منطقة الصيد وصاحب السمعة الصارمة التي تسبقه دائماً. "ابحثوا في كل زاوية وفي كل شق وفي كل كتاب،" صرخ الجنرال بصوت أجش ومرعب يتردد صداه بقوة في أرجاء السرداب الضيق. "يجب أن نجد تلك المخطوطة اللعينة والمقدسة قبل أن يضع هان لي يده عليها بأي ثمن. ذلك الفتى الصامت والغامض أخطر بكثير مما يتخيل الجميع في الأكاديمية، ووجوده حراً يهدد خططنا الكبرى التي رسمناها لسنوات."

أدرك هان لي في تلك اللحظة الحرجة والمصيرية أن اللعبة أصبحت أكبر بكثير وأكثر تعقيداً ودموية من مجرد مسابقة أكاديمية بسيطة لصيد الوحوش. كان هناك فصيل قوي ومنظم وذو نفوذ واسع داخل إدارة الأكاديمية يراقبه بدقة متناهية ويخطط ضده في الخفاء المظلم. انتظر هان لي بصبر أيوب وثبات الجبال حتى انشغل الرجال بالبحث المحموم والمضطرب في المخطوطات والجرار الزجاجية، ثم تسلل للخارج ببراعة فائقة وتوقيت مثالي لا يشوبه شائبة، تاركاً السرداب خلفه دون أن يترك أي أثر مادي أو روحي أو حتى رائحة تدل على وجوده هناك قبل لحظات معدودة.

عاد هان لي إلى نقطة التجمع الرئيسية والنهائية، حيث كان شو جي وبقية الطلاب المنهكين يستعدون للمغادرة والعودة إلى أمان المدينة. تظاهر بالتعب الشديد والإرهاق الجسدي المصطنع، وجلس بكسل وهدوء بجانب شو جي الذي بادر بسؤاله بقلق واضح: "أين اختفيت يا رجل؟ لقد بدأت باي وي في البكاء والانهيار التام ظناً منها أنك لن تعود أبداً وأن مكروهاً قاتلاً قد أصابك في أعماق الغابة."

رد هان لي بابتسامة متكلفة وهادئة وباردة كالعادة: "لقد وجدت مكاناً هادئاً وجميلاً وبعيداً للتأمل قليلاً واستعادة أنفاسي بعيداً عن ضجيج القتال وصراخ الوحوش. هذه الغابة الغامضة والموحشة تجعل المرء يفكر بعمق في معنى الحياة وقيمة الموت في كل لحظة." سخر لي رونغتشنغ من كلامه كالعادة وبصوت مسموع ومستفز، لكن هان لي لم يبالِ به أو بكلماته الجارحة التي لا تسمن ولا تغني من جوع. كان عقله مشغولاً بالكامل وبشكل كلي بمحتوى الرسالة الغامضة وبظهور الجنرال مو المفاجئ والمريب في ذلك المكان السري تحت الأرض.

أثناء طريق العودة في الحافلة الكبيرة التي كانت تهتز بعنف على الطريق الترابي الوعر، كانت شي تشينغ تجلس في المقعد المقابل له مباشرة، وعيناها لا تفارقان وجهه. لم تنطق بكلمة واحدة طوال الرحلة الطويلة، لكن نظراتها الحادة والنافذة كانت تحمل ألف سؤال وسؤال محير، وكأنها تحاول اختراق جدار صمته السميك ومعرفة ما يدور في خلده. هان لي، من جانبه، كان يحاول جاهداً وبكل ما أوتي من قوة الحفاظ على قناعه البارد واللامبالي والجامد، بينما كان داخله يصرخ من شدة القلق والتوتر والتفكير في الخطوة القادمة. "شياو شيتو،" فكر بعمق وهو ينظر إلى الأشجار المارة بسرعة من النافذة، "هل أنتِ جزء من هذه المؤامرة الكبيرة والمظلمة التي تحاك ضدي في الخفاء، أم أنكِ مجرد ضحية أخرى وبريئة مثلي في هذه اللعبة القذرة التي يديرها الكبار؟"

بمجرد وصوله إلى شقته المتواضعة والمنعزلة في وقت متأخر جداً من الليل، أغلق هان لي الأبواب والستائر بإحكام شديد وتأكد من تفعيل كل إجراءات الأمان الممكنة. فتح واجهة النظام وبدأ في تحليل السمات الجديدة والنادرة التي جمعها بذكاء وسرعة من داخل السرداب السري. "لقد حصلت على 'سمة الغموض' النادرة و'فهم التشكيلات القديمة' بمستوى عالٍ جداً وغير متوقع!" صاح في نفسه بابتهاج خفي وانتصار داخلي كبير. استهلك فوراً وبدون تردد 15,000 نقطة من رصيده الضخم لتطوير هذه السمات إلى مستوى الخبير في لمح البصر وبضغطة زر واحدة. فجأة، شعر بتدفق هائل وعنيف من المعلومات والرموز والشيفرات في عقله، وأصبح قادراً بلمح البصر وبكل سهولة على فهم تلك الرموز المعقدة والغامضة التي كانت مكتوبة في الرسالة السحرية المختومة.

"الشمس السوداء.. هذا الرمز اللعين والقديم يعود لمنظمة 'الكسوف' السرية والأسطورية التي سمعت عنها في القصص القديمة،" همس هان لي بصوت متهدج يملؤه الذهول. "إنهم يبحثون بيأس وهوس عن جسد بشري فريد ومطور يمكنه تحمل طاقات متضادة وعنيفة جداً ليصبح وعاءً مثالياً لروح قديمة ومرعبة تريد العودة للحياة والسيطرة على العالم." أدرك هان لي بوضوح تام ويقين لا يتزعزع أن ارتقاءه السريع والمذهل لمستوى المحارب وموازنته المدهشة بين عنصري النار والجليد جعلته الهدف المثالي والوحيد لهذه المنظمة الخطيرة التي تمتد جذورها في كل مكان وفي كل زاوية من زوايا القارة.

وبينما كان يغرق في بحر تفكيره المظلم والمضطرب، سمع طرقاً خفيفاً ومنتظماً وذا إيقاع غريب على نافذة شقته الموجودة في الطابق الخامس العالي جداً. قفز هان لي من مكانه كالنمر الجريح واستل سيفه في أقل من ثانية واحدة، مستعداً للموت بشرف أو القتل بدم بارد. فتح النافذة بحذر شديد ليجد غراباً أسود ضخماً ومهيباً بعينين حمراوين كالجمر المشتعل، يحمل في منقاره الحاد ريشة فضية لامعة تنبعث منها طاقة غريبة ومقدسة. بمجرد أن أخذ هان لي الريشة بيده، تحول الغراب فجأة وبسرعة إلى دخان أسود كثيف واختفى في الهواء البارد وكأنه لم يكن موجوداً أبداً.

كانت الريشة الفضية تحمل في طياتها رسالة سحرية مشفرة ظهرت بوضوح تام أمام عينيه المتعبتين والمجهدتين: "غداً في خزانة عائلة شي، الحقيقة المرة والمدفونة ستتحرر أخيراً أو ستقتلك بدم بارد ودون رحمة. لا تثق بأحد في هذا العالم المليء بالخداع، حتى في ظلك الذي يتبعك في النور، فالخيانة تجري في دماء الجميع كالنار في الهشيم."

جلس هان لي على حافة سريره المنهك، ونظر بصمت مطول إلى السيف والريشة والمفتاح الذهبي الملقى أمامه على الطاولة. كان يشعر بأن خيوط المؤامرة تلتف حول عنقه من كل جانب كالأفاعي السامة، وأن "أرك النخبة" يقترب بسرعة جنونية من ذروة دموية وغير متوقعة قد تغير مسار حياته ومستقبله للأبد. "حسناً،" قال بصوت حازم وقوي وواثق ملأ أرجاء الغرفة الصامتة، "إذا كانوا يريدون وعاءً لخططهم القذرة، فسأعطيهم وعاءً مليئاً بالسموم والدمار الشامل الذي لم يتخيلوه في أسوأ كوابيسهم. لن أكون أبداً بيدقاً رخيصاً أو أداة في لعبة أحد، مهما كانت قوته أو نفوذه أو مكانته في هذا العالم."

أمضى هان لي بقية ليله الطويل والمضطرب في التدريب الشاق والمضني، مستخدماً كل نقطة متبقية في رصيد النظام لتعزيز دفاعاته الجسدية وتقوية روحه القتالية لمواجهة المجهول القادم. كان يعلم يقيناً أن يوم غد سيكون الحد الفاصل والنهائي والمصيري بين حياته السابقة كطالب غامض ومسالم، ومستقبله المحتوم كسيّد مطلق للسمات يرتعد العالم من مجرد ذكر اسمه في الظلام. ومع بزوغ أول خيوط الفجر الذهبية التي تشق عتمة الليل الطويل، وقف هان لي أمام المرآة، ونظر بعمق وتحدٍ إلى انعكاس صورته. لم يعد يرى ذلك الشاب الحذر والخائف من ظله، بل رأى محارباً حقيقياً ولدت في عينيه شعلة مقدسة من الإصرار البارد والصلب الذي لا يلين ولا ينكسر أمام أقسى العواصف.

لقد قرر هان لي بكل جوارحه أن يواجه قدره وجهاً لوجه، وأن يحول كل تهديد يواجهه إلى فرصة ذهبية لزيادة قوته ونفوذه. لم يعد يهمه من يراقبه أو من يخطط ضده في الغرف المغلقة، فلديه النظام المتطور ولديه الإرادة الفولاذية، وهذا كان كافياً جداً بالنسبة له ليخوض حربه الخاصة والفريدة ضد منظمة "الكسوف" وضد كل من يحاول استغلاله أو الوقوف في طريقه نحو القمة. في تلك اللحظة التاريخية، شعر هان لي بأن قوته قد وصلت لمستوى جديد تماماً من النضج والوعي، وأن "أرك النخبة" هو مجرد اختبار بسيط وتمهيدي لما هو آتٍ في المستقبل البعيد والمظلم والمليء بالدماء والانتصارات.

ومع خروجه من الشقة، كان الهواء الصباحي يلفه ببرودة خفيفة، لكنه لم يشعر بها، فقد كانت النيران الداخلية تحرقه وتدفعه نحو هدفه. كانت الخطوة القادمة هي خزانة عائلة شي، وهناك، سيبدأ الفصل الحقيقي من حكايته، حيث ستلتقي الأسرار بالحقائق، والسيوف بالدماء، والسمات بالسيادة المطلقة التي لا تنازع.

شكل شي تشنيغ

2026/05/19 · 20 مشاهدة · 1890 كلمة
كاميشي
نادي الروايات - 2026