في قلب غابة كثيفة، حيث تتشابك الأشجار كأنها جدران طبيعية تحجب السماء، كان الصمت يخيّم على المكان. لا صوت سوى حفيف أوراق تتمايل مع نسيم خفيف، وكأن الطبيعة نفسها تراقب ما سيحدث.

هناك، على أرضٍ مغطاة بالأوراق اليابسة، استلقى خمسة مراهقين بشكل عشوائي، كأن قوة خفية ألقت بهم دفعة واحدة. ثلاثة فتيان وفتاتان، أجسادهم ساكنة كأنهم غارقون في نومٍ عميق.

فجأة، تحرك أحدهم.

فتح عينيه بسرعة، وكأن صدمة غير مرئية انتزعته من العدم. كانت عيناه تجولان في المكان بقلق واضح، يتفحص الوجوه من حوله، ثم يلتفت في كل اتجاه، كمن يحاول التقاط خيط من ذاكرة مفقودة… لكنه لم يجد شيئًا.

"أين أنا…؟"

لم يخرج صوته، لكن السؤال كان واضحًا في ملامحه.

لم تمضِ لحظات حتى بدأ الآخرون يستيقظون واحدًا تلو الآخر، وكأنهم يتبعون إشارة خفية. جلسوا ببطء، ينظر كل واحد منهم إلى الآخر بحذر، نظرات متوترة، غريبة… نظرات أشخاص لم يلتقوا من قبل، رغم أنهم يجلسون الآن في نفس المكان.

كان الأول فتى ذا شعر بني، بجسد قوي على غير عادة من هم في سنه، ملامحه حادة ونظرته حازمة. أما الثاني، فكان متوسط البنية، شعره أسود وعيناه تعكسان شيئًا من الهدوء.

الثالث بدا الأضعف بينهم، نحيل الجسد، شعره أسود أيضًا، ويرتدي نظارات تضفي عليه مظهرًا أكثر هشاشة.

أما الفتاتان، فكانتا على النقيض.

إحداهما ذات بشرة سمراء، شعرها الأسود قصير إلى حدّ يشبه شعر الفتيان، تقف بثبات وكأنها اعتادت التحدي.

والأخرى شقراء، بشرتها بيضاء، شعرها طويل ومربوط بإحكام خلف رأسها، ملامحها هادئة لكن عينيها تخفيان توترًا واضحًا.

وقفوا جميعًا، لكنهم لم يقتربوا. بل على العكس، ابتعد كل واحد خطوة أو خطوتين، وكأن غريزة خفية تحذرهم من بعضهم البعض.

قطع الصمت صوت الفتى ذو النظارات، وقد بدا عليه الارتباك: "أين أنا؟… من أنتم؟"

نظر إليه الفتى القوي بابتسامة ساخرة، وقال: "اهدأ قليلًا يا ذا العينين الأربعة… أنا أيضًا كنت سأسألكم نفس الأسئلة."

تدخل الفتى الثاني بصوت أكثر هدوءًا: "ما رأيكم أن نتعرف على بعضنا البعض أولًا؟"

أومأت الفتاة السمراء برأسها: "هذا صحيح."

رفعت الفتاة الشقراء يدها قليلًا، وكأنها في فصل دراسي: "أنا… أوليفيا."

تبعتها السمراء قائلة: "يمكنكم مناداتي بكلارا."

رفع الفتى ذو النظارات يده بتردد: "زاك… تشرفت بمعرفتكم."

جلس الفتى الثاني على جذع شجرة قريبة، وقال: "أنا شون."

ساد صمت قصير، قبل أن يقطعه الفتى القوي، واضعًا يديه على خصره: "أنا لا أهتم بمن تكونون… ما يهمني الآن هو الطعام. أنا جائع."

قطب شون حاجبيه وقال: "انتظر… علينا أن نقرر معًا ما سنفعله."

لكن الرد جاء سريعًا وحادًا: "أنا من يقرر ما سأفعله، وليس أنت."

تقدم زاك خطوة: "إذاً… سأرافقك."

رمقه الفتى القوي بنظرة ازدراء: "لا. سأذهب وحدي. أنت لا ترى جيدًا."

تدخلت كلارا بلهجة تحدٍ: "وماذا ستأكل في هذه الغابة؟"

ضحك الفتى بخفة: "هذه غابة، أيتها السمراء… ربما أصطاد سنجابًا، أو أرنبًا… أو حتى غزالًا."

ثم استدار دون انتظار رد، واختفى بين الأشجار، تاركًا خلفه صمتًا ثقيلاً.

"وغد…" تمتمت كلارا.

تنهدت أوليفيا: "إذًا… ماذا سنفعل الآن؟"

عدل زاك نظارته: "أعتقد أنه من الأفضل أن نتعرف على بعضنا جيدًا."

لكن كلارا لم تبدُ مقتنعة: "الأهم من ذلك… كيف وصلنا إلى هنا أصلًا؟"

هز شون رأسه: "سنفكر في ذلك لاحقًا. الظلام سيحل قريبًا، ونحن بحاجة إلى طعام."

ترددت كلارا للحظة، ثم قالت: "أقترح أن نفترق… هكذا سنغطي مساحة أكبر."

فكر شون قليلًا، ثم وافق: "حسنًا. سأرافقك، بينما يذهب زاك مع أوليفيا. نلتقي هنا بعد ثلاث ساعات."

"حسنًا." قال زاك.

"فكرة جيدة." أضافت أوليفيا بهدوء.

وهكذا، تفرقوا.

سلك زاك وأوليفيا طريقًا بين الأشجار الكثيفة، بينما اختفى شون وكلارا في اتجاه آخر.

أما الفتى القوي، فقد كان يتجول وحده في عمق الغابة. خطواته واثقة، عيناه تتحركان بسرعة، تراقبان كل شيء.

لكن فجأة… توقف.

صوت.

لم يكن صوت الرياح، ولا حفيف أوراق… بل شيء آخر.

خطوات.

انخفض جسده بسرعة، واختبأ خلف جذع شجرة سميكة، يحبس أنفاسه.

اقترب الصوت أكثر… ثم مرّ شخص ما أمامه.

لم يكن واضحًا.

مجرد ظل يتحرك بين الضوء والظلال، يمر ببطء وكأنه يعرف المكان جيدًا.

شدّ الفتى قبضته، وعيناه تلمعان بشيء جديد… ليس خوفًا، بل ترقب.

تحت ظلال الأشجار الكثيفة، كان زاك يسير بخطوات حذرة، عيناه تراقبان الأرض تارة، وما حوله تارة أخرى. خلفه كانت أوليفيا تمشي بهدوء، لكن سرعان ما كسر الصمت صوتها.

بدأت تصفّر لحنًا خفيفًا، ثم انساب صوتها في الغابة كنسيمٍ دافئ، تغني بنغمة عذبة تحمل شيئًا من الطمأنينة وسط هذا المكان الغريب.

التفت زاك نحوها، وعلى شفتيه ابتسامة صغيرة لم يستطع إخفاءها.

توقفت أوليفيا عن الغناء ونظرت إليه: "ماذا؟"

قال زاك بهدوء: "أنتِ تجيدين الغناء حقًا… من أين تعلمتِ ذلك؟"

ابتسمت أوليفيا بخفة، وكأن السؤال أعادها إلى ذكرى بعيدة: "أحب الغناء كثيرًا… وأنت؟ ماذا تحب؟"

تابع زاك سيره، ثم قال بنبرة خالية من الحماس: "كنت دائمًا الأول في صفي… أحصل على العلامات الكاملة في كل المواد."

رفعت أوليفيا حاجبيها بإعجاب: "إذًا أنت ذكي."

هز رأسه قليلًا: "لا تبالغي… أنا فقط أفعل ذلك لإرضاء والديّ."

توقفت أوليفيا للحظة، ثم قالت بثقة: "لا… أنت المستفيد الأكبر. أنا أيضًا عندما بدأت الدراسة في معهد الموسيقى، ظننت أني أفعل ذلك من أجل أمي… لكن في النهاية اكتشفت أنني كنت أفعل ذلك من أجلي."

وقبل أن يكمل زاك ردّه، اصطدمت أوليفيا بظهره.

تراجعت خطوة وهي تقول: "لماذا توقفت فجأة؟"

رفعت نظرها إلى الأمام… وتجمدت.

هناك، على بعد خطوات، وقف رجل غريب.

كان يرتدي ملابس حمراء تشبه ملابس السجناء، وعلى وجهه قناع مهرج مشوّه، ابتسامة مرسومة عليه بشكل مخيف لا يحمل أي مرح.

في يده… مسدس.

مصوب مباشرة نحوهما.

قال بصوت بارد: "ارفعا أيديكما."

لم يتردد زاك ولا أوليفيا.

ارتفعت أيديهما ببطء، بينما تسارعت أنفاسهما.

سأل الرجل: "أين تعيشان؟"

أجاب زاك بسرعة: "نحن وحدنا هنا."

التفتت أوليفيا إليه بصدمة خفيفة.

لقد كان يكذب… لكنها لم تنطق.

ساد صمت ثقيل، قبل أن يقول الرجل: "حسنًا… تحركا. سترافقانني إلى المكان الذي جئتما منه."

قال زاك: "حسنًا."

بدأ الاثنان بالمشي ببطء، بينما كان ذلك الرجل يتبعهما من الخلف، المسدس ثابت في يده… وعيناه خلف القناع لا يمكن قراءتهما.

في مكان آخر من الغابة…

كانت كلارا تمشي إلى جانب شون، وعيناها تتحركان باستمرار، تبحثان عن أي شيء مفيد.

فجأة، توقفت وأشارت إلى الأمام: "انظر… أرى نهرًا هناك. ربما نجد بعض الأسماك."

لم يتردد شون، واتجها معًا نحو الماء.

كان النهر صافياً، يعكس ضوء السماء المتسلل بين الأشجار.

انحنى شون وبدأ يشرب بسرعة، وكأنه لم يذق الماء منذ زمن.

لكن كلارا لم تتحرك.

كانت واقفة، تنظر إلى الخلف… عيناها ضيقتان، وجسدها متوتر.

"ماذا هناك؟" سأل شون وهو يمسح فمه.

أجابت بصوت منخفض: "أحدهم قادم…"

في تلك اللحظة، ظهر شخص من بين الأشجار.

كان يرتدي معطف طبيب أبيض، لكن مظهره لم يكن مطمئنًا على الإطلاق.

وعلى وجهه… نفس قناع المهرج.

وفي يده… مسدس مصوب مباشرة نحوهما.

تجمد شون في مكانه.

أما كلارا، فشدت قبضتيها.

الغابة لم تعد مجرد مكان غريب…

بل أصبحت ساحة لعبة لا يعرفون قوانينها.

2026/05/05 · 11 مشاهدة · 1057 كلمة
ahmed ikhrazne
نادي الروايات - 2026