في جنوب القارة، وعلى أطرافها البعيدة، كانت هناك قرية صغيرة سميت ذات مرة ب—مهد الشمس.

بين بحرٍ من السنابل الذهبية، كانت كرة وردية تركض وتختبئ بين الحقول، ثم تصرخ بصوتٍ عالٍ:

"هاها! ني ني لن يستطيع أبدًا الإمساك بي! أثي هي الأسرع في العالم!"

قالتها بابتسامةٍ مفعمة بالحياة، ثم انطلقت تركض مجددًا.

تنهدت وأنا أبدأ بملاحقة تلك الفتاة المشاكسة.

"أثي! توقفي حالًا— آه… تبا، من أين لها كل هذه الطاقة منذ الصباح؟"

"أنت حقًا مبارك لوجود أختٍ لطيفة كهذه، يا فتى."

التفتُّ، فرأيت أحد القرويين يضحك وهو يتحدث إليّ.

"نعم، حقًا… هوهو، ليت لدي ابنة كهذه بدل أولئك الشبان عديمي الفائدة."

ابتسمت بخجل، ووضعت يدي خلف رأسي.

"العم والعمة لين، صباح الخير… هل رأيتما إلى أين ذهبت أثي؟"

"نعم، إلى ذلك الاتجاه."

أشارت العمة بيدها، فانطلقت فورًا.

"شكرًا! أنا مدين لكما!"

العم والعمة لين من القرويين الذين اعتنوا بي أنا وأثي… عاملوها كأنها ابنتهم. ولهذا… أنا شاكر لها من كل قلبي وما قدموه لنا لن يعوض ابدا.

تابعت الركض بين السنابل وانا افكر بهذا، ثم– لمحت خصلاتٍ وردية تحاول الاختباء أرضًا.

اقتربت ببطء… ثم صرخت فجأة:

"هاه! أمسكت بكِ يا أثي!"

"هاهاهاها! توقف! توقف عن زغزغتي! هذا يكفي، ني ني!"

ضحكتُ وأنا أواصل مداعبتها قليلًا، قبل أن أتركها.

"حسنًا… هل نذهب لنأكل تحت شجرتنا الآن؟ لقد أعددتُ طعام أثي المفضل اليوم."

"حقًا؟! حقًا حقًا؟! هل صنعت لِأثي كعكة الفراولة؟!"

حدقت بي بلهفة، وعيناها الذهبيتان تلمعان ببراءة.

ابتسمت.

"بالطبع… لكن على أثي أن تأكل الخضروات اليوم لتحصل عليها."

"لكن… أثي لا تحب الخضروات…"

أنزلت رأسها، تتمتم، وكأنها على وشك البكاء.

"لا. هذه المرة لن أستسلم. عليكِ أن تأكليها كلها."

"حسنًا… لكن عليك أن تبني الأرجوحة التي وعدتني بها منذ وقتٍ طويل… وتثبتها على الشجرة كذلك!."

ابتسمت بإشراق وهي تتحدث عن ذلك الوعد بيننا.

وعد…

لن أتمكن من الوفاء به أبدًا.

في ذلك الوقت… لم أكن أعلم أن نهاية هذه الأيام كانت أقرب مما تخيلت.

----------------------------------------------------------------------------------------------------------------

"آه… صحيح، أثي. هل نمر على الأخ إيلان والأخت تالي قبل أن نذهب؟"

"هممم… لماذا؟"

ابتسمت وغمزت لها. "مفاجأة."

"هييييه! حقًا؟! أثي تحب المفاجآت! لنذهب، لنذهب! شووباتسو!" (انطلاق) او (لننطلق)

"شووباتسو؟ ما هذا؟" ضحكت وأنا أسمعها تتفوه بكلمة غريبة.

عبست قليلًا، ثم قالت بتأكيد: "ليست هكذا! شو–با–تسو!"

توقفت لحظة… ثم أدركت. "آه… تالي من علمتك هذا، أليس كذلك؟ ماذا قالت؟ اسمها… اليا… غرافية؟"

"إنها اليابانية! يا–با–ني–ة!" قالتها وهي تهز رأسها وكأنها تشرح لطفل صغير. "أخي حقًا لا يعرف شيئًا…"

ثم فجأة—توقفت.

وضعت يدها على خصرها، ورفعت سبابتها نحو السماء، وابتسامة كبيرة ترتسم على وجهها:

"لكن لا تقلق! يمكنك الاعتماد على أثي! لأن أثي ستصبح الأروع في العالم!"

أخذت نفسًا عميقًا، ثم أكملت بحماس:

"سأكبر، وأصبح بالغة قوية! وسأملك الكثير من المال! وسأبني منزلًا ضخمًا! وسآكل عددًا لا نهائيًا من كعكات الفراولة!"

ثم رفعت صوتها أكثر:

"هيهي! انتظرني أيها العالم!"

ضحكت، وصرخت معها:

"انتظريني… يا كعكات الفراولة!

------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

"إيلان، تالي! مرحبًا، كيف حالكما؟"

"مرحبًا، أخي إيلان! مرحبًا، أختي تالي! توتورو! أثي وصلت!"

ضحك إيلان وتقدم لمصافحتي. "هاها، مرحبًا أثي… مرحبًا شين."

أما تالي، فلم تنتظر.

"توتورو أثي! كيف حالكِ—؟"

وانقضّت عليها فورًا، تمسك خدّيها بكلتا يديها.

"هيهيهي… كاوايي! هذه الخدود… لا يمكنني مقاومتها!"

بدأت تشدّ خدود أثي وهي تضحك.

"ت-توقفي… أختي—!"

لكن تالي سحبتها إلى حضنها فجأة.

"اشتقتُ إليكِ، أثي… هيهي، آسفة."

تنفست أثي بصعوبة، ثم ابتسمت.

"حسنًا، هيا إلى الداخل! حضرتُ لكِ مفاجأة ضخمة!"

قالتها تالي بنظرة فخر واضحة.

"أغمضي عينيك… والآن، افتحي."

"واااه! كعكة فراولة! كعكة فراولة! هل تراها يا أخي؟!"

"نعم، نعم… أراها جيدًا."

ابتسمت.

"حسنًا، لنأخذها ونذهب إلى الشجرة. إيلان، تالي… تعالوا معنا."

"سيأتون معنا حقًا؟! شكرًا، أخي! أحبك!"

------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

سرنا معًا، وضحكاتنا تتعالى بين السنابل، حتى وصلنا إلى الكوخ… وخلفه الشجرة.

أعددنا كل شيء، ثم جلسنا نأكل.

"أثي… وعدتِني بالخضروات، أليس كذلك؟"

"حسنًا! سأأكلها كلها!"

"طفلة جيدة… العمة ستسعد بسماع ذلك."

------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

لكن—

حدث أمر لم نكن نتوقعه.

خطر حقيقي.

حبات الفراولة… لم تكفِ الجميع.

وفي العادة قد تقول: ما المشكلة؟ لكن لا…

لدينا هنا أعظم عاشقتين للفراولة، وما تبقّى هو—

الحبة الأخيرة.

"أثي، لن أستسلم! اللطافة لن تنقذكِ هذه المرة!" قالت تالي بوجه جاد.

"همف! إذًا لدينا حل واحد، أليس كذلك؟"

قالتا معًا:

"المنتصر… يهدي أخته حبة الفراولة!"

نظرتُ أنا وإيلان إلى بعضنا بعجز.

"حسنًا… كيف سنحسمها هذه المرة؟"

"هممم… ماذا عن مصارعة الأيدي؟"

في لحظة، جلسنا أنا وإيلان أمام بعضنا… ووجوهنا امتلأت بالجدية.

"لن أسمح لك بالحصول عليها."

"همف. كفّ عن الكلام وتعال. لن أخسر أمامك… ليس اليوم."

"هااااه!"

"تقدم، أخي!" صرخت الفتاتان معًا.

"طاخ!"

رفعتُ يدي بانتصار.

"أثي… أقدم لكِ حبة الفراولة الأخيرة."

لمعت عيناها بسعادة.

نظرت إلى تالي بانتصار: "همف! أخي هو أخ أثي… لا يمكن أن يخسر!"

أما تالي…

فركعت على الأرض، وقالت بصوت منخفض:

"شيكشو… ماكيتا…" (لقد خسرت…)

عدنا إلى الكوخ، وعاد إيلان وتالي إلى منزلهما.

حلّ الليل…

لكن لسببٍ ما، كان الرعد مرتفعًا… وصوت المطر قويًا.

في منتصف الصيف.

غريب…

"ني-ني… أ-أثي ستنام معك اليوم! أثي ستحميك… لا تخف!"

ضحكت بخفة.

"أثي… أليست أنتِ الخائفة؟"

"م-ماذا؟! ل-لا! أثي لا تخاف!"

"حسنًا… استلقي."

سحبت الغطاء عليها بلطف.

"أثي ستغني لك تهويدة النوم… أغمض عينيك."

يا أخي، انظرْ بعيدًا…

خلفَ السنابلِ ضوءٌ يلوح

مدَّ يدَك… لا تخف فالنجمةُ تعرفُ أين المسار

أغمضْ عينيك… واهدأ صوتي سيبقى معك وإن ضلَّ الدربُ يومًا ستجدني أنتظرك

نمْ… لا تقلق.

فالليلُ يمضي بسلام وإن طال الصمتُ أكثر… سنلتقي… في الأحلام

وهكذا…

انقضت ليلتي الهادئة الأخيرة.

ليلة… لطالما تمنيت أن تستمر إلى الأبد.

2026/04/20 · 3 مشاهدة · 851 كلمة
كيوما
نادي الروايات - 2026