كانت القاعة خافتة الإضاءة، والمشاعل تتراقص ألسنتها على الجدران الحجرية الباردة. دخل "لوسيان" أولاً، بخطوات موزونة ووقفة مثالية؛ الجندي الذي كانه دوماً. ومن خلفه، تبعه "ميرليك" بصمت، كظلٍ وشاهد.
وصلوا إلى الرواق الخاص بالوزير. كان "كايلوم فيريث" في انتظارهم، جالساً خلف مكتب مكتظ بالخرائط والرسائل. كان تعبير وجهه هادئاً، بل وشبه مستمتع.
قال الوزير بصوت ناعم كالحرير: "آه.. لوسيان. وميرليك بالطبع. تساءلتُ متى ستصلان".
اشتد فك لوسيان: "كنت تتوقعنا؟".
ابتسم كايلوم وهو يتكئ بظهره إلى الخلف: "بالطبع. هل ظننت أن عمراً من الولاء، والمعارك.. والطاعة، قد يكون كافياً؟ لقد تعلمتَ جيداً، أليس كذلك؟ كل حركة، كل ضربة.. كل شيء كان وفقاً لمخططي".
اشتدت قبض أصابع لوسيان حول مقبض السيف عند جانبه. لقد قضى كل يوم من حياته وهو يظن نفسه حراً، ويظن نفسه متفوقاً، لكنه الآن يشعر بثقل كل تلك السنوات التي تم التلاعب فيها به.
قال لوسيان بصوت منخفض ومميت: "لم أتعلم منك شيئاً.. سوى أن القوة ترتدي قناعاً دائماً".
لم تتزعزع ابتسامة الوزير: "آه.. ولكنك ارتديتَه بنفسك، أليس كذلك؟ كل تحدٍ، كل مهمة.. لقد ربيتك لتكون بالضبط ما يخشاه العالم. سلاحي المثالي. والآن، تعود وقد أصبحت أكثر حدة، وملطخاً بالدماء، ومع ذلك.. يمكن التنبؤ بوقوعك".
لمحت نظرة لوسيان "ميرليك" لبرهة خاطفة: "أنا لست سلاحاً لأحد. أنا ابن أبي".
عند ذكر الأب، تبدل التوتر في الغرفة. خطت هيئة من بين الظلال؛ "داريان آردنت"، والد "درافين" و"لوسيان"، حاملاً حقيبتين جلديتين باليتين.
قال داريان بهدوء: "لقد حان وقتك. لقد احتفظتُ بهذين ليوم مثل هذا".
فتح الحقيبتين. وبداخلهما كان هناك سيفان، يتألق فولاذُهما بخفوت في ضوء المشاعل. قديمان، صُهرت معادنهما في الخفاء، وموزونان بدقة لتناسب يدي ابنيه.
أمسك لوسيان بسيفه، شاعراً بثقل كل شيء لم يملكه قط؛ الطفولة، الخيار، والإرث. ارتجفت يده قليلاً؛ ليس من الخوف، بل من شيء غير مألوف: الأمل.
ضاقت عينا الوزير: "أبوك هنا؟ يا له من مشهد مؤثر. لطالما تساءلتُ متى ستدرك أن حتى سلالتك تنحني لتأثيري".
اشتعلت عينا لوسيان: "لا. الدماء يمكن توجيهها، نعم. لكن لا يمكن استعبادها. ليس بعد الآن".
انحنى الوزير للأمام، وانخفض صوته إلى همس خطير: "لا تزال ذلك الصبي الذي ربيتُه ليضرب دون سؤال. الجندي الذي لم يحظَ بطفولة قط. الشخص الذي لم يشكك أبداً في كلمتي".
زفر لوسيان ببطء، في أول لحظة هدوء حقيقي له منذ سنوات: "لا أزال ذلك الصبي الذي ربيته ليقاتل.. لكن الرجل الذي لم تتوقعه أبداً قد عاد".
تنقلت نظرات ميرليك بين لوسيان والوزير، وقال بنعومة: "ودرسك الأول اليوم هو أن ساحة المعركة قد تغيرت. ليست كل المعارك تُكسب بالفولاذ".
خارج القاعة، كانت المدينة تنام غير مدركة لما يحدث. وفي الداخل، كانت لعبة الظلال والدماء تبدأ؛ لعبة اعتقد الوزير فيها أنه يتحكم بكل القطع، لكنه لم يضع في حسبانه أبداً ابناً أُعيد مولده في النار، والخيانة، والإرث.
قطع صوت لوسيان الصمت المتوتر:
"اليوم، انكشفت يدك يا كايلوم. وقد تعلمتُ كيف أقرأها".
كانت ابتسامة الوزير باهتة وحادة كالنصل: "إذاً لتبدأ اللعبة يا بني. لتبدأ اللعبة"