​ساد الصمت في قاعة العرش داخل معقل الوزير.. صمتٌ ثقيل يشي بأن العاصفة قد بدأت بالفعل. كانت الظلال تتشبث بكل زاوية، تلتف حول الأعمدة الحجرية كأنها كائنات حية تترقب الفريسة. تراقصت أضواء الشموع، عاكسةً على الجدران ضياءً متذبذباً ومنذراً بالسوء.

​وقف الأشقاء الأربعة عند طرف القاعة؛ أسلحتهم مشرعة، وقلوبهم تدق بإيقاع واحد — ليس خوفاً، بل ترقباً وتصميماً. درافين ولوسيان في المقدمة، وميلكن يغطي الثغرات كظلهما، بينما وقف ميرليك في الخلف، عينه الغائمة تلمع بضوءٍ يعرف خفايا هذا المكان.

​قطع صوت ميرليك الصمت، وكان منخفضاً ودقيقاً:

— "إنه يعلم بوجودنا. هو يعلم دائماً. لكنه لا يعرف ما فعلناه بسيوفنا في الخفاء".

​ضاقت عينا لوسيان، وشعر ببرودة الزيت الرمادي الذي طلى به ميرليك سيفه في الليلة الماضية: "إذاً سنعطيه الحقيقة التي حاول محوها".

​نبض ضوء أرجواني سقيم من أعماق القاعة — اللون ذاته الذي سرقه ميرليك من الوزير منذ سنوات. ذكّرهم ذلك الضوء بالفظائع التي واجهوها في اشتباكهم الأول في القاعة؛ جنودٌ حُوّلوا إلى مسوخ، عقولٌ مُحيت، وأجسادٌ صلبة كالحجر.

​دوى صدى تصفيق بطيء وساخر. خرج الوزير "كايلوم فيريث" من بين الظلال، عباءته تتدفق خلفه كالدخان، وعيناه تلمعان بذكاء قسّي ومستفز.

​قال بصوتٍ كالحرير: "حسناً، حسناً.. الأبناء الضالون يعودون مرة أخرى. وظننتُ أنكم تعلمتم الدرس في المرة الماضية حين انسحبتم تجرون أذيال الهزيمة".

​صر درافين على أسنانه وهو يتقدم خطوة: "في المرة الماضية كنا نقاتل رجلاً.. الليلة، جئنا لنبيد وباءً".

​ضحك الوزير ضحكة جمدت الهواء: "لا تزال تظن أن الأمر يتعلق بالفولاذ والدماء. لا.. الأمر يتعلق بالسيطرة، بالقوة على الحياة ذاتها. وأنا أملك منها أكثر مما يمكنك تخيله".

​من كواتٍ مخفية، انقضت "ابتكارات" الوزير. أجسادٌ مشوهة، عيونها تتوهج بنفس الضوء الأرجواني السقيم. تقدموا بسرعة غير طبيعية، واثقين من أن سيوف الفتية لن تؤذيهم.. لولا ذلك الوميض الرمادي الخافت على حواف النصال.

​صرخ ميرليك: "الآن! اضربوا النواة في أعمدتهم الفقارية!".

​كان الاشتباك الأول عنيفاً. اندفع أحد المسوخ نحو درافين، لكن هذه المرة، لم يرتد سيفه. بمجرد أن لامس الزيت الرمادي جلد الوحش، بدأ اللحم يغلي ويصدر فحيحاً كيميائياً مرعباً. صرخ المخلوق صرخة معدنية حين شق نصل درافين طريقه نحو النواة، لينفجر المسخ إلى رمادٍ أسود.

​انصدم الوزير لثانية واحدة. تلاشت ابتسامته وظهر صدع في قناعه الهادئ.

​تحرك لوسيان كالإعصار، مستخدماً خفة حركته للوصول إلى ظهورهم، بينما كان ميلكن يرمي خناجره بدقة جراح، يفتح ثغرات لـ "إخوته" ليتموا المهمة. لم يعودوا رفاق سلاح فحسب؛ بل كانوا يعملون كعقل واحد وجسد واحد.

​ثم، تقدم الوزير بنفسه. لم يتحرك كجندي، بل كـ "مفترس"؛ سحب نصله الطويل الذي بدا وكأنه مصنوع من الظل السائل. اشتبك نصله مع نصل لوسيان، وتطاير شرارٌ أرجواني ورمادي.

​صاح الوزير بحقد: "ميرليك! كان يجب أن أحرقك مع البقية!".

​أجاب ميرليك وهو يرفع رمحه: "لقد فعلتَ يا كايلوم.. لكنك نسيت أن الرماد لا يشعر بالألم، بل يكتفي بالخنق".

​شعر درافين بالزيت الرمادي على سيفه يسخن، وكأن السيف يستجيب لغضبه. ومع كل ضربة، كان يشعر بضعف جنود الوزير. لقد تحولت المعرفة التي قدمها ميرليك إلى سلاح فتاك.

​وفجأة.. خيّم لحظة من السكون وسط المعمعة.

​وقف الوزير محاطاً بجثث مسوخه المتفحمة، يلهث لأول مرة، وعيناه تشتعلان بجنون. "مبهر.. ولكن هل فهمتم قواعد اللعبة حقاً؟ إذا سقطتُ أنا.. يسقط هذا البرج وكل من فيه!".

​أطبق ميرليك يده على القطعة الأرجوانية في جيبه: "نحن لا نلعب لعبتك يا كايلوم.. نحن نهدم الطاولة فوق رأسك".

​ضرب البرق في الخارج، مضيئاً القاعة ببياضٍ ساطع، ولنبضة قلب واحدة، تجمد المشهد: الأشقاء الأربعة يحيطون بالوزير، والمصير يتربص خلف الباب.

2026/02/06 · 0 مشاهدة · 539 كلمة
Jihad Atieh
نادي الروايات - 2026