كان الحجاب الأخضر (Verdant Veil) حياً.. وكان يكرههم.

​تشبث ضباب أخضر كثيف بكل طرف، وبكل مسام جلدهم. كانت رائحة الهواء مزيجاً من العفن والحديد، حلوة وسقيمة في آن واحد، تحمل في طياتها همسات كانت تلسع العقول. كل خطوة خطاها درافين كانت تبدو وكأنها سيرٌ وسط أنسجة حية؛ الغابة تتقلص، تنبض، تراقب.. وتنتظر.

​شق رمح ميرليك الضباب بصمت، وتمتم محذراً: "أبقوا رؤوسكم منخفضة. الحجاب يتغذى على التردد.. وعلى الخوف".

​نبضت "هرطقة الدماء" (Blood Heresy) تحت جلد درافين. التهبت آلام جروحه القديمة، لكن دماء أمه كانت تحترق بحرارة أشد، تداويه وتمنحه القوة في آن واحد. كان شعوراً مسكراً ومرعباً. صار بإمكانه الشعور بالمخلوقات قبل أن تتحرك، والإحساس بالحياة الفاسدة التي تجري في عروق الغابة.

​فجأة، شق صراخٌ مدوٍ الهواء. انبثقت هيئة بشرية من الظلال — بشرتها شاحبة، عضلاتها ملتوية، عيونها تتوهج بالأرجواني، وأسنانها حادة كوحش مفترس. كانت يداها مخالب تقطر عصارة سوداء تصدر فحيحاً بمجرد ملامستها للأرض.

​بضربة واحدة سريعة، قطع لوسيان عنقها — لكن المخلوق لم يمت. تشنج جسده، وتوهجت عروقه بضياء أشد، ثم نهض ثانيةً وهو يزمجر.

زمجر لوسيان وهو يصد الهجمات: "إنهم لا ينتهون.. وهم جياع". كانت ضرباته دقيقة وباردة، لكن حتى هو بدأ يشعر بالرعب يتسلل إلى أعماقه.

​هوى درافين بسيفه، فتوهجت "نواة" المخلوق — المخبأة في عموده الفقري — بعنف. اشتعلت "هرطقة الدماء" بداخله؛ استجابت قوة أمه لإرادته، وبصرخة مدوية، سحق النواة بيده العارية، لينفجر المخلوق في سيل من الدماء والعظام والعصارة السوداء. ملأت رائحة الحديد والتحلل رئتيه.

​تحرك ميرليك كأنه ظل، ورمحه يلمع بخطفات قاتلة. كل طعنة كانت تزعزع استقرار نويات الوحوش. كل شق وكل طعنة كانت مميتة ولا تتراجع. تناثرت الدماء على وجهه، وابتلت ملابسه بها، ومع ذلك ابتسم ابتسامة مفترسة: "هذا.. هذا هو سبب بقائنا أحياء"، قالها بفحيح مكتوم.

​ثم جاءت الصرخات من أعماق الضباب — بشرٌ أجرى عليهم الوزير تجاربه، وقد تحولوا الآن تماماً إلى بهائم. صاروا ينهشون ويمزقون بعضهم البعض، وينقضون على الأبطال الأربعة. تطايرت الأطراف، وتردد صدى الصراخ، وتحول الضباب إلى نهر من الدماء.

​اشتعل غضب لوسيان. شق طريقاً وسط مخلوقين في وقت واحد، كل أرجوحة لسيفه كانت دقيقة ولا تعرف الرحمة. لكن أحدهم باغته من الخلف، ومزقت مخالبه صدره. اندفعت الدماء، واحترق الألم في جسده.. لكنه شعر بأنه حي، وجائع للقوة.

​التقطه درافين، وقذف به إلى منطقة آمنة بينما كان يركل رأس أحد الوحوش ليحطمه فوق جذع شجرة. كانت خناجر ميلكن في كل مكان، تشق الحناجر وتبتر الأطراف بدقة جراحية.

​حتى الغابة نفسها حاولت قتلهم. كانت الجذور تضرب كالأفاعي، والأشواك تمزق الجلود، والأزهار تفرز حبوب لقاح مهلوسة جعلت أسوأ مخاوفهم تتجسد أمام أعينهم. ترنح درافين، فرأى رؤى لميلكن ولوسيان وهما يموتان مراراً وتكراراً، يصرخان في عذاب.. وشعر بدمائه تستجيب لعريهم وتتغذى عليه.

​قطع صوت ميرليك هذه الفوضى، كان صوتاً هادئاً ومرعباً: "ركزوا. النواة هي الهدف. الوحوش لا تهم. الحجاب يريد خوفكم، يريد شككم. لا تعطوه ما يريد".

​مرت ساعات — أو ربما كانت دقائق. غطت الجثث الأرض؛ مشوهة، محطمة، ونزيفة. كانت رائحة الموت والسحر تملأ الأرجاء، والضباب الأخضر يتلألأ بحياة خبيثة.

​مسح درافين العرق والدماء عن وجهه. كانت "هرطقة الدماء" تنبض بداخله بحرارة لا تلين. صار بإمكانه السيطرة عليها الآن؛ أصبحت تطيع إرادته، فتراجعت الغابة من أمامه هيبةً.

​استند لوسيان إلى شجرة، صدره يعلو وتهبط، وعيناه سوداوان وجائعتان. قال: "هذا.. هو شعور البقاء. ليس مجداً، ولا شرفاً. بل خوف، وألم، ودم.. وقوة. كل هذا مجتمعاً".

​نظر ميلكن إلى درافين، وعيناه غارقتان في تعب شديد: "لقد نجونا من.. هذا. لكن الحجاب.. يبدو أنه لم يبدأ بعد".

​تقدم ميرليك، ورمحه يقطر عصارة سوداء: "والحرب الحقيقية.. تبدأ فقط بعد أن تنزف بما يكفي لتفهمها".

​خارج تلك البقعة، انتشر الضباب الأخضر كالمحيط، حياً، يهمس بوعود من الرعب والقوة والأساس المخبأة في أعماق "الحجاب الأخضر".

​أطبق درافين قبضتيه، متذوقاً طعم الدم، وشاعراً بالقوة. نبضت الغابة رداً عليه؛ لقد اعترفت به أخيراً.

​وفي أعماق الظلال، كان هناك شيءٌ يراقب.. صبوراً.. ينتظر اللحظة التي ينزف فيها الأبطال وينكسرون حقاً

2026/02/06 · 1 مشاهدة · 612 كلمة
Jihad Atieh
نادي الروايات - 2026