لم يكن الضريح ينام.
كلما توغلوا في الداخل، ازداد الهواء ثقلاً — كأنهم يتنفسون من رئة الذاكرة نفسها. كانت الرموز المنحوتة في الجدران الحجرية تنبض بخفوت، لا استجابةً للسحر.. بل للدماء.
شعر درافين بالأمر أولاً.
حرقٌ حاد في صدره.
ثم اشتعلت عروقه باللون الأرجواني تحت جلده، بوهجٍ لم يسبق له مثيل.
سقط على ركبته.
كان لوسيان بجانبه في لحظة، نصله نصف مستل، وعيناه تمسحان الظلال. "تحدث إليّ"، قالها بصوت منخفض. لم يكن أمراً، بل توسلاً.
شد درافين على فكه. "ليس ألماً"، قال بفحيح مكتوم. "إنه.. اعتراف".
خطا العجوز من زاوية الضريح، متكئاً بثقل على عصاه. كشف ضوء النار عن المزيد من معالم وجهه الآن — ندوب قديمة، وعلامات طقوسية محفورة في لحمه.
قال العجوز: "لأن 'الحجاب' يعرفك".
"ولأن الدماء التي تجري في عروقك لا تنتمي لأي إله يستمع للصلوات".
تصلب جسد ميرليك.
"تلك العبارة"، قال ببطء. "قلها ثانيةً".
التفتت عينا العجوز نحوه؛ حادة، وفاحصة.
"الدماء لا تصلي"، كررها. "إنها تأمر".
خيم صمتٌ ثقيل كالصخر على الحجرة.
اشتدت قبضة لوسيان على سيفه. "اشرح. الآن".
أومأ العجوز برأسه. "أمكم — ليورا — لم تُطارد لأنها أحبت الرجل الخطأ. لقد طُوردت لأن سلالتها تسبق التيجان، والممالك.. بل تسبق 'الحجاب' نفسه".
التفت إلى درافين.
"دمك ليس ملكياً"، قال.
"إنه بدائي".
اشتعلت الرموز فجأة.
صرخ درافين.
ليس من الألم—
بل من فيض المعلومات.
مزقته الرؤى.
ساحة معركة بلا رايات.
مخلوقات تجثو — ليس تعبداً، بل خضوعاً.
عرشٌ لم يُنحت من الذهب، بل من العظام والجذور واللحم الحي.
ونفسه هناك—
ليس كملك.
وليس كبطل.
بل كـ "نقطة التقاء".
رأى لوسيان الأمر أيضاً.
انشق الهواء، ووقف أمامه "لوسيان" آخر — درعه محطم، عيناه جوفاوان، وسيفه ملتحم بيده كأنه امتداد لعظامه.
قال الانعكاس: "السلاح لا يختار".
"السلاح يُوجَّه".
زأر لوسيان وهوى بنصله على الرؤية — لكن الاصطدام رجّ عظامه. تحطم الوهم، تاركاً إياه يلهث.
تحرك ميلكن أخيراً.
خطا إلى داخل دائرة الرموز، وهشم الكرة البلورية الزرقاء فوق الأرض.
تصدعت الكرة.
انفجر الضوء للخارج — لم يكن عنيفاً، بل كان "تصحيحياً".
صرخ الضريح.
ترنح ميرليك للخلف، ممسكاً برمحه. "أيها الأحمق"، قال بصوت لاهث. "هل لديك أدنى فكرة عما كان يحبسه ذلك الشيء؟".
لم ينظر إليه ميلكن. كانت عيناه مثبتتين على درافين.
"أعلم"، قال بهدوء. "ولو لم نكسره الآن، لكان قد انكسر هو".
ضحك العجوز.
ضحكة مكسورة مليئة بالتبجيل.
"كانت ليورا لـتحبك"، قال لميلكن. "لقد آمنت بأن 'الاختيار' هو الأهم.. حتى عندما تصرخ الدماء بعكس ذلك".
انهار درافين للأمام، وهو يسعل. تلاشت العروق — لكنها لم تختفِ.
أمسك به لوسيان، مسنداً إياه.
"ماذا سيحدث الآن؟" طالب لوسيان بالإجابة. "ما الذي يتحول إليه؟".
أظلمت نظرة العجوز.
"هذا يعتمد"، قال، "على ما إذا كان يؤمن بأن دمه قيد.. أم مفتاح".
شاح ميرليك بوجهه، بتعبير لا يمكن قراءته.
خارج الضريح، تحرك "الحجاب الأخضر".
وبعيداً خلف الغابة، استيقظ شيءٌ قديم—
ليس لأن الوزير تحرك..
..بل لأن درافين قد استيقظ.
وفي "المملكة الثانية"، فُتحت الأعين أخيراً.