​برزت بوابات الأكاديمية أمامي كحراسٍ من حجرٍ صلد. وقبل أن أطأ عتبتها، شعرتُ بثقل تاريخها يرزح فوق كاهلي.

فولاذ.. شرف.. ودماء.

كل صبيٍّ جاء إلى هنا مسكوناً بأحلام المجد، أما أنا.. فجئتُ وفي يدي سيف، وفي عروقي نارٌ تضطرم.

​كان اليوم الأول هو الأصعب دوماً؛ فالمعلمون لا يعبؤون باسمك، بل بنصلك. يعبؤون بجلَدك، ومدى استعدادك للانكسار.. ثم النهوض للقتال من جديد.

​هناك التقطتُ "ميرليك" أولاً؛ ذو العينين الثاقبتين واللسان الحاد، والولاء الذي يجري في دمائه. ثم "ميلكن"؛ المندفع الذي لا يعرف الخوف، ذاك الذي يلقي بنفسه في قلب الفوضى دون تفكير.

أما أنا.. فكنتُ الهادئ، المحاسِب، الذي يراقب كل شيء.

غدونا أكثر من مجرد حلفاء؛ أصبحنا عائلةً طرقتها مطارق الفولاذ.

​لكن الأكاديمية لم تخلُ من الظلال؛ فبعض المعلمين أضمروا لي الضغينة بسبب سمعة أبي. كانوا يهمسون باحتقار:

— "ابن آردينت.. المدلل الذي تعلم هزّ السيوف قبل أن يتعلم المشي".

لم أعرهم انتباهاً، وتركتُ همسهم تذروه الرياح؛ ففي هذا المكان، لا يُنتزع البقاء بالكلمات.. بل بالدماء.

​التدريب

​انصهرت الأيام في الليالي. صار النوم ترفاً لا نملكه، والطعامُ مكافأةً ننتزعها مع كل ضربة سيف. تبارزنا بلا نهاية، حتى دميت الأصابع، وتمزقت العضلات، وتحطم الكبرياء.

تعلمتُ التنبؤ بالضربات، وقراءة الخصم قبل أن يحرّك ساكناً. غدا كل درسٍ سلاحاً، وكل ندبةٍ حكاية.

​كان "ميرليك" يمزح قائلاً إنني أنام والسيف بين يدي، بينما يجادل "ميلكن" بأن الألم مجرد عارضٍ مؤقت. أما أنا.. فكنتُ أكتفي بالمراقبة، وكأنني أقيس قيمتنا أمام ميزانٍ لا يراه أحد.

​المهمة الأولى

​كنا في الثامنة عشرة حين جاءت المهمة الأولى. قالوا إنها "دورية استطلاع بسيطة"، هكذا وعدونا.. لكن العالم لا يفي بوعوده أبداً.

​كان العدو يعلم بقدومنا، وكان بانتظارنا. خمسون جندياً في مواجهة أربعة.

عند أول صدام للفولاذ، شعرتُ وكأن العالم ينشطر نصفين. صرخت دروس أبي في ذراعيّ؛ فكانت كل ضربة، وكل صدة، وكل خطوة هي معركة لأجل البقاء.

ومع ذلك.. لم يكن ذلك كافياً.

​سقط "ميرليك" أولاً، ثم تلاه "ميلكن" وهو يصرخ صرخته الأخيرة وهو يحميني. وهكذا، وفي لمح البصر.. صديقاي، أخواي، عائلتي.. تلاشوا جميعاً.

​هربتُ.. وسط الدماء والدخان والصرخات التي ستطاردني إلى الأبد.

علمتني الأكاديمية كيف أقاتل، لكنها لم تعلمني كيف أحزن.

​ما بعد الفاجعة

​أمضيتُ سنواتٍ تطاردني أطياف ذلك اليوم. كل ظلٍّ كان يهمس بأسمائهم، وكل سيفٍ أستله كان يزداد ثقلاً في يدي.

ثم.. جاءت همساتٌ من الماضي. من ذلك المعلم.. ذاك الذي ظننتُه ميتاً.

كان يراقب.. كان ينتظر.. كان لديه مخططٌ كنتُ أنا دائماً هدفه المنشود.

​سأدرك لاحقاً أن الأصدقاء ليسوا دوماً كما يبدون، وأن الثقة ترفٌ لا أطيق ثمنه. أما العالم.. فقد بدأ لتوّه يكشر لي عن أنيابه.

2026/02/06 · 2 مشاهدة · 401 كلمة
Jihad Atieh
نادي الروايات - 2026