​كان من المفترض أن تكون المهمة يسيرة؛ مجرد دورية روتينية على طول الحدود. تحركتُ أنا و"ميلكن" ومعلمنا بصمت عبر أحراش الغابة، غافلين تماماً عن الفخ الذي يتربص بنا في العتمة.

​أحياناً، لا أزال أشعر بحرارة الكِير في نخاع عظامي. تلك النيران، وتطاير الشرر، وإيقاع المطرقة فوق السندان.. لقد كان ذلك هو نبض طفولتي. لم يكن أبي يكثر الكلام، لكن كل ضربة مطرقة كانت تلقنني درساً: الدقة، الصبر، والقوة.

أما أمي.. "ليورا فيران".. فقد كانت ذكرى مرسومة بالضياء؛ ضحكتها الخاطفة والمشرقة لا تعيش إلا في أحلامي. انتُزعت مني وأنا في الثامنة، ومنذ رحيلها، انطفأ نور العالم في عيني.

​لكن الآن، كانت ظلال الغابة تفرض عليّ يقظة تامة.

​فجأة، انقضّ الكمين علينا. جنودٌ بالعشرات.. أحاطوا بنا كقطيع من الذئاب الجائعة. وفي مقدمتهم.. برز قائدٌ مقنّع. كان صامتاً، ومميتاً.

​تباطأ الزمن من حولي.

كل ضربة يوجهها كانت دقيقة، ومحسوبة. وكل حركة أقوم بها، كان يتنبأ بها قبل أن أبدأها. وفجأة.. عصفت بي شرارة مباغتة من الإدراك كأنها صاعقة.

تلك الوقفة، تلك التحركات، وذلك السيف..

أهو "ميلكن"؟

مستحيل.

​همستُ وصدرِي يضيق أنفاسه: "لا.. لا يمكن أن يكون هو".

ومع ذلك، كانت كل حركة، وكل طعنة مدروسة، تنطق بحقيقةٍ لم أكن مستعداً لمواجهتها بعد. كان "ميلكن" —أو هذا القائد المقنّع— يراقبني ببرودٍ غريب. لم يتدخل أحدٌ غيره، لكن عينيه.. كانتا تخبئان سراً لم يُقدّر لي فهمه.. بعد.

​تمزق سكون الروضة بصليل الفولاذ. تطاير الشرر، وبدا وكأن الغابة قد حبست أنفاسها. لم يكن هذا مجرد صراع من أجل البقاء.. بل كان اختباراً. درساً في الخيانة، والثقة، والحقائق الموؤودة.

​كل ضربة كانت تدفعني إلى أقصى حدودي. ورغم أنه لم يتكلم كلمة واحدة، إلا أن عينيه كانت تتقدان بغايةٍ محددة. وأخيراً، تراجع خطوة إلى الوراء، متلاشياً في غياهب الظلال.

​لكن السؤال ظل عالقاً في ذهني، حاداً كأي نصل:

"إلى أي مدى تعرف حلفاءك حقاً؟"

​سرت قشعريرة باردة في عمودي الفقري. إن الكِير، والنصال، ودروس صباي.. قد أعدتني لخوض المعارك، لكنها لم تعدّني لتلك الظلال الكامنة في قلوب من أسميتهم أصدقاء.

أما الحقيقة.. أياً كانت.. فقد بدأت خيوطها تتكشف لتوّها

2026/02/06 · 2 مشاهدة · 321 كلمة
Jihad Atieh
نادي الروايات - 2026