الفصل الخامس: صدام الدماء
امتد "نهر الدماء" أمامنا، ومياهه تتوهج بخفوت تحت ضوء النهار المنازع؛ شاهدٌ صامت على قرون من الأسرار، والدماء، والخيانات. أتذكره يوماً كنهرٍ للربيع، مياهه نقية وهادئة، تعكس السماء وضحكات أيامٍ طواها النسيان. أما الآن، فهو يعكس البقعة القرمزية للماضي؛ الألم، الفقد، والندوب التي خلفها الآباء، والمعلمون، والإخوة.
وقف "لوسيان" قبالتي، نصله في يده، وعيناه كأحجار السج (الأوبسيديان) تتقدان بذكريات تمنيتُ لو استطعتُ نسيانها. كل حركة، كل وقفة، كل تلويحة؛ كانت مرآةً لتدريبي الخاص، لكنها كانت أمضى، وأبرد، ومصقولة في سنواتٍ لم أتشاركها معه قط.
— "أنا.. أنت؟". ارتجف صوتي. "أخي.. كيف؟ ولماذا.. ماذا—".
لم يُجب.
شقّت لوحة سيفه الهواء. صرخ الفولاذ، وتطاير الشرر.
تباطأ الزمن.
صددتُ، ومنعتُ، وضربتُ.
كل حركة كانت ناراً، وكل نفسٍ كان ذكرى.
المهمة الأولى؛ أنا، و"ميرليك"، و"ميلكن".
الأكاديمية. الخيانة. وذلك الغموض الذي يكتنف حركاته.. تلك البراعة القاتلة التي لم أعهدها فيه من قبل، وكأنه ظلٌ غريبٌ احتل جسد أخي.
زمجر بين الضربات: "الإجابات.. تُمنح بالدم.. وبالسيف.. والنهر يتذكر".
مزق القتال أرجاء القرية، عبر الأشجار، ومن خلال أصداء الماضي التي كانت تصرخ بصوتٍ أعلى من أي صيحة حرب. كان دقيقاً؛ فكل وقفة ظننتُ أنني أخفيها.. استغلها، وكل ثغرة لم أكشفها قط.. كان يعرفها.
خفق قلبي، واشتعل الغضب في كل عضلة. سنوات من الألم، والفقد، والتساؤلات التي بلا جواب، انصبت كلها في ضرباتي. هاجمت بكل ما أملك؛ كل طعنة كانت اتهاماً، وكل صدة كانت مطلباً للحقيقة.
ضاقت عينا "لوسيان". وبصق الكلمات:
— "أبوك.. كان ضعيفاً. لقد كان يعلم.. ومع ذلك اختار الصمت. أنت عانيت لأنه عجز عن التصرف؛ لأنه كان.. جباناً".
اندفعتُ، والتقى نصلي بنصله، والشرر يتطاير مع كل اصطدام. صرختُ:
— "توقف عن لومه! توقف عن لوم أي أحد!".
لكنه اكتفى بابتسامة باهتة، وعيناه تعكسان التوهج الأحمر للنهر. كان "نهر الدماء" يتدفق تحت أقدامنا، حاملاً ثقل التاريخ. ومع اصطدامنا مجدداً، وصليل سيوفنا يرن كالرعد، أدركتُ أن هذا ليس قتالاً عادياً.
هذا هو الدم.
هذا هو الإرث.
هذه هي الحقيقة المنحوتة في الفولاذ.
توقف "لوسيان" لبرهة.
وجه نصله نحو صدري. أنفاسه متلاحقة، وعيناه تحترقان.
قال: "كل شيء.. حدث بسببها. والآن.. ينتهي الأمر".
رفعتُ سيفي.
ورفع هو سيفه.
أخَوان.
سيفان.
وقرونٌ من الأسرار تنتظر أن تراق.