ـ أمي... هل حقا يوجد شياطين؟

ـ نعم يا صغيرتي... الشياطين موجودة في كل مكان

ـ و لكن أين هم؟... و لماذا لا نستطيع رؤيتهم؟

ـ إنهم معنا في اي مكان نذهب إليه و في كل زمان... و أيضا لا نستطيع رؤيتهم لأنهم مخفيين تماماً و لكن يمكنك الشعور بهم

ـ كيف؟

ـ إن شعرت بضيق في صدرك أو أردت فعل شيء سيء يفسد هذا المجتمع فإعلمي بأن هذا كله بسبب عمل الشيطان

ـ إذن كيف نتخلص منهم؟

ـ سيأتي يوم و ستعرفين ذلك

ذكريات ماضي أصبحت كابوس لي في باطن عقلي، في بعض الأحيان أحلم بهذه الأشياء... أتحدث مع أمي و أنا طفلة صغيرة واضعة رأسي على حجرها و هي تقوم بمداعبة شعري و تحكي لي عن قصص أحياناً تكون خيالية و أحياناً تحكي لي عن الماضي...

فتحت عيني ببطء و إستعدت وعي و أول شيء رأيته هو إنارة الغرفة و السقف، إستدرت يمينا و رأيت صديقتي نائمة على كرسي بجانبي على السرير. رفعت يدي و مددتها حتى وضعتها فوق رأسها أداعب شعرها، لم تستيقظ صديقتي عندما لمستها لأنها غارقة في نومها. بدأت باللعب بشعر صديقتي حتى سمعت صوت كان يتحدث معي.

ـ لقد إستيقظت

إستدرت الى يسار و رأيت رجلا يرتدي مؤزر أبيض طويل و سمعات طبية على كتفيه و يرتدي نظرات، كانت لون عينيه أخضر كاللون العشب الفاتح و لون شعره أسود كسواد الليل. توقفت عن مداعبة شعر صديقتي و أبعدت يدي عنها ثم تحدثت معه بصوت هادئ و لكن كان صوتي يبدوا متعبا.

ـ من أنت؟

إبتسم الرجل إلي ثم إقترب مني حتى وصل بجانبي و إنحنى إلي حتى أستطيع رؤيته و بعدها تكلم.

ـ أنا آدم... طبيب هذه المدرسة... أكيد أنك لم تعرفيني لأنك أول مرة تريني فيها... و أيضا أول مريضة أراها

ـ لماذا؟ ألم يأتي مريض آخر في هذه المدرسة الكبيرة غيري؟

ضحك (آدم) من كلامي ثم بعدها تحدث.

ـ لا... أعني، هناك مرضى أراهم يأتون إلي أحيانا بسبب تهوراتهم و إصاباتهم بسبب مشاكلهم... و لكن أنت؟ هذه أول مرة يأتيني مريض فقد وعيه في صالة الرياضة

لم أرد عليه و بدأت عيني تستكشف المكان حتى نظرت الى نافذة و رأيت أن السحب تجمعت في السماء و ساد مكان في ظلمة مخيفة، إستدرت الى آدم و تحدثت معه.

ـ كم من الوقت و أنا فاقدة الوعي؟

نظر (آدم) الى ساعة التي في معصمه ثم حدق بي مرة اخرى و تكلم.

ـ حوالي خمس ساعات... و غادر جميع الطلاب لأن فترة الدراسة قد إنتهت و لم يبقى سوى أنت و صديقتك

ـ حسنا...

نظر (آدم) إلي ثم إستقام و مد يده الى جبيني حتى يتأكد من أنني لست مصابة بالحمى و بدأ بفحص نبض قلبي بسمعاته الطبية و تأكد من تنفسي إن كان منتظم حتى إنتهى من فحصي و إستدار ذاهبا الى مكتبه و أخرج حقنة صغيرة من درج و ملأها بسائل. نظرت الى ما كان يفعله (آدم) ثم تحدثت معه متسائلة.

ـ ما هذا؟

لم يجب على سؤالي و أكمل ملأ الحقنة حتى إنتهى و إستدار و بدأ بالإقتراب مني مرة اخرى، قام بإمساك بذراعي و بدأ بتقريب الحقنة إليها. سحبت يدي بقوة حتى تحررت من قبضته، نظر (آدم) إلي بإستغراب و الحقنة لا تزال في يده. مد يده حتى يمسك بذراعي و لكنني كنت أبتعد عنه لأنني لا أعرف ماذا يوجد في داخل الحقنة، تنهد (آدم) مستشعرا بخوفي و تحدث بصوت هادئ و هو ينظر إلي.

ـ لا داعي للخوف... جسدك متعب و منهك لذلك فقدت الوعي... و هذه الحقنة ستخلصك من تعب جسدك... لذا من فضلك دعيني أحقنك

نظرت إليه في عينيه ثم مددت يدي بتردد و سمحت له بحقني. أمسك (آدم) بذراعي و أدخل الحقنة في ذراعي و إنتشر السائل الى عروقي، شعرت بوخزة في ذراعي عندما أدخل الحقنة و عندما إنتهى سحب الحقنة و أبعدها من ذراعي ثم مد يده و بدأ بمداعبت شعري بلطف و يتحدث معي مبتسما

ـ سيختفي التعب مع مرور الوقت و ستشعرين بتحسن

ـ متى يمكنني الخروج؟

ـ حتى تمر ساعة أخرى هكذا ستشعرين بأنك أفضل

أومأت برأسي بتعب موافقة على البقاء و أدرت رأسي حتى أنظر الى صديقتي ثم سمعت (آدم) يتحدث معي مرة اخرى.

ـ لدي سؤال لك...

إستدرت إليه مستمعة الى سؤاله الذي خطر بباله فجأة و هو يستأنف حديثه.

ـ ماذا كنت تفعلين داخل صالة الرياضة؟ و كيف قمت بفتح الباب رغم أنه كان مغلقا؟

بقيت صامت و أنا أركز في سؤاله و تذكرت تهديد ذلك المقنع عندما أخبرني بأنه سيقوم بقتل من سيعرف ما جرى معي ... و لكن ماذا يجب علي فعله؟... إن أخبرته بذلك سيموت (آدم). أجبته بكل برود متجنبة النظر إليه.

ـ لا شيء

ـ كيف لا شيء؟ لا تكذبي علي

ـ أنا لا أكذب

إبتعد عني (آدم) و إستدار متجها الى مكتبه ثم أخرج كتاب من درج و عندما رأيت الكتاب إتسعت عيني أكثر لأنني أعرف هذا الكتاب جيدا... إنه كتاب الملعون لذلك الشيطان. إقترب (آدم) إلي و مد يده حاملا الكتاب لإعطائي إياه.

ـ خذي... هذا الكتاب أحضرته صديقتك معها لأنها أخبرتني بأنه وجدته بجانبك عندما فقدتي وعيك

مددت يدي و أمسك بالكتاب بأيدي مرتجفة و أخذته منه.

ـ ماذا كنت تفعلين داخل صالة الرياضة؟ تكلمي

سألني مرة اخرى و أنا أضع الكتاب فوق صدري و أحتضنه بين ذراعيّ.

ـ لا شيء

أجبته نفس الجواب و أنا أمنع نفسي من النظر إليه.

ـ إذن كيف فتحت الباب رغم أنه كان مغلقا؟

سألني مرة اخرى و أنا أحضن الكتاب بقوة أكبر.

ـ وجدته مفتوحا

ـ لا تكذبي علي... أفهتي ذلك

ـ أنا لا أكذب

ـ بل تكذبين... طرقة إمساكك بالكتاب و منع النظر إلى وجهي يدل على أنك تكذبين

ـ أنا لا أكذب

صمت (آدم) و لم يتحدث معي ثم إستدار عائدا الى مكتبه و جلس. شعرت بثقل كبير في المكان و كان الجو متوترا و محرجا جدا. إلتفت الى صديقتي و مددت يدي لأداعب بشعرها حتى يختفي توتري.

مرة ساعة كاملة و أصبح المكان أقل توترا بسبب الهدوء و أصوات ضربات على النافذة تكسر الصمت و يحل في مكانها أصوات مخيفة تأتي صرخات من السماء و كأنه يفرغ غضبه على الأرض و تزداد الضربات أكثر على نافذة يليها شلال ينسدل على الزجاج و على الجدران. نظرت الى المطر و هو يهطل بهذه القسوة و القوة و لكن أحياناً ألقي نظرة على (آدم) و هو يلعب بأوراقه و يكتب خربشات عليها.

ـ هل يمكنني الخروج الأن؟

سألته بهدوء و بكل أدب و أنا أبتسم إليه و لا أعرف لماذا أفعل ذلك. نظر (آدم) الى وجهي المبتسم ثم نظر إلى ساعته.

ـ نعم... بما أنك تبتسمين فبكل تأكيد أنت بخير و تحسنت حالتك... و لكن تحتاجي الى الراحة عندما تعودين الى المنزل

ـ حاضر

قلتها بكل تفاني و جمال رغم أنني لن أحصل على الراحة لأنني سأسهر كل يوم لقراءة أفكار ذلك الشيطان الخبيث... أكرهه بشدة.

وقفت بسرعة و جمعت أغراضي التي بكل تأكيد أحضرته صديقتي معها ثم إتجهت الى صديقتي و أقوم بهزها بقوة حتى تستيقظ من سباتها، و عندما فتحت عينها و سمعت صوتي يتحدث إليها قفزت من مكانها و قامت بإحتضاني بقوة و تبكي على كتفي.

ـ منار... هل أنت بخير؟ كنت قلقة بشدة عندما فقدت وعيك

إندهشت من فعلها و لكنني لم أدفعها بل ضممتها بين ذراعيّ.

ـ أنا بخير كما تري يا مرام

إستمرت صديقتي بالبكاء أكثر و تشد ذراعها حتى كدت أختنق.

ـ لا تقومي بالنواح هنا إذهبي الى مكان آخر و أفرغي دموعك... فأنا لدي الكثير من العمل لأنهيه و لا أريد تنظيف دموعك على الأرض

تحدث (آدم) إلينا و هو يشير بإصبعه الى الباب لنغادر... سأضعه في المركز الثاني في قائمة الكره.

بعد مرور الوقت و بعد أن أنهت صديقتي من بكاء خرجنا من المدرسة و كان المطر يهطل بقوة و أنا نسيت مظلتي و لكن صديقتي أحضرت معها مظلتها.

ـ منار... ما رأيك بأن أرافقك الى المنزل... فالمطر يهطل بقوة و قد تصابين بالزكام إن ذهبت وحدك

وضعت يدي على كتف صديقتي و أنا أبتسم إليها لأجعلها تشعر بالإطمأنان

ـ لا داعي للقلق، سأعود الى المنزل وحدي و أنت عودي الى منزلك... أكيد أن عائلتك قلقة عليك

أومأت صديقتي بالموافقة ثم قامت بتلويح لي كوداع ثم إستدار كل واحد منا في إتجاه عائدين الى منزلنا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نهاية الفصل الحادي عشر

2026/07/18 · 1 مشاهدة · 1293 كلمة
Maria Manar
نادي الروايات - 2026