الفصل الأول

كانت إيليانا عند حوض المطبخ، تغسل كوبًا ثم تعيده للماء كأنها تعيد تشغيل يومها.

الماء حار أكثر مما ينبغي، والحرارة تريحها لأنها ألم يمكن التحكم به.

البخار يعلو ببطء ويلتصق بالنافذة، والهاتف يثرثر بصوت منخفض من الغرفة الأخرى، والضوء على البلاط ساكن كأنه لا ينوي الحركة.

ثم سكن كل شيء أكثر مما ينبغي.

صمت البوق في الشارع وهو في منتصف نبرته.

توقفت قطرة الماء في الهواء، معلّقة كعين زجاجية.

تجمّد البخار في مكانه.

حتى أنفاس إيليانا بدت كأنها لا تجد مكانًا لتذهب إليه، كأن الهواء نفسه لم يعد يسمح بالدخول.

لم تفكر أنها تحلم.

الأحلام لا توقف العالم.

الأحلام تغيّره فقط.

جاء القطع فجأة.

بلا ظلام.

بلا دوران.

بلا فرصة لصرخة.

حين فتحت عينيها كانت واقفة على حجر أسود، تحت سماء رمادية بلا شمس.

الهواء بارد لكنه ليس بردًا طبيعيًا، برد يشبه الحساب، كأن المكان يزن كل خفقة في صدرها.

كان حولها بشر من كل شكل ولغة، وجوه مذهولة، أجساد متيبسة بين الحركة والسكون، عيون تبحث عن حافة.

لم يبدأ الصراخ فورًا.

بدأ بالإنكار.

رجل قال بصوت مرتجف: "هذا حلم."

امرأة أخذت تضحك ضحكة قصيرة متقطعة ثم اختنقت بها.

شاب ركض نحو طرف المنصة وهو يصرخ باسم أحد، ربما أمه.

لم يجد طرفًا.

وجد عتمة تبتلع الضوء.

صرخ.

ولم يرجع صوته.

عندها انكسر الإنكار.

ارتفع الصراخ فجأة، بلغات مختلفة، بنبرة واحدة.

بعضهم سقط أرضًا.

بعضهم تمسّك بأقرب جسد.

بعضهم بدأ يردد أسماء أحبته كتعويذة تحميه.

فوقهم اشتعلت كلمات تحترق في الهواء، كأن السماء نفسها لوحة كتابة.

"مرحبًا بالمختارين"

"المحاكمة الأسبوعية تبدأ الآن"

"الخاسرون يموتون"

"الفائزون ينالون بركات"

كلمة يموتون بقيت معلّقة لحظة أطول من غيرها.

وكان ذلك كافيًا.

ظهرت كتابة جديدة.

"القانون الأول"

"لا ينجو فرد"

"كل مختار يدخل ضمن ثنائي"

"من يبقى بلا شريك يُستبعد"

توهجت كلمة يُستبعد بلون أحمر داكن.

لم يحتج أحد شرحًا إضافيًا.

في مكان يبتلع الصراخ، الاستبعاد ليس خروجًا.

تحوّل الخوف إلى بحث.

ليس عن باب.

عن يد.

رجل أمسك بذراع أول شخص قربه وسأله اسمه قبل أن يرى وجهه.

امرأة صاحت "من معي؟!"

شابان تبادلا أسماء بسرعة وكأن الاسم عقد مؤقت للحياة.

ثم انفتح في الفراغ باب مستطيل من ضوء شاحب، وخلفه ممر ضبابي.

وظهر عدّ فوقه.

30

29

28

في اللحظة التي ظهر فيها الرقم 25، اهتزّت الأرض.

شقّ أسود انفتح عند حافة المنصة، ببطء أولًا، ثم بسرعة مفاجئة.

صرخت امرأة حين انزلقت قدمها، أمسك بها شريكها الجديد في اللحظة الأخيرة، بينما سقط رجل آخر في الفراغ دون صوت ارتداد.

بدأت الحافة تتفتت.

الحجر يتكسر كما لو أن شيئًا تحته يأكله.

العدّ استمر.

18

17

الضوء عند أطراف المنصة بدأ يزحف، باردًا، صامتًا، يبتلع من يقف بلا شريك.

لم يعد هناك وقت للتردد.

بعضهم ركض نحو أول يد تصادفه.

بعضهم دُفع ليصير شريكًا رغمًا عنه.

بعضهم تُرك لأن عينيه قالتا "عبء".

إيليانا لم تصرخ.

سكنت.

بدأت تراقب كما لو أن المراقبة وحدها تعطي فرصة.

رأت من يبكي، من يهدد، من يتظاهر بالتماسك.

ورأت من لا يفعل شيئًا.

هو.

كان بعيدًا خطوة عن الدائرة، قريبًا من عمود حجري محفور برموز.

ملابسه داكنة بلا علامة.

قامته لا تستعرض.

لكن حضوره يشبه بابًا مغلقًا، لا أحد يقترب منه بلا سبب.

عيناه لا تتحركان كثيرًا، ومع ذلك كان يلتقط كل شيء.

العدّ وصل إلى 9.

الأرض تشققت مرة أخرى.

إيليانا تحركت.

ليس لأن قلبها اختاره.

بل لأن عقلها فهم أن من لا يندفع مع القطيع إما غبي… أو خطير.

والغبي يموت أولًا.

توقفت أمامه.

قال قبل أن تنطق:

" ثنائي؟"

قالت: "نعم."

قال: "الاسم."

قالت: "إيليانا."

توقف جزء من الثانية، كأنه يثبت الاسم في ذاكرة لن تنساه.

قال: "أوريون."

وفوقهما ظهرت كتابة خفيفة.

"ثنائي مسجّل"

"الولوج مسموح"

تحرك نحو الباب.

كأن قبولها ليس لطفًا… بل ترتيبًا.

عبر الاثنان قبل أن يصل العد إلى الصفر، وخلفهما انهارت قطعة كاملة من المنصة وسقطت في العتمة.

داخل الممر صار الصمت أثقل.

الضباب يبتلع الصوت.

الحجر تحت الأقدام يشبه أسنانًا ملساء.

ثم وصلوا.

قاعة واسعة، رخام أسود، سقف عالٍ كأنه فم معبد.

الصوت يرتد بخفوت، صدى بطيء لا يشبه صدى الأماكن البشرية.

في المنتصف صف عروش حجرية، ليست للجلوس بل للعرض.

كل عرش فوقه أخاديد جافة تشبه مجاري دم قديم.

خلفها مذابح منخفضة عليها سكاكين حجرية.

الرموز على الجدران تلمع وتنطفئ كنبض بطيء.

رائحة معدن ثقيل في الهواء.

ظهرت الكتابة.

"المحاكمة الأولى"

"قاعة المذابح"

"الوقت 20 دقيقة"

"كل ثنائي مسؤول عن نجاته"

"لكل ثنائي قربان واحد"

"القربان يجب أن يكون حيًا"

"الثنائي الذي لا يقدّم قربانه يُقدَّم كلاهما"

الصمت بعد القراءة كان أثقل من الصراخ السابق.

أوريون تحرك أولًا.

لأنه دخل القاعة أولًا.

ولأن من يدخل أولًا يملك ثانية إضافية من الفهم قبل أن يتحول الفهم إلى فوضى.

أمسك معصم إيليانا.

وسحبها خطوة.

ثم دفعها.

لم ترَ في عينيه ترددًا.

سقطت على أقرب عرش،ارتطم وركها بالطرف اولا لتشعر بلألم الشديد يذهب وعيها، عرش من الحجر البارد والقاسي، وذراعها انزلقت في مجرى محفور كأنه صُمم ليقيد لحمًا حيًا.

الكتابة تغيّرت.

"ثنائي مؤقت تحقق"

"القربان حي"

"البوابة التالية ستفتح"

إيليانا حاولت أن تفهم هل هذا قيد أم حكم، ثم فهمت أنه الاثنان معًا

ارتعشت ليتسرب اخيرا خوفها المكبوت على ملامحها

أوريون وقف قرب العرش، نظر إلى وجهها، لا شفقة، لا اعتذار، فقط مراقبة دقيقة كأنه ينتظر ما ستفعله القاعة

الزوج الآخر صرخ، الرجل رفع قطعة حديد من الأرض كأنه سيهاجم

أوريون تحرك ببرود، خطوة جانبية، قدمه تحركت ثم عادت، الرجل تعثر وسقط كأن شيئًا ضربه في مكان لا يُرى

أوريون لم يلتفت طويلًا، عاد بنظره إلى الرموز على الجدار

العرش تحت إيليانا أضاء بخطوط فضية، وظهر نقش جديد عليه ، كأن الحجر يكتب على نفسه

ثم زحف الوهج نحو جلدها

نحو اول مكان بها اتصل بالعرش

لم يكن هذا موتًا فوريًا

كان ختمًا

ظهرت كتابة فوق العروش

"القربان المختار يُوسَم"

"الوسم لعنة"

"اللعنة مفتاح"

إيليانا أحست بالحرارة قرب وركها، حبر يحترق من الداخل إلى الخارج، عضّت على شفتها كي لا تصرخ

ثم ظهر السطر الذي بدّل كل شيء

"اللَّعنة الأولى"

"سلب القدرة على الكذب"

حاولت إيليانا أن تنطق، أن تصرخ بأحقيتها للنجاه ، أن ترفض، لكن الكلمات تعثرت قبل أن تولد، حلقها انقبض كما لو أن اللغة نفسها قُفلت

لا كذب

أوريون أخفض نظره إلى سطر اللعنة، ثم رفعه إلى وجهها، ولم يقل شيئًا

هيبة الصمت أثقل من أي كلام

ظهر عدّ في أعلى القاعة

19

18

17

الوقت يمشي، والبوابة لم تُفتح بعد، كأن الطقس ناقص

إيليانا نظرت إلى الرموز على الجدار، لاحظت أنها تومض بنمط، ثلاث نبضات ثم سكون، ثم نبضتان ثم سكون، ثم واحدة طويلة

ليس عشوائيًا

رسالة

اخذت عده انفاس لتهدئ اضطرابها واجبرت ادراكها على الوضوح والتركيز

نظرت إلى العروش الثلاثة ثم إلى مذبحين ثم إلى سكين واحدة على المذبح الأقرب

ثلاثة، ثم اثنان، ثم واحد

يعني طقسًا يبدأ، لا بالقتل، بل بلمسة السكين

أوريون كان ثابتًا، كأنه يرفض أن يتحرك بلا يقين، كأنه يعرف أن حركة خاطئة قد تجعل القاعة تطلب أكثر

إيليانا رفعت صوتها بقدر ما يسمح به صدرها المقيد

"لن أستطيع أن أكذب"

لم تكن تستعطفه، كانت تعلن الحقيقة

أوريون نظر إليها نظرة قصيرة، ثم تحرك

التقط السكين الحجرية

وضع حدها على كفها

جرح سريع، دم قليل

كانت محاولة خداع محسوبة، دم يكفي لبدء الطقس دون تقديم قربان كامل

القاعة رفضت

اهتزّت الرموز بعنف، وظهر سطر قاس

"دم القربان لا يكفي"

أوريون تراجع نصف خطوة، كتفه شد، الحسابات أعيدت في عينيه دون كلمة

ثم فعل قراره النهائي

أمسكها ورماها على العرش رمية كاملة، كأنه يقول للمكان خذها بالكامل

ارتطم رأسها بقوه ليتسرب الدم منه مغرقا وجهها

تشوشت رؤيتها لما اجتاحها من الم حارق و يأسٍ غامر، شحت انفاسها ، وتسربت دموعها لاول مره

يزداد تجذر الاستسلام لمصيرها في دواخلها لتقمعه بآخر ماتبقى لها من رغبة في النجاة

اجبرت رؤيتها على التركيز بصعوبه

فالرموز هدأت

ظهرت الكتابة

"القربان قُدِّم"

"البوابة تُفتح"

وانفتح الضوء في الجدار المقابل، مخرج واحد

أوريون عبر

خطوة واحدة ثم ثانية

واختفى

بلا وعد

بلا رجعة

إيليانا بقيت

والمعبد تنفس كأنه شبع

ظهرت كتابة فوقها، خفيفة ثم أثقل

القربان قُدِّم

القربان يُوسَم

القربان لا يُسترد

العرش شدّها إلى الخلف، كأن الحجر يريد أن يعيدها إلى موضع الذبيحة

وظهر سطر واحد كاف لتجميد الدم في عروق من قرأه

"الخروج متاح للناجين"

"والقربان ليس ناجيًا"

في أطراف القاعة تراجع المختارون، أحدهم همس بلغة لا تفهمها

ترجم الهمس في رأسها "اتركوها"

لم يعد هناك بطل هنا

تدافع من بقي لتكرار ما فعله اوريون للتضحيه بشركائهم

فقط أحياء يحمون بقاءهم

إيليانا دفعت ذراعها من مجرى الحجر، تمزق جلدها، سقطت على الرخام، الدم خرج معها، ورائحة معدن، وصوت قلب يضرب كأنه يريد الهرب وحده

الوشم قرب وركها توهج

ضوء فضي أزرق

حروف ليست حروفًا

دوائر تلتف كأنها عيون

كل من نظر إليه ترجم معناه في ذهنه، كل واحد قرأ نصه الخاص من اللعنة

رجل تمتم "لا مهرب من الاعتراف"

امرأة قرأت "الحقيقة سكين"

إيليانا قرأت المعنى الوحيد الذي يهم

لا كذب

بدأت تزحف

كفان على الرخام، ركبتان تجران الرداء، الدم يترك أثرًا خفيفًا ثم يختفي، كأن الحجر يشربه حتى لا يترك دليلًا

اقتربت من البوابة

الضوء أمامها صار كنور جميل ومؤذٍ

مدت يدها

لامست الضوء

لسعة باردة

ثم دفعها الضوء بعيدًا

كأن البوابة تقول "ليس لك"

سمعت من العرش معنى بلا صوت

"القربان لا يخرج"

رفعت رأسها، والدم في فمها معدني الطعم

قالت للقاعدة لا للبشر

"أنا حيّة"

توهج الوشم

ورد الضوء بتردد قصير

ثم قالت إيليانا الحقيقة التي لا تستطيع القاعة إنكارها دون أن تكسر قانونها

"الحقيقة أن القربان حي"

ارتجف الضوء

ظهرت كتابة جديدة لحظة واحدة، تصحيح على عجل

"الخروج متاح لمن بقي حيًا حتى النهاية"

البوابة بدأت تنغلق، الضوء انكمش مثل عين تُغمض

إيليانا دفعت نفسها بكل ما بقي

كتفها دخل أولًا، ثم رأسها، ثم جسدها المدمى

الضوء غمرها، برد شديد ثم نار

ثم رماها خارجًا

سقطت على حجر أسود آخر، وتدحرجت والدم معها، والوشم يحترق بنبض صغير لا يهدأ

ومن خلفها انغلقت البوابة، صوت باب يقفل على من لم يعد يملك أحدًا

وبعيدًا، في مكان لا تراه، كان أوريون قد خرج وحده

لم يعرف إن كانت ماتت

ولم يسأل

إيليانا لم تُنقَذ

إيليانا نجت وحدها

2026/02/17 · 6 مشاهدة · 1572 كلمة
Qio Ruan
نادي الروايات - 2026