في اليوم التالي كانت الجامعة أشبه بخلية نحل مصدومة. لم يتحدث أحد عن شيء آخر. في الممرات، في المقصف، حتى داخل القاعات، كان الهمس مستمرًا:

“هل سمعته؟”

“هل رأيت الضوء؟”

“هل الجزيرة كانت فوقنا أم فوق العاصمة؟”

“هل هذا خداع؟”

“كيف يُسمع صوت واحد في كل الأرض؟”

وجدتُ سليم عند المدخل، ووجهه يحمل نفس الصدمة التي يحملها الجميع… لكن في عينيه أيضًا شيء آخر: رغبة في الإمساك بالمعنى.

سلّمتُ عليه. لم أسأله “هل رأيت؟” لأن السؤال كان مضحكًا: العالم كله رأى.

قال سليم فورًا:

“ريان… أنت كنت فين البارح؟”

قلتُ:

“في البيت. رأيت كل شيء.”

ابتلع ريقه، ثم قال:

“والإحساس… إحساس أن الأمر يتصل بك… أنا لا أدري لماذا شعرت أنني يجب أن أسألك: هل أنت… بخير؟”

هذه المرة لم تكن “هل أنت بخير؟” مجاملة. كانت نبرة من رأى في وجهك شيئًا لا يراه في وجوه الآخرين.

قلتُ:

“أنا بخير.”

ثم أضفتُ شيئًا أقرب إلى الحقيقة:

“لكني لا أفهم كل الحلقات.”

سليم همس:

“المختارون… بعد أسبوع… ماذا سنفعل؟”

نظرتُ إلى ساحة الجامعة. إلى الناس الذين يدرسون بينما السماء أعلنت بطولة كونية. إلى أساتذة يحاولون أن يُكملوا الدرس وكأن شيئًا لم يحدث، لأن التعليم نفسه نوع من المقاومة.

قلتُ لسليم بهدوءٍ لم أكن أعلم أنني أستطيع صنعه:

“نستعد. لكن ليس بهلع. الهلع لا يفتح حلقة واحدة.”

ثم خطرت لي الفكرة التي كنتُ أعرف أنها ستأتيني عاجلاً أم آجلاً:

إذا كانت “البطولة” آلية اختيار… فسيكون لها نظام.

وإذا كان لها نظام، فأنا لا أواجهها إلا بنظام.

لم أقل هذا بصوت عالٍ بعد. قلتُه في داخلي فقط. لأنني لم أعد أريد أن أتفوّه بشيء ثم أكتشف أن ذاكرتي المختومة لا تستطيع دعمه.

اكملنا طريقنا إلى المكتبة. جلسنا ودرسنا قليلًا، لكن الدراسة لم تكن دراسة “محاضرة” فقط؛ كانت محاولة لاستعادة شيء من السيطرة على حياتنا. أن نمسك شيئًا ثابتًا في عالمٍ قرر أن يعلق جزيرة في السماء ثم يمحوها.

ثم رجعتُ إلى المنزل مساءً، وأنا أحمل في داخلي مشهد الضوء الذهبي والصوت الكوني وكلمة “بعد أسبوع”.

ونمت… لكن النوم هذه المرة لم يكن هروبًا بقدر ما كان استعدادًا.

لأنني أعرف شيئًا واحدًا لا يحتاج ذاكرة:

الذي يعلن بطولة على الأرض كلها… لا يعلنها ليترك الناس كما كانوا.

وبداخلي—بلا وعيٍ كامل—كان يقينٌ آخر يتشكل بهدوءٍ مخيف:

حين تعود الجزيرة للظهور… لن تكون مجرد “جزيرة.”

ستكون دعوة.

ودعوةٌ أعرف، رغم كل الأختام، أنها موجّهة إليّ قبل غيري.

كان الأستاذ يحاول—بإصرارٍ يكاد يكون بطوليًا—أن يُعيد العالم إلى حجمه المعتاد: سبورة، طبشور، ومحاضرة لا علاقة لها بسماءٍ انشقّت أمس ونطقت بصوتٍ سمعته الأرض كلّها. وأنا… كنت أحاول معه.

في القاعة، كل شيء كان يبدو “عاديًا” على الورق، لكنه لم يكن عاديًا في صدورنا. العيون معلّقةٌ خلف الجدران، على سماءٍ قد تُقرر أن تفتح جرحًا ذهبيًا مرة أخرى. والأقلام تكتب، لكن الكتابة نفسها ترتجف—ليس خوفًا من الامتحان هذه المرة، بل خوفًا من معنى أكبر.

دخل الأستاذ، وضع حقيبته، نظر إلى الطلبة نظرة من يعرف أنّ أي جملة سيقولها قد تنهار أمام سؤال واحد: هل ما زال الدرس مهمًا بعد ما حدث؟ ثم قال بصوتٍ ثابتٍ لا يصرخ ولا يتهرّب:

“نبدأ.”

كلمة واحدة. كأنه يضع مسطرة على الفوضى ويقول لها: “ارجعي إلى سطرٍ واضح.”

بدأ يشرح موضوع المحاضرة—بلغة قانونية مضبوطة—وكأنه يتعمد أن يثبت لنا أن القانون ليس زينة في أيام الهدوء فقط. كان يتحدث عن المفاهيم الأساسية، يعرّف، يميّز، يربط بين الفكرة وأثرها. بعض الطلبة كانوا يتظاهرون بالتركيز، وبعضهم كان فعلاً يحاول، وكثيرون كانوا يُقاومون رغبةً طفولية بأن يرفعوا أيديهم ويسألوا: “سيدي… هل سمعته؟ هل رأيت الجزيرة؟”

الأستاذ نفسه كان يقاوم. كنت أراه في حركة كتفه، وفي توقفه القصير عند بعض الجمل ثم عودته بسرعة إلى النص. كان حريصًا ألا ينزلق إلى الحديث عن “الحدث”، كأن مجرد ذكره سيُعيده.

جلستُ إلى جانب سليم. لم نتحدث كثيرًا. كان بيننا اتفاقٌ صامت: لا نُكثر من الكلام عن الليلة الماضية هنا، لأن كل الجدران لها آذان، ولأنني—بصراحة—لم أكن أملك حلقات كافية لأتحدث بثقة. كنتُ أحمل إحساسًا بأن الأمر يتصل بي… لكن الإحساس ليس دليلًا.

حاولتُ أن ألتقط الخيط الذي يمده الأستاذ، وأُمسكه كمن يمسك حبل نجاة: الكلمات القانونية تُنقذك حين يُصبح العالم بلا شكل. كنت أكتب، وأُعيد ترتيب المفاهيم في رأسي، وأحاول أن أُقنع نفسي: طالما الزمن يتحرك، فالحياة تستمر.

ثم—دون مقدمات—حدث ما جعل “الاستمرار” نفسه يبدو ككذبة مؤقتة.

لم يرن هاتف. لم يدخل شخص. لم ينطفئ الضوء. فقط… ظهرت شاشة.

في البداية ظننتها انعكاسًا في عيني من التعب، لكن صرخةً مفاجئة من الصف الخلفي قطعت أي شك:

“شنو هادشي؟!”

وبين الصرخة والرمشة، كانت الشاشات قد ظهرت للجميع.

لم تكن شاشة على السبورة، ولا على الحائط. كانت واجهة شفافة معلقة أمام كل شخصٍ وحده—كأن الهواء صار مرآةً خاصة، لكل عينٍ شاشة، ولكل نفسٍ ملف.

توقفت حركة الأستاذ لثانية، لكنه لم يتجمد كما تجمد سابقًا. هذه المرة لم يتوقف الزمن… الزمن كان يمشي، لكن العالم قرر أن يضيف طبقة فوقه.

سمعت أصواتًا متداخلة:

“أنا كيبان ليا سميتي!”

“حتى أنا!”

“واش هادي مزحة؟!”

“شوف… كاين رقم!”

رأيت طالبة تضع يدها أمام وجهها، كأنها تحاول مسح الشاشة، لكن يدها اخترقت الهواء ولم تمس شيئًا. ورأيت طالبًا يضحك ضحكة عصبية، ثم يسكت فجأة حين قرأ ما أمامه.

الأستاذ رفع يده، حاول أن يفرض النظام على الفوضى من جديد:

“هدوء… هد—”

لكن كلمة “هدوء” كانت ضعيفة أمام حدثٍ يُعلّق أسماء الناس في الهواء.

لمحت على شاشة أحد الطلبة—من زاوية عيني فقط—صيغة متكررة:

— — —

الملف الشخصي

الاسم: …

المستوى: 1

— — —

كانت كل الشاشات متشابهة. كل الأرقام 1. كأن العالم كله بدأ من الصفر في اللحظة نفسها، أو كأن النظام قال للجميع: “أنتم الآن ضمن سلمٍ واحد—من هنا تبدأون.”

سليم كان يحدق أمامه كأن عينيه لا تريدان أن ترمشان. همس لي بصوتٍ خافت جدًا:

“ريان… شوف… سميتي و… المستوى 1.”

ثم، وبحركة تلقائية، نظر إليّ ليرى هل شاشةُ كل الناس مثل شاشة الناس.

هنا بالضبط… انشقّ داخلي.

لأن ما ظهر لي لم يكن مثلهم.

لم تظهر لي تلك الواجهة “العامة” البسيطة. بل ظهرت أمامي الواجهة التي أعرفها… الواجهة التي رأيتها حين توقف الزمن، والتي ظننت—لثانيتين فقط—أنها ستظل حدثًا لا يتكرر.

كانت أكثر كثافة. أكثر صرامة. وكأنها لا تعرض “تعريفًا” بل تعرض “حكمًا”.

ظهرت كلماتها أمامي بوضوحٍ جارح، بنفس النبرة التي رأيتها سابقًا: نبرة لا تعتذر.

— — —

تمّت مزامنة الواجهة.

الملف الشخصي

الاسم: ريان

العمر: 19

مستوى الصقل: الإمبراطور السماوي الخالد

— — —

ثم، تحتها، كأن النظام يتعمد أن يضربني على نفس الجرح:

— — —

تذكير بالأختام والقيود

تم تفعيل نظام مستويات الختم

الحد المسموح للقوة التي تستطيع استخدامها:

0,000000000000000000000000000000001

الذاكرة: مختومة

المتاح: المعرفة المُكتسبة فقط

— — —

قرأت السطور مرة… ثم مرة ثانية… ثم شعرت أن القاعة كلها ابتعدت عني خطوة، رغم أنها لم تتحرك.

كأن النظام يقول لي حرفيًا:

ما يحدث لهم… ليس أنت.

سلمهم ليس سلمك.

شاشتهم ليست شاشتك.

حتى لو ظهر “نظام” للعالم… فأنت لست ضمن هذا العرض.

لم يكن هناك سطر يقول ذلك صراحة. لكنه كان يُقال بين السطور، بالطريقة نفسها التي يقرأ بها طالب القانون حكمًا قضائيًا: لا يهم ما يقال فقط، بل ما يُفهم من البنية واللغة والسياق.

سليم قال شيئًا، لكن صوته وصلني كأنه يأتي من نهاية ممر طويل:

“ريان؟… شنو بان ليك؟”

رفعت بصري إليه. كان ينتظر أن يراني مثلهم. أن تكون شاشتي مثل شاشة الجميع: اسم، مستوى 1، وربما لا شيء أكثر.

لم أستطع أن أعطيه الحقيقة. ليس خوفًا منه، بل لأن الحقيقة نفسها لا تملك “جسرًا” إلى عقله. كيف أشرح له: أنا عندي شاشة ثانية، وشريط من الأختام، ورقمٌ مستحيل، وذاكرة لا تسعفني بقصة، فقط بمعرفة؟

ابتلعت ريقي، وقلتُ جملة واحدة تصلح في الجامعة وتصلح في المحكمة وتصلح أمام القدر:

“كلشي… بحالكم.”

كانت كذبة ناقصة. لكنها كانت أيضًا حماية. حماية له… وحماية لي. لأنني أدركت شيئًا وأنا أرى “المستوى 1” على شاشات الجميع: هذا النظام الجديد—مهما كان—هو أول ظهور من نوعه لهم. أول مرة تُقاس فيها الناس علنًا، أول مرة يُرى فيها رقمٌ فوق الاسم كأنه حكمٌ اجتماعي جاهز.

العالم سيجنّ من هذه الأرقام حتى لو كانت كلها “1”. سيبدأون بالسؤال: كيف نصعد؟ كيف نترقى؟ من يملك أعلى؟ من المختار؟ من الأقوى؟

وسيبدأ خوفٌ جديد، ليس خوف الضوء الذهبي فقط، بل خوف “القياس” الذي يحول البشر إلى أهداف.

الأستاذ كان يحاول السيطرة. صوته ارتفع قليلًا لأول مرة:

“ضعوا هواتفكم… لا، ليس الهواتف—اقصد… ركزوا! هذه… هذه ظاهرة عامة، لكن الآن نحن في محاضرة.”

قالها وهو نفسه ينظر حوله كمن يعرف أنها جملة ضعيفة. لأن “الظاهرة العامة” دخلت القاعة وجلست على وجوه الطلبة.

طالب من الأمام قال بصوت مرتجف:

“سيدي… كلشي كيبان ليه سميتو… واش هادي شي خدمة ديال الدولة؟”

طالبة قالت:

“واش هادي هي ‘المانا’ اللي كيهدرو عليها فالفيديوهات دابا؟”

الكلمة خرجت من فمها لأول مرة في القاعة، مثل حجرٍ يُرمى في ماء ساكن. “مانا”.

لم تكن الكلمة مألوفة في سياقنا الأكاديمي… لكنها ظهرت الآن على ألسنة الناس كأنهم كانوا ينتظرونها.

سليم همس لي بسرعة:

“سمعتي؟ قالو مانا… واش هادي هي اللي قال عليها الصوت ‘مختارين’؟”

لم أجب. لأن الكلمة “مانا” ضربت شيئًا في داخلي. ليس ذكرى، بل صدى معرفة.

أنا أعرف هذه الكلمة أكثر مما ينبغي… ومع ذلك لا أملك مشهدًا واحدًا يثبت كيف أعرفها. تمامًا كما قال النظام: المتاح هو المعرفة فقط.

حاولت أن أتجاهل الصدى، لكن شاشة “الأختام” أمامي لم تسمح. كانت ثابتة كوثيقة رسمية، وكأنها تقول: حتى لو وُزعت المانا على العالم، أنت محكوم بسقفٍ لا يُرى. أنت تحمل محيطًا خلف قفل.

شعرت لأول مرة بوضوحٍ حاد بمعنى “الختم”: ليس قيدًا على القوة فقط، بل قيدٌ على الهوية. قيدٌ يمنعني أن أكون ضمن أي شيء “عام”.

ووسط هذا… أحسست بصفعة نفسية. ليست من النظام فقط، بل من نفسي:

أنا كنت أتخيل—ولو بخيطٍ صغير—أن ظهور النظام للناس يعني أنني سأكون “ضمنه”، أنني سأجد حلقة ناقصة تكتمل.

لكن الواجهة الخاصة بي لم تفعل شيئًا سوى أن تذكّرني بأنني خارج التجربة العامة. كأن العالم كله دخل برنامجًا جديدًا… وأنا عندي برنامج آخر، مغلق، لا أرى منه إلا القيد.

سليم لاحظ أن وجهي شحب قليلًا. سألني بصوت لا يسمعه غيري:

“راك كتهز… واش بصح بخير؟”

نظرت إليه، وتمسكت بأبسط سلاح عندي: الهدوء المصطنع.

“بخير.”

ثم أضفت جملة صغيرة، لأشغله عنّي:

“شوف… كلشي عندو المستوى 1… حتى أنت. هادي غير بداية.”

كان يريد أن يسأل أكثر. رأيته في عينيه. لكن الأستاذ قطع كل الأسئلة حين قال بحزمٍ أقرب إلى قرار إداري:

“نوقف المحاضرة خمس دقائق. أي واحد يحاول يخرج من القاعة بدون إذن… لا. ابقوا هنا. لا نعرف ما الذي يحدث، لكن الهلع لا يفيد.”

بعض الطلبة ضحكوا ضحكة قصيرة من التوتر. آخرون بقوا جامدين. وبدأت الشاشات—بدون أن تختفي—تُصبح كأنها طبقة طبيعية فوق الرؤية. كأن العين تتأقلم مع الغريب حين لا تملك خيارًا آخر.

أنا… لم أتأقلم. لأن شاشتي لم تكن “بداية”. كانت تذكيرًا بأن النهاية قد حصلت ثم خُتمت.

حاولت أن أجرّب شيئًا صغيرًا، بدافعٍ علمي لا بدافع استعراض: رفعت يدي ببطء، وشعرت بتيار خفيف جدًا في أطراف أصابعي. ليس حرارة، بل إحساسٌ بأن شيئًا يريد أن يتحرك… ثم يتوقف عند حاجز غير مرئي. كأن “0.000…001” رقمٌ يعيش في جسدي، لا على الشاشة.

سحبته فورًا. ليس خوفًا من الأستاذ أو الطلبة، بل خوفًا من نفسي. لأنني لا أثق “بصغر” هذا الجزء إذا كانت القوة الأصلية خلفه بحجم كون.

في تلك اللحظة، سمعت همسًا من الصف الخلفي:

“واش كلشي غادي يبقاو فـ المستوى 1؟ كيفاش نطلعو؟”

وردّ آخر: “أكيد غادي يكون تدريب… شي شي حاجة ديال المختارين.”

ثم ثالث: “أنا باغي نعرف شنو كاين فـ المستوى 2…!”

كنت أسمعهم، وأشعر بوخزة باردة:

هم يظنون أن هذا سلمٌ للجميع، وأنه سيصنع لهم معنى جديدًا، وربما كرامة جديدة.

أما أنا… فأشعر أن السلم الذي عشته لا يحق لي أن أتذكره، ولا يحق لي أن أستخدمه إلا كمعرفة صامتة.

الأستاذ عاد إلى كرسيه، نظر إلى الطلبة، ثم قال بصوت أقل حدّة:

“نكتب ملاحظة واحدة فقط قبل أن نكمل… أو قبل أن ننهي. أي رقم يظهر أمامكم… لا يعني حكمًا على قيمتكم كطلاب أو كبشر. لا تُحوّلوا أنفسكم إلى أرقام.”

الجملة كانت جميلة… لكنها بدت كمن يضع لافتة “ممنوع الغرق” على شاطئ عاصفة. ومع ذلك، كان الأستاذ يحاول. وهذا وحده كان محترمًا.

التفتُ إلى سليم. قلت له بصوتٍ منخفض:

“نروح للمكتبة بعد الحصة. هنا ما غاديش نقدر نركز.”

أومأ. كان ما يزال مذهولًا، لكنه تمسك بخطة بسيطة: إذا اهتز العالم، تمسك بما تستطيع أن تفعله الآن.

الشاشات ظلت معلقة. بعض الطلبة بدأوا يتبادلون صورًا—ليس من هواتفهم فقط، بل من أعينهم: “شوف شاشتي، شنو كيبان عندك؟”

لكن الغريب أن كل الشاشات العامة كانت نسخة واحدة: اسم + مستوى 1. لا امتياز. لا تفاضل. فقط إعلان افتتاح.

أمّا أنا، فكنتُ أشعر بأن شاشتي وحدها تحمل “الصفعة”:

تذكير بالأختام.

تذكير بأنك لست معهم.

تذكير بأن بطولتهم—إن كانت هذه بطولة—لن تُعطيك حق الانضمام تلقائيًا.

حاولت أن أبحث في رأسي عن حلقة تربط بين هذه اللحظة وبين ليلة الضوء الذهبي. بين “المختارين” وبين “المستوى 1”. بين الجزيرة وبين هذه الواجهات.

لكن كل مرة أصل إلى حافة، أجد نفس الجدار: ذاكرة مختومة.

بقيتُ أنظر إلى الواجهة أمامي لحظة أطول مما ينبغي. ثم لمعت سطورها للحظة قصيرة—لا نص جديد، فقط وميض كأن الشاشة تقول: “أنا هنا… لا تنسَ.”

وأنا لم أنسَ. لم أستطع أن أنسى حتى لو أردت.

انتهت الدقائق الخمس، ولم يعد أحد قادرًا على العودة إلى المحاضرة كما كانت. الأستاذ حاول أن يكتب جملة على السبورة، ثم توقف، ثم قال:

“نكتفي اليوم.”

ثم أضاف:

“اذهبوا بهدوء.”

وقفت. سليم وقف معي. خرجنا إلى الممر، والعالم كله كان يبدو كأنه يرتدي شاشة شفافة فوق وجهه.

أما أنا… فكنتُ أمشي وبين عينيّ شاشة أخرى، تقول لي بلا رحمة:

أنت لست ضمن ما يحدث لهم.

وفي داخلي، تحت ذلك، كان شيء أقدم يهمس—بنفس نبرة الليلة الذهبية، لكن بلا صوت:

بعد أسبوع… سيعود كل شيء ليتخذ شكله الحقيقي.

2026/03/02 · 1 مشاهدة · 2142 كلمة
foshi rayane
نادي الروايات - 2026