كنتُ في البيت حين بدأ “اللقب” يتحول من فكرةٍ على شاشة إلى زلزالٍ اجتماعي.

قبلها بأربع ساعات فقط، كان الناس ما يزالون في طور التكيّف مع ظهور النظام: أسماء معلّقة في الهواء، مستوى واحد للجميع، وأسئلةٌ تتناسل أسرع من أي جواب. ثم فجأة—كما لو أنّ النظام تذكر خطوةً ناقصة—ظهر إشعارٌ عام لكل البشر:

تم اختيار ألقابكم.

لم أرَ الإشعار بعيني في الشارع، لكنني رأيته في أثره فورًا: هاتفٌ يهتز، رسائل تتسابق، أصوات من النوافذ، سيارات تتوقف في منتصف الطريق، مقاطع تُبثّ في كل مكان. كأنّ العالم اكتشف فجأة أن لديه “اسمًا ثانيًا” لا يمنحه أبوه ولا الدولة ولا الجامعة… بل تمنحه جهة لا ترى وجهها.

كنتُ في غرفتي، جالسًا على طرف السرير، أحاول أن أستعيد هدوءًا مصطنعًا بعد يومٍ طويل: محاضرة لا أحد ركز فيها حقًا، وشاشات معلّقة في الهواء، ودعوة بطولة تحوم في رأسي مثل حجرٍ لا يسقط.

رنّ هاتفي.

اسم سليم ظهر على الشاشة. ضغطت “إجابة”.

جاء صوته سريعًا، حادًا من فرط الحماس والخوف معًا:

“ريان! واش شفت؟! النظام عطى الألقاب للناس كاملين!”

قلتُ بهدوءٍ متعمد: “سمعت… شنُو وقع عندك؟”

ضحك ضحكة قصيرة، ثم قال بجملةٍ واحدة كأنها يريد أن يثبتها في الهواء قبل أن تختفي:

“أنا… جاني لقب: ساحر الكلمات .”

سكتُّ ثانية. ليس حسدًا، ولا دهشة بمعناها البسيط، بل لأن اللقب ضرب فكرةً حساسة في رأسي: “الكلمات” بالذات هي سلاح طالب قانون. والكلمات أيضًا هي ما كنتُ أستعمله لأبني نظامي، ولأختبر الأستاذ في القاعة، ولأُحوّل الدرس إلى سلم مهارات. كأن النظام رأى في سليم شيئًا مرتبطًا بالكلام… أو رأى فيه مسارًا سيُصبح مهمًا لاحقًا.

سليم تابع، صوته صار أخف:

“كنتي كنقول… واش اللقب كيكون مرتبط بالشخصية؟ ولا بالقدرة؟ ولا بالمجال اللي كيتحرك فيه الواحد؟”

قلت: “غالبًا… خليط. ولكن…”

ثم جاء السؤال الذي كنتُ أعرف أنه سيأتي، لكنه جاء بسرعة أكبر مما توقعت:

“وأنت يا ريان… شنو اللقب اللي جاك؟”

هنا بالضبط توقفتُ.

ليس لأنني كنت أتهرب، بل لأن السؤال فتح فراغًا مباشرًا: لم يصلني شيء.

كنتُ أتوقع—ولو بخيطٍ رفيع—أن يصلني لقبٌ ما. ليس لأنني أستحق “تتويجًا”، بل لأن النظام نفسه أشار إليّ سابقًا بألف طريقة: زمن متوقف، واجهة خاصة، أختام، مستوى صقل غريب، دعوة للبطولة. فكيف… لا يصلني لقبٌ مثل البشر؟

حدّقتُ في الهواء أمامي، كأنني أنتظر أن تومض الشاشة في هذه اللحظة لتُنقذني من الصمت. لم تومض. الهاتف في يدي صار أثقل.

سليم، على الطرف الآخر، سكت هو أيضًا. سمع صمتي كما يسمع الإنسان بابًا لا يُفتح. قال بصوت أقل:

“ريان؟”

بلعتُ ريقي. قلتُ الحقيقة كما هي، بلا تزويق:

“ما وصلني حتى شي حاجة.”

ساد صمتٌ قصير. صمتٌ من النوع الذي يشبه وقوفك أمام مرآةٍ ترى فيها أنك وحدك لا تحمل نفس العلامة التي يحملها الجميع.

سليم قال بسرعة، وكأنه يريد أن يُنقذ الموقف:

“يمكن كيتأخر… يمكن عندك لقب خاص… يمكن—”

لم أكمل معه الافتراضات. لأنني في تلك اللحظة بالذات… ظهر لي إشعار.

ليس الإشعار العام الذي ظهر للناس. بل إشعار من نظامي أنا —بنفس النبرة الباردة التي تذكّرني دائمًا بالأختام والقيود. ظهر أمام عيني كأنه صفعةٌ ثانية، مباشرة بعد اعترافي بأنني لم أتلق لقبًا.

قرأته، وشعرت أن قلبي انقبض بطريقةٍ هادئة لكنها موجعة:

تنبيه خاص: ضمن البطولة سيتم ختم كامل القوة الطاقية. وسيتم ختم القوة الجسدية حتى تصبح ضمن حدود قوة شخص بالغ طبيعي.

توقفتُ عن التنفس لثانية.

أنا الذي كنتُ أظن—حتى مع القيود—أن هناك “أملًا” في لقب أو امتياز يعطيني فتحةً صغيرة في الجدار… تلقيت رسالة تقول: لا فتحة. سنغلق كل شيء.

لم تكن الرسالة تهددني بالموت. لكنها كانت تهددني بشيءٍ أعرفه جيدًا كطالب قانون: تهددني بـ نزع الصلاحية . أنت مدعو… لكن بسلاحٍ مسحوب. أنت حاضر… لكن كمواطنٍ عادي في ساحةٍ غير عادية.

ضحكتُ ضحكة صغيرة خرجت منّي رغماً عني. ضحكة ليست فرحًا، بل ذهولًا يلبس قناع الفكاهة كي لا ينفجر:

“هههه… يا سلام.”

سليم سمع الضحكة وتوتر:

“شنو؟ شنو جاك؟”

كنتُ ما زلتُ أحدّق في الإشعار. أحسست بإهانةٍ رمزية، كأن النظام يقول لي: “لا تفرح كثيرًا بفكرة أنك مختلف. سنجبرك أن تكون عاديًا… حين نريد.”

قلتُ لسليم ببطء، وأنا أختار الكلمات حتى لا أُغرقه:

“جا عندي إشعار… ماشي لقب. كيبان… أنه فالبطولة غادي يختمو عليّ القوة كاملة… الطاقية والجسدية… ويخلّيوها بحال قوة شخص بالغ عادي.”

على الطرف الآخر سكت سليم. ثم قال:

“كيفاش؟ يعني… أنت… حتى أنت عندك ‘قوة’ أصلاً؟”

الجملة خرجت منه كصفعة مضادة. كأنه فجأة أدرك أنني لست مثل الباقين. ثم تراجع بسرعة، وأضاف بنبرة أقل حدّة:

“سمح ليا… ما قصدتش… غير تفاجأت.”

أنا لم أغضب. كنتُ أتوقع هذا السؤال منذ أسبوعين. لكنني لم أكن أريد أن أضعه داخل هذا الاتصال الآن. ومع ذلك… لا يمكنني أن أكذب كليًا. قلتُ له الحقيقة بأقل قدرٍ من التفصيل:

“أنا… عندي قيود قديمة من قبل. ماشي دابا. وما كنقدرش نفسر لك الحلقات كاملة، حيث حتى أنا ما كنقدرش نتذكر كلشي. غير اللي كنعرفه: كاين ختم، وكاين حدّ، ودابا كيقولو غادي يتختم كلشي فالبطولة.”

سليم تنفّس بصوتٍ مسموع، ثم قال بجدية:

“وهذا… خطر.”

قلتُ: “وخاصة لأنه صفعة بعد صفعة. كنت كنظن اللقب غادي يعطي شي معنى… جا العكس.”

سليم حاول أن يستعيد توازنه، لأنه بطبيعته عندما يُربك يُحوّل الارتباك إلى أسئلة عملية:

“ولكن… إذا ختملك القوة حتى تولي بحال شخص بالغ عادي… فهذا يعني أنك غادي تدخل البطولة بحال الناس؟ ولا غادي يدخلوا هم بقواهم ويدخلوك أنت بلا شيء؟”

السؤال كان ذكيًا جدًا. لأن الظلم الحقيقي ليس أن تُختم، بل أن تُختم وحدك.

أنا لم أملك جوابًا. الإشعار لم يذكر ما سيحدث للآخرين. لكن منطق “البطولة” يجعلني أظن أن هناك معيار توازن ما… وإلا صارت البطولة مذبحًا.

قلتُ: “ما عنديش جواب. ولكن غالبًا البطولة عندها قواعد. ربما يتم توحيد السقف للجميع داخل ساحة البطولة… أو توزيع الفئات… أو شيء من هذا.”

ثم صمتُّ قليلًا، وقلت بمرارة خفيفة: “لكن واضح أن النظام كيعاملني كحالة خاصة… حتى في القيد.”

سليم قال بهدوء، وهذه أول مرة أسمع منه نبرة “وفاء” صافية غير ممزوجة بالفضول:

“المهم… ماشي غادي نخليك بوحدك. أنا حتى أنا مدعو، وجاني لقب… ولكن ما عرفت واش اللقب غادي يعطيني شي قدرة ولا غير اسم.”

ابتسمتُ رغم الضغط. “ساحر الكلمات” قد يكون مجرد لقب رمزي، أو قد يكون مفتاحًا لشيء قادم. لكن حتى لو كان مجرد اسم، فهو على الأقل إدماج في التجربة العامة. وأنا… كنتُ أشعر أن النظام يضعني خارجها عمدًا.

قلتُ له: “تمام. خليك مركز. أسبوع واحد. ما نضيعوش في الشائعات.”

سليم سأل آخر سؤال قبل أن يُنهي الاتصال، لأنه يعرفني ويعرف أنني أحتاج أحيانًا دفعةً صغيرة:

“شنو غادي تدير دابا؟”

نظرتُ إلى الإشعار مرة أخرى. ثم أغلقتُه. ليس لأنه اختفى، بل لأنني لم أعد أحتمل النظر إليه. قلت:

“غادي نرجع لأصل طريقتي: نظام. إذا كانوا غادي يختموا القوة ويخلّيوها عادية… فهذا يعني أن المعركة الأولى ماشي قوة… بل عقل. وأنا عندي المعرفة.”

سليم قال بسرعة: “يعني غادي تطبق LDEF على البطولة؟”

ضحكتُ بخفة هذه المرة، ضحكة فيها شيء من التحدي الحقيقي:

“بالضبط.”

أنهينا المكالمة. بقيتُ وحدي في الغرفة.

جلستُ على المكتب، فتحتُ دفتري، وكتبت عنوانًا دون أي زينة:

“أسبوع ما قبل البطولة — خطة تشغيل”

ثم سطرت ثلاثة أعمدة كما اعتدت:

ما أعرفه يقينًا

ما لا أعرفه

ما أستطيع فعله الآن

وتحت “ما أعرفه” كتبت الجملة التي كانت كالحجر في بطني: “سيتم ختم القوة الطاقية بالكامل، وختم القوة الجسدية إلى حدود شخص بالغ طبيعي.”

أعدت قراءتها، ثم كتبت تحتها مباشرةً، كمن يرفض أن يستسلم لجملة واحدة:

“إذن: الميزة الوحيدة الثابتة = المعرفة + الانضباط.”

وفي آخر الصفحة كتبت سطرًا صغيرًا ساخرًا، حتى لا يختنق صدري:

“كنتُ أنتظر لقبًا… فجاءني ختم إضافي. شكرًا على حسن الاستقبال.”

ثم أغلقت الدفتر، ونظرت إلى سقف الغرفة.

لم أكن أعرف هل عليّ أن أخاف أكثر أم أقل. لكنني كنتُ أعرف شيئًا واحدًا بوضوح تام: إذا كانت البطولة ستُجرّدني حتى من “الوهم” بأنني أملك قوة… فهذه ليست بطولة للأقوياء.

هذه بطولة لمن يستطيع أن يقاتل وهو عادي … دون أن ينهار.

وفي الخارج، كانت المدينة ما تزال تتكلم عن الألقاب، وتتباهى بها، وتخترع لها معاني في دقائق. أما أنا… فكنتُ أشعر أنني، مرة أخرى، على هامش البشرية: لا لقب، بل ختم. لا امتياز، بل قيد.

ومع ذلك—رغم الصفعة—كان هناك شيء صغير جدًا في داخلي يرفض أن ينطفئ:

إذا كان النظام يختم كل شيء… فهذا يعني أنه يخاف من شيء. وإذا كان يخاف… فهذا يعني أن هناك طريقًا.

ولأول مرة منذ أسبوعين، لم أحاول استرجاع الذاكرة. تركت الفراغ مكانه. وبدأتُ أستعد.

2026/03/02 · 1 مشاهدة · 1303 كلمة
foshi rayane
نادي الروايات - 2026