مرّ أسبوعان… وأنا أحاول أن أعيش حياة “طبيعية” فوق أرضٍ لم تعد طبيعية في داخلي.
في النهار كنتُ طالبًا كما كنتُ دائمًا: أذهب إلى الجامعة، أُحيّي سليم، نجلس في المكتبة، نراجع محاضراتنا، نضحك قليلًا على جدّية بعض التعريفات، ثم نعود إلى نفس الأسئلة القديمة عن الامتحان، عن الوقت، عن الإرهاق. وفي الليل… كنتُ شيئًا آخر. في الليل كانت الحقيقة تحاول أن تعود من مكانٍ لا أستطيع الوصول إليه.
كنتُ كل مساء أجرّب نفس الطقس كمن يطرق الباب نفسه أملاً أن يلين القفل: أُطفئ الضوء، أجلس على حافة السرير، أُغمض عينيّ، وأحاول أن أسترجع… أي شيء من ذلك الزمن المتوقف. وجهًا، صوتًا، مدينةً، معركةً، فكرةً لها رائحة. لكن كل ما كنتُ أحصل عليه كان مثل فواتير بلا صور:
نعم، حدث شيء. نعم، الزمن توقف. نعم، عدتُ بقوة هائلة. نعم، أغلبها مختوم. نعم، بقيت المعرفة.
أما “القصة”… فكانت مغلقة بختمٍ لا أرى مفتاحه.
الغريب أنني لم أكن أشعر بالجنون. كنتُ أشعر بعكس ذلك: بشيءٍ قاسٍ وعملي في رأسي يقول: هذا ليس لغزًا رومانسيًا، هذا إجراء.
إجراءٌ جعلني أستطيع أن أعيش وسط الناس دون أن أنهار تحت ثقل “مئتي ألف سنة” لو كانت ذاكرتي مفتوحة.
لكن الإجراء نفسه جعلني في وضعٍ غريب: كأنني حصلت على شهادةٍ عليا في علوم لا أملك إثباتًا أنّي درستها، ولا أملك قصةً تفسّر كيف وصلت.
في الجامعة حاولت أن أتصرّف بهدوء. سليم كان يلاحظ التغير، لكنه لم يكن يضغط. كان ذكيًا في هذا: يترك لك مساحة كي تتنفس، لكنه لا يتركك تغرق وحدك.
في أحد الأيام ونحن في المكتبة، قال وهو يقلب صفحات ملخصه:
“ريان… أنت صرت تجاوب بسرعة… ليس سرعة حفظ، بل سرعة فهم. كأنك ترى شكل السؤال قبل أن ينتهي.”
ابتسمتُ بلا مبالغة.
“ربما لأنني صرتُ أفهم ‘بنية’ السؤال أكثر من الكلمات.”
قال وهو يضحك بخفة:
“يعني حتى الأسئلة عندك صار عندها نظام؟”
قلتُ:
“لو عرفتَ ما الذي صار له نظام فعلًا… لضحكت أقل.”
لم أقل أكثر. لا فائدة من الكلام. لأنني مهما تكلمت لن أستطيع أن أروي “هناك”، ولن أستطيع أن أشرح له معنى أن تكون قوتك محكومة بحدٍّ رقمي يكاد يكون صفراً. كان سيصدقني؟ ربما. لكن أي تصديق سيتحوّل بعد يومين إلى قلق: هل أنت بخير؟ هل تحتاج طبيبًا؟ هل تتخيّل؟
وأنا… كنتُ بخير. على الأقل كنتُ بخير بالمعنى الذي يسمح لي أن أواصل.
كنتُ أُجرّب قوتي أيضًا، ولكن بتواضعٍ شديد. ليس لأنني جبان، بل لأنني أعرف شيئًا لا يعرفه غيري: أنني لو أخطأت في التقدير، فقد لا تكون النتيجة خدشًا في الحائط، بل كارثة. الختم وضع لي رقمًا صغيرًا جدًا… لكنني لم أعد أثق أن “الصغير” صغير عندما تكون الطاقة الأصلية لا تُقاس بعقل بشر.
مرّت الأيام، وأنا أتعلّم التعايش مع فراغٍ داخلي لا يؤلم، لكنه يربك: فراغ الأحداث. كأنني كتابٌ ضخم حُذفت منه الفصول وبقيت العناوين والقوانين.
ثم جاءت تلك الليلة.
كانت ليلة عادية حتى اللحظة التي لم تعد فيها عادية.
كنتُ نائمًا. نومٌ ثقيل لا أحلام فيه. ثم استيقظتُ على شيءٍ لم يكن صوتًا فقط، بل إحساسًا بأن الهواء نفسه ارتجف. فتحتُ عينيّ. لم أفهم. الغرفة مظلمة، لكنّ الظلمة ليست كاملة… كان هناك نورٌ يتسلل من النافذة، نورٌ لا يشبه أضواء الشوارع، ولا يشبه ضوء سيارة عابرة.
نهضتُ ببطء، وذهبتُ إلى النافذة.
السماء… كانت مضيئة.
ليس ضوءًا أبيض عاديًا، بل ضوء ذهبي عميق، كأن المدينة كلها وُضعت داخل كأسٍ من العسل المشتعل. الضوء لم يأتِ من جهة واحدة؛ كان يُنير كل شيء كما لو أنه خرج من السماء نفسها. الناس في الشارع بدأوا يخرجون من بيوتهم، أصوات أبواب تُفتح، همهمات، صرخات قصيرة: “انظروا!”، “ما هذا؟”، “يا الله!”
ثم حدث الشيء الذي جعل قلبي يتوقف لحظةً داخل جسدي، رغم أن الزمن لم يتوقف هذه المرة:
كأن السماء انشقّت.
لا أقولها مجازًا. كان هناك خطّ نورٍ عظيم في الأعلى، كجرحٍ كونيّ يفتح فمه. ومن ذلك الشق خرج صوت… سمعه كل من في الأرض، لا كصوت يصل إلى الأذن فقط، بل كنداء يصل إلى العظم.
قال الصوت:
“حيو الإمبراطور السماوي… حيو إستيقاظه.”
تجمدت يدي على حافة النافذة. شعرتُ أن جسدي يعرف معنى الجملة قبل أن يفهمها عقلي. كأن شيئًا في داخلي—شيء قديم جدًا—قال: هذه صيغة تُقال لك.
خارجًا، رأيت الناس يحدقون إلى السماء بأفواه مفتوحة، وبعضهم رفع هاتفه يرتجف وهو يصوّر، وكأن توثيق المعجزة سيجعله أقل خوفًا.
ثم بدأت الأرض تهتز.
لم تكن زلزلة قصيرة كاهتزاز عابر. كانت زلزلة كأن الأرض تتذكر فجأة أنها ليست ثابتة كما نتوهم. اهتزّت النوافذ، ارتجفت الأبواب، وسقطت أشياء صغيرة في الغرف. صرخات في الشارع. وسمعتُ صوتًا بعيدًا يشبه هديرًا مكتومًا، كأنه صدى عملاق يتحرك تحت المدينة.
ومع الزلزلة… جاء المطر.
مطرٌ مفاجئ، كثيف، ليس كشتاءٍ طبيعي، بل كأن السماء تسكب نفسها دفعة واحدة. ومع ذلك لم أشعر أن المطر “عشوائي”. كان هناك إحساس غريب بأن كل شيء يحدث وفق بروتوكولٍ ما: الزلزال يوقظ الرهبة، المطر يعلن الحضور، والناس يتلقى الرسالة دون أن يفهمها.
في نفس الوقت بدأت الأخبار تنتشر كالنار—ليس عبر قنوات رسمية فقط، بل عبر صراخ الناس وتناقلهم:
فيضانات في مناطق خالية من السكان.
سيول تظهر في أودية بعيدة لا يسكنها أحد.
بحار في جهات نائية تهتاج ثم تهدأ.
كأن الطبيعة اختارت عمدًا الأماكن التي لا تقتل فيها أحدًا، لكنها تُرعب الجميع.
وقبل أن أستوعب ذلك، حدثت اللقطة التي جعلت كل مدينة تقف على أطراف أصابعها:
ظهرت جزيرة في السماء.
جزيرة عائمة، ضخمة إلى حد أن العقل يرفض تقدير حجمها. لم تكن قطعة أرض صغيرة تحوم. كانت كتلة هائلة، لها حواف واضحة، وكتل صخرية ونباتات أو ظلال نباتات، وتحتها فراغ يجعل معدتك تنقبض. كانت تطفو فوق المدينة أو فوق جهة منها… لكن “فوق” هنا كلمة ضعيفة؛ كانت فوق العالم كله بمعنى الرمزية.
كان منظرها يسرق الهواء من صدري.
ومن الشق نفسه، عاد الصوت. قال بوضوحٍ لا يترك فرصة للتأويل:
“بعد أسبوع… ستبدأ بطولة الإمبراطور السماوي في الأرض. وعلى كل المختارين أن يتجهزوا.”
ثم… سكت.
ليس سكت فقط. اختفى.
اختفى الضوء الذهبي كأن أحدًا أطفأ مصباحًا كونيًا. اختفى الشق في السماء كما لو أنه لم يكن. توقف المطر تدريجيًا حتى صار مجرد رذاذ، ثم عاد الليل ليلًا. والجزيرة… الجزيرة نفسها تلاشت، لا هبوطًا ولا صعودًا، بل محوًا: كأن أحدًا مسحها من صفحة السماء.
بقيتُ واقفًا أمام النافذة كتمثالٍ لا يعرف كيف يعود إنسانًا.
خارجًا بدأ الناس يصرخون: “رأيتم؟!”، “هل حدث هذا حقًا؟”، “أين ذهبت؟”، “هل صوّرتها؟”
وبدأت سيارات الشرطة أو الإسعاف تمر في بعض الشوارع—ليس لأن هناك جرحى كثيرين، بل لأن الأنظمة البشرية تحاول أن تتصرف حتى عندما لا تفهم.
أما أنا… فكنتُ مفزوعًا من المنظر، ومن طريقة “الاستيقاظ” الغريبة، ومن فكرة أن الصوت لم يخاطب دولة أو مدينة، بل خاطب الأرض كلها كأنها ساحة.
لكن داخل خوفي كان هناك شيء آخر… شيء لا واعٍ، لا يملك كلمات، لكنه يملك يقينًا مزعجًا:
ذلك المكان… ينتمي لي.
أنا صاحبه.
لم يكن هذا كبرياء. كان إحساسًا قديمًا يشبه تذكّر اسمك فجأة. كأن جسدي يعرف العلاقة، بينما ذاكرتي لا تملك الحلقات التي تربط البداية بالنهاية.
حاولتُ فورًا أن أملأ الفراغ. سألني عقلي بعنف: لماذا تشعر أنه لك؟ من أعطاك هذا الشعور؟ ما الذي رأيته هناك؟ هل الجزيرة هي نفس “بعد النظام”؟ هل…؟
لكن كل سؤال كان يصطدم بالحائط نفسه: الذاكرة مختومة.
لا صور. لا مشاهد. فقط معرفة عارية.
نزلتُ إلى الشارع.
لم أكن وحدي؛ الحي كله كان في الخارج. وجوه شاحبة، أعين واسعة، بعضهم يبكي دون أن يدري لماذا، وبعضهم يضحك ضحكة عصبية، وبعضهم يكرر نفس الجملة كأنه يثبّت نفسه: “الحمد لله… الحمد لله…”
سمعتُ رجلاً يقول: “هذي علامة… نهاية الدنيا!”
وردّت امرأة: “لا… هذا شيء آخر… قال بطولة… ماذا يعني بطولة؟”
وشاب يصرخ: “مختارين! من هم المختارون؟ كيف نعرف؟”
تلك الكلمة… “المختارين”… علقت في رأسي كشوكة. لأنني، رغم ارتباكي، كنتُ أعرف شيئًا بوضوحٍ غير مريح:
إن كان هناك “مختارون”… فالأرجح أنني واحدٌ منهم.
ليس لأنني أريد ذلك، بل لأن شيئًا في داخلي ردّ على النداء كما يرد الحديد على المغناطيس.
عدتُ إلى البيت بعد ساعة أو أكثر. لم أستطع النوم فورًا. جلستُ في الظلام، أراقب جدار الغرفة، وأستمع إلى ما تبقى من ضجيج المدينة في الخارج.
حاولتُ مرة أخرى أن أسترجع ما خُتم. ضغطتُ على رأسي. أغمضتُ عيني بقوة. قلت لنفسي: يكفي أن أتذكر كلمة واحدة من هناك… كلمة تشرح لماذا الجزيرة لي.
لكن لا شيء جاء.
في المقابل، جاءت المعرفة—المعرفة وحدها—كأنها تعويض بارد:
عندما يحدث إعلان كوني بهذا الشكل، فهو ليس “مزاجًا”. هو إعلان سيادة.
الظواهر الطبيعية التي تقع في مناطق خالية ليست عبثًا؛ إنها رسالة محسوبة: “نستطيع أن نهز الأرض، ونستطيع أن نمنع الكارثة.”
ظهور الجزيرة ثم اختفاؤها يعني أن الوجود يمكن أن يُعرض ثم يُسحب بقرار.
كلمة “بطولة”
هنا ليست ترفيهًا؛ هي آلية اختيار.
هذه استنتاجات. لكنها لا تشبع الفراغ. لأن الاستنتاج لا يعطيك “السبب” الذي يجعل قلبك يقول: هذه ملكي.