في الصباح التالي لم أذهب إلى الجامعة. لم تكن عندي حصة، ولم يكن في داخلي أي استعداد لأقنع نفسي أن محاضرةً عادية تستطيع أن تهزم كلمة “بطولة” التي ستبدأ بعد أسبوع. كنتُ بحاجة إلى مكانٍ لا يملك ذاكرةً عن وجهي، ولا يملك آذانًا تتعلق بكلامي، ولا يملك بشرًا يلتقطون ارتباكي ويحوله إلى إشاعة.
ذهبتُ إلى الشاطئ… لكن ليس ذلك الشاطئ الذي تصطف فيه العائلات والهواتف والكراسي البلاستيكية. اخترتُ مكانًا خارج المدينة، بعيدًا عن الطريق الرئيسي، مكانًا يصل إليه من يعرفه فقط أو من يبحث عن صمتٍ بجدية. كانت الرمال هناك أكثر خشونة، والهواء أكثر حرية، ورائحة البحر لا تختلط بروائح الشواء ولا برائحة القهوة الرخيصة. كان المكان فارغًا تمامًا، إلى درجة أنني سمعت صوت خطواتي على الرمل كما لو أنني أكتب بها جملة.
لا أحد.
لا صياد. لا طفل. لا سيارة تمر كل خمس دقائق. بل حتى الطريق القريب… بدا كأنه منسي. قلت لنفسي وأنا أنظر حولي: هنا لن يسرقني أحد بنظرة. هنا لن يسألني أحد “شنو وقع؟” هنا… يمكنني أن أختبر نفسي.
أخرجت هاتفي واتصلت بسليم. لم أرد أن أقول له كل شيء عبر الهاتف، لكنني أردته أن يأتي. ليس لأنني أحتاج شهادة، بل لأنني أحتاج صديقًا واحدًا يعرف أن ما يحدث ليس لعبة. سليم رد بعد رنة ثانية:
“السلام عليكم.”
قلتُ:
“وعليكم السلام. فين أنت؟”
“فالدار… علاش؟”
قلتُ بهدوءٍ لا يُخيفه:
“بغيتك تجي لعندي. أنا فمكان خارج المدينة… شاطئ مهجور. نحتاج نهضروا بعيد من الناس.”
سكت لحظة، ثم قال:
“واش شي حاجة وقعات؟”
قلتُ:
“لا… ولكن عندي حاجة خاصني نجربها. وما بغيتش نكون بوحدي.”
سمعت نفسًا من الطرف الآخر. سليم يعرف أنني لا أطلب شيئًا هكذا عبثًا. قال:
“عطني الموقع.”
أرسلته. قلت له:
“جي على مهلك، وما تقول حتى لشي واحد.”
قال:
“تمام.”
أغلقت الهاتف. جلست لحظةً على صخرة صغيرة قرب الرمل، ورفعت بصري إلى البحر. كان البحر هادئًا نسبيًا، الموج يتنفس ببطء، والسماء صافية. منظرٌ يبعث الطمأنينة… لكنه اليوم كان مجرد مسرح. مسرح لا يعرف أنه على وشك أن يشهد شيئًا لا يليق به.
بدأتُ أفكر: ماذا بالضبط سأجرب؟
أنا لستُ “بطلاً” في مانهو يحمل طاقةً زرقاء ويصرخ باسم تقنية. أنا ريان… طالب قانون. لكنني أيضًا ريان الذي رأى شاشة تقول: قوة أصلية خُتمت، والحد المسموح 0.000…001. ورأى رسالة تقول: في البطولة سيُختم كل شيء حتى أصير بالغًا طبيعيًا. ورأى رسالة أخرى تقول: أنا وحدي من سيُختم، لكن سيُفتح ختم “المعرفة القتالية” للتوازن.
كل هذا… يعني أنني لا أملك رفاهية التجريب وسط الناس.
وقفت.
خطوت خطوات نحو خط الماء، حتى صار الموج يلمس أطراف حذائي. شعرت بالملح على الهواء وعلى لساني. رفعت يدي اليمنى ببطء، ثم خفضتها، كمن يقيس المسافة بينه وبين نفسه.
قلتُ في داخلي: لن أستعرض. لن أستفز النظام. فقط اختبار بسيط.
لكن كلمة “بسيط” كانت تضحك عليّ من مكانٍ بعيد. لأنني لا أملك معيارًا حقيقيًا لما هو بسيط عندما تكون القوة الأصلية بحجم كون.
تنفست.
حاولت أن أستحضر الإحساس بالحاجز الداخلي—ذلك الرقم الذي يشبه الصفر—وألا أدفع أكثر منه. ثم فعلت شيئًا واحدًا: ضربة مستقيمة نحو البحر… بأقصى ما لدي من الإرادة، لا من العضلات.
لم تكن ضربة ملاكمة محترفة. كانت ضربة رجل يريد أن يلمس حدودًا لا يراها.
ضربتُ… وشعرتُ أنني ضربت الهواء فقط.
لا طاقة مرئية. لا وميض. لا صوت غير صوت كتفي وهو يتحرك. حتى الموج لم يختل. لم يحدث شيء لثانيتين كاملتين.
تجمدتُ في مكاني، وعيناي ثابتتان على خط الماء. الجزء الساخر في رأسي قال فورًا:
جميل. يبدو أنني كنت أتخيل كل شيء.
ثم جاء الجزء الآخر—الأبرد—وقال:
أو أن الختم بدأ من الآن. ربما عبارة “في البطولة سيُختم” ليست موعدًا، بل إعلان حالة: أنت ضمن مسار ختم، وقد بدأ تطبيقه قبل البطولة لأسبوع.
ابتلعت ريقي. نظرتُ إلى قبضتي، ثم فتحتها. قلت في نفسي:
هل ليس لدي طاقة؟ أم أن النظام بدأ سحبها من الآن؟
لم أكمل الجملة.
لأن الهواء تغيّر.
لم يتغيّر بشكل درامي، بل بشكل مخيف: الهواء صار “يميل”. صار يتجه نحو البحر، لكن ليس كريحٍ عشوائية، بل كأن الهواء نفسه يتبع مسار ذراعي الذي ضرب قبل ثوانٍ. كأن الضربة لم تكن حدثًا لحظيًا… بل أمرًا صدر وتأخر تنفيذُه.
شعرتُ ببرودة على جلدي. ثم رأيت الماء أمامي يرتجف… لا كموجة، بل كحاجزٍ يتلقى أمراً أكبر من حجمه.
وفجأة… انقسم البحر.
لا أعرف كيف أصف ذلك دون أن أشعر أنّ اللغة تخونني. البحر انشق إلى قسمين، كما لو أنّ يدًا غير مرئية شقت المدى بخط واحد مستقيم. الماء ارتفع على الجانبين، لا على شكل موجة بل على شكل جدارين طويلين، وكل جدار صار يمتد إلى خلفي في الخيال كأنه جبل—كأن البحر قرر أن يقلّد الجبال التي كانت خلفي على اليابسة.
كان المشهد مريعًا بجماله.
الانقسام امتد بعيدًا… بعيدًا حتى وصل إلى مدى بصري. لم يكن حفرة صغيرة أمامي، بل شقٌّ طولي كأنه طريقٌ في قلب المحيط. رأيت القاع في بعض المناطق، رأيت خطوطًا داكنة، ورأيت فقاعات تتصاعد ثم تتوقف كأنها لم تعد تعرف أين تصعد.
الأشد رعبًا لم يكن الانقسام نفسه، بل ما اختفى.
كنت أعرف هذا البحر. كنت أعرف—على الأقل من النظر—أن هناك صخورًا صغيرة وجزرًا ضئيلة وسط الماء، بعيدة ربما كيلومتر أو أكثر. كنت أراها كظلال صغيرة على سطح البحر حين يكون الجو صافياً. تلك الجزر كانت “نقطة ثابتة” في المدى.
الآن… لم أر شيئًا.
لا صخور. لا جزر. لا ظلال. فقط شقٌّ هائل، وجداران من الماء يرتفعان على الجانبين، والفراغ في الوسط يمتد كأنه خط مستقيم نحو نهاية العالم.
في لحظةٍ واحدة فهمت.
فهمت لماذا لم تظهر طاقة مرئية عند الضربة.
لأن الطاقة لم تكن تحتاج أن “تُرى”… كانت تعمل على مستوى أعمق: مستوى يأمر الواقع نفسه أن يبتعد.
وفهمت لماذا قال النظام إنه سيختم كل قوتي في البطولة.
ضحكتُ ضحكة واحدة فقط، قصيرة جدًا، خرجت من داخلي كأنها دفاع أخير عن إنسانيتي:
“هههه… الآن فهمت.”
لم تكن ضحكة فرح. كانت ضحكة شخص أدرك فجأة أن “0.000…001” ليست مزحة، وأن “جزءًا تافهًا من القوة” يكفي ليمحو شيئًا من الوجود دون قصد.
لأن تلك الجزر الصغيرة… لم تغرق. لم تتحرك. لم تُسحق.
كأنها تبخرت من الوجود.
ببساطةٍ مرعبة: كانت هناك… ثم لم تعد.
ركبتي ارتجفتا، ليس خوفًا من البحر، بل خوفًا من نفسي. ماذا لو كنتُ ضربتُ بزاوية مختلفة؟ ماذا لو كنتُ أقرب إلى مدينة؟ ماذا لو كان هناك قارب؟ ماذا لو كان هناك صياد لم أره؟
تراجعت خطوة، ثم خطوتين، وكأنني أبتعد عن جريمة لم أقصدها.
عيني ظلت معلقة على الجدارين المائيين. لم ينهارا فورًا. بقيا قائمين كأن البحر نفسه يعاني من صدمة الأمر الذي تلقاه. ثم بدأ الماء يعود ببطء، لا كسيل طبيعي، بل كشيء يسترجع “حالته الأصلية” بعد أن انحنى أمام قوة أعلى.
انطبقت المياه على نفسها، وعاد الموج كأن شيئًا لم يحدث… لكن ليس تمامًا. كان هناك اضطرابٌ واسع في المدى، ودوائر كبيرة تتشكل بعيدًا حيث لا أرى بوضوح. البحر حاول أن يبتلع أثر الضربة… لكنه لم يستطع أن يعيد ما اختفى.
وقفتُ ألهث. ليس لأن الضربة أتعبت عضلاتي، بل لأن الخوف أتعب روحي. أحسست للحظة أن النظام لم يكتب “سيختم قوتك” عبثًا. كتبها لأنه يعرف: إن تُركت هكذا… قد تُحطم العالم قبل أن تبدأ البطولة.
سمعت صوت سيارة بعيدة على الطريق، بعد غياب طويل. ثم بعد لحظات رأيت سليم يلوّح من بعيد وهو يركض على الرمل باتجاهي، حقيبته تهتز على كتفه، ووجهه يحمل سؤالًا قبل أن ينطق.
كان يقترب، ولم يكن يرى ما رأيت بعد، لأن البحر عاد يبدو طبيعيًا من بعيد. لكنه—عندما وصل قريبًا—لاحظ شيئًا في وجهي جعله يتوقف فجأة.
قال وهو يلهث:
“ريان… شنو وقع؟”
نظرت إليه، ثم نظرت إلى البحر، ثم عدت إليه. لم أستطع أن أقول: “شققت البحر” كمن يقول: “شربت ماء”. الجملة كانت أكبر من فمي.
قلت بصوتٍ منخفض:
“جربت… الجزء اللي باقي.”
سليم حدّق في البحر. حدّق في الأفق. ثم عاد إليّ:
“و…؟”
ترددت ثانية، ثم قلت الحقيقة التي لا تحتاج مبالغة:
“فهمت علاش غادي يختمو عليّ كلشي.”
سليم لم يفهم بعد. لكنه فهم من نبرتي أن ما حدث ليس بسيطًا.
مشيت خطوة إلى الخلف، بعيدًا عن الماء. جلست على الرمل، وضعت كفيّ على وجهي لحظة، ثم رفعت رأسي.
قلت لنفسي—ولسليم دون أن أقصد:
“إذا هذا هو الجزء اللي ما تختمش… فكيفاش كانت القوة الأصلية؟”
لم أكن أحتاج جوابًا. كنت أعرف أن الجواب مخيف.
والآن… صار أمامي خيار واحد:
إما أن أستمر في التجريب حتى أفهم الحدّ… وأخاطر أن أخطئ مرة أخرى.
أو أن أتوقف فورًا، وأقبل أن النظام كان محقًا: أنا لا أحتاج أن أعرف “كم أنا قوي”، بل أحتاج أن أعرف “كيف لا أقتل كل شيء وأنا أتحرك.”
نظرت إلى سليم، وقلت بهدوءٍ حاسم:
“من اليوم… ما غاديش نجرب هادشي إلا وفق قواعد صارمة. وبعيد بعيد عن البشر. وبوجودك… باش إذا فقدت السيطرة… كاين واحد يشوف.”
سليم ابتلع ريقه، وقال بصوت متحشرج:
“ريان… واش نتا… كتخاف من راسك؟”
أجبتُ دون أن أتهرب:
“نعم.”
ثم نظرت إلى البحر مرة أخيرة.
كان البحر يعود إلى عادته… لكن في داخلي شيء لم يعد كما كان:
أنا كنت أظنّ أنني أملك “شرذمة” من قوة مختومة.
فاكتشفت أن الشرذمة وحدها… كافية لتذكير العالم أنني لست جزءًا من لعبتهم… بل سببٌ لأن تُوضع اللعبة كلها تحت قيود.