2 - الثاني , الدكتور و الفتى

وصل كُلٌّ من آسر و ساهر الى مكان عملهم , كانا جديدين في وظيفتهم لذا لديهم سوء تصرف سيء تجاه الوظيفه , إذ دخل آسر و بيده كوب شاي بينما ساهر يحمل هاتفه و يلتقط صورا لنفسه , توثيقا للحظاته , تم استدعائهم من قِبل رئيس عملهم ,

استلم آسر مهمته الأولى .

كان آسر مُحقق , في حينِ أن ساهر مُحامي , لذا فقد كانت مهمة آسر هي ان يحقق في قضيةِ القتل التي حصلت خلف هذا المبنى الذي يعمل فيه ! و مهمة ساهر لم تأتي بعد .

اطال آسر الوقت داخل اجتماعه مع الرئيس , و قد كان ساهر بآنتظاره خارجا.

خرج آسر ملاقيا ساهر امامه .

ـ تبا انا مُتعب .

رفع آسر شعره للخلف و عدّل ساعة يده , فقد انغمس في وظيفته بهذه السرعه !

ابستم ساهر بإستفزاز قائلا " بدأت تتصرف كالبالغين أخيرًا !"

رمقهُ آسر بنظرةِ استصغار " تقول هذا و انتَ لم تستلم مهمة بعد؟ "

ـ حسنا ربما سأكون محاميا للمجرم الذي استلمته !

ـ لن تكون ندًّا لي على اي حال , هيا لنخرج من هنا بدأ المكان يثير إشمئزازي .

استقام ساهر و فتح مظلته , و وضعها فوق آسر و هم على وشك الخروج " المطر غزير ايها الغبي , لا اعلم ماذا رأيتَ بالداخل , لكن لا اريد ان اتورط في مرضك حقا "

اخرج آسر سيجارته و اشعلها , انتهى منها بسرعه و كان يتصبب عرقا , التوتر واضح!

في حين ان ساهر يضعُ جهاز الربو في فمه تجنبا للدخان , و هو يرى أن آسر انتقل لسيجارته الثانية غضب منه و ضرب كفّ يده بجهاز الربو , سقطت السيجارة من يد آسر , و نقرَ كتفه بكوعهِ قائلا بتعجب " ماذا دهاك آسر ؟ ما الذي رأيته هناك ! انت مشتت و متوتر .

وصلو الى مدينة العاب كانت مُقفِرة بسبب الامطار و الجو البارد , جلس آسر على احدِ المقاعد و كان فوقه سقف يقيه من المطر , اما ساهر فهو يقف حِذاءَ صديقه و ينظرُ لشعره الابيض و الذي اصبحَ مُجعّد نتيجة المطر فإن طبيعة شعر آسر مُجعّدة حين يبتل .

ـ ث..ثيو … المجرمُ هو ثيو يا ساهر , إنه يطلب مني الامساك بأخي لإعدامه .

نطق بها آسر لسانه مُثقل و يداه السمراء ترتجف , نظر اليه ساهر بصدمة من ما قاله .

ـ ثيودور؟ اتقصد صديق طفولتك؟ مهلا كفاكَ مزاحًا ماذا عسى لثيو ان يفعل في قائمة المجرمين؟ أتمزَح معي؟ و ايضا كيف علمت بأنه هو ! متأكدٌ انك قد اخطأت الفهم , سنعودُ في الغد لنتأكَّد , هيا انـــــ

ـ إنه هو , قرأتُ الإسم , ايضا اذكر عندما تم اعتقاله , كان آنذاك شابًّا صغيرا , يستحيل ان اخلط بينه و بين غيره!

قاطعه آسر بهذه الكلمات بحزنٍ و استياء واضعًا يداهُ على جبينه و يفركه, جلسَ ساهر بجانبه قائلا له , " ماذا ستفعل إذن؟ "

وجّه آسر نظراته لساهر مع ابتسامة ميّته " ماذا تقصد , سأجدهُ بالتأكيد , و سأُبعدهُ من هنا "

ـ و تخون القانون؟

ـ نعم .

ـ في هذه الحالة .. ستكون انتَ من يُعدم و ليس هو.

ـ و ليكُن.

نهضَ ساهر بسرعة و اطال النظر بشعر آسر , لكمَ رأسه قائلا " لا تكن متهورا يا ابله , ربما ثيو يستحق العقابـــــ"

ضرب آسر ساق ساهر بقوة حيث انزلق على الطين الرطب و ابتلَّ بالمطر

ـ ايها الحقير , افسدت اناقتي , تبا لك و لثيو خاصتك ايًّا يكن !

اعتدلَ ساهر محاولا تنظيف ثيابه من الطين , و من ثم فركَ انفه نتيجة البرد الذي تسلل اليه , ابتسمَ و اخذ وشاحَ آسر بغفله , و مسحَ به انفه كإنتقامٍ منه , ضحك و من ثم نطقَ بسخرية من آسر " إذن كان ثيو ذاك مجرما في نهاية المطاف , لن تقوى على فعل الامر من دوني , سأعينك "

توسّعت حدقتا آسر , رفع عينيه لساهر و رأى كيف يمسح انفه بوشاحه , استقامَ بغضب و سحبَ الوشاح منه , اراد لكمه على ظهره , إلا انه لم يكن في مزاجٍ جيّد لاثارة المتاعب مع ساهر , لذا اكتفى بالرد :

ـ لا , انشغل انتَ بعملك .

ـ لن اتركك تنغمس في الامر لوحدك , انا صديقك بالنهاية و ايضا ينتابني فضول للتعرف على ثيو هذا .

ثرثر ساهر بهذه الكلمات و هو يرتب سترته المبتله .

ـ لن اورطك في هذا , سأذهب , لا يمكن ان نلتقي بعد الآن ساهر .. إن كنتَ قريبا مني لهذه الدرجه , ستكون اول من يُشتبه به , خُذ سيارة أُجرة .

اخذ آسر بطريقه نحو سيارته , ركبها و توجّه الى بيته , يفكر طول الطريق بما سيفعله من حلٍّ لهذا , الآن عاد وحيدا , كل ما تبقى له بعض الوقت للتفكير في حل سريع , في حين أن ساهر استأجر سيارة في طريقه , كان كل ما يفكّر به , هو لماذا اسم ثيودور اوروبي و ليس عربي؟ لم يكن يستطع ان يكون جادا حتى في مثل هذا الموقف!

ـ آه تبا , سأسأل آسر في المرة القادمه , هذا إن كانت هناك مرة قادمة .

_____

الآن و لبرهة فلننتقل الى احد الشخصيات الجانبية ٫ طبيب في الثلاثينيات من عمره ٫ يملك مظهرا حازمًا ٫ شعره مصفف الى الخلف دائما ٫ بشرته حنطيه و طوله يبلغ ال176 تقريبا ٫

كان اختصاصهُ جرّاح و تشريح ٫ بالطبع لن ننسى إسمه " إبراهيم "

كان طبيبا مشهورًا في مدينته ٫ و هو جالسٌ على كرسيّه لفت نضره في الكاميرا شابّا يرتدي زي حارس الشرطه ٫ كان يمشي ببطئ متكئ على الحائط ٫ يُغطي نصف وجهه بيده ٫ خرج الطبيب لرؤية الشاب ٫ كان مصابًا بجروح و كأنه خرج من صالة تعذيبٍ و بالطبع كان شكّه في محلّه ٫ اقترب من الشاب…

قدّم له كأسا من الماء " فالتشرب "

قال إبراهيم للشاب الذي امامه و بيده الكأس و من دون مقدمات اخذَ ثيو الكأس من يده الا ان الماء امتزج بالدماء نتيجة النزيف الذي من فمه ٫ سعلَ ثيو و مسح فمه " سحقا ٫ الطعم سيء اشعر بأنني ابتلعت قطعة حديدٍ ذائبه "

اخذ الطبيب كأسه من يده ٫ و مسحَ فمه بمنديلٍ اخرجه من معطفه الطبي ٫ كان ثيو لا يقوى على الجدال حتى ٫ بالكاد يقف على قدميه ٫ اسندَ الدكتور يد الفتى على كتفه و قال له " فالتأتي معي ٫ لا يهم من انت الآن ٫ بالداخل ستشرح لي كل شيء ٫ لنقم بتعقيم الجروح اولا"

استستلم ثيو بالطبع لا يوجد ما هو اسوء من هذا ليحدث ٫ و مشى ببطئ و هو يرتكز على كتف الطبيب ٫ دخل الى احد غرف المشفى ٫ و جلس على الارض ٫ كان الدكتور يضع فراشه بمكانه لذا فهو قد استراح فوق فراش الدكتور …

كانت انفاس ثيو ضيّقه ٫ فقد استنزفت قوته بشده ٫ بينما يراقب حركات الدكتور ٫ هو لن يثق بهذه السرعه ٫ رمى اليه إبراهيم قطعه قماش " إمسح يداك " ٫

و من ثم احضر معقم و منديلا و جلس امامه مباشرة ٫ افتح فمك ٫ فتحَ ثيو فمه و كان جرح كبير وواضح في لسانهِ و طرف فمه الداخلي ٫ " سأضطر الى خياطته اذن "

نهض الدكتور ليجلب إبرة الخياطه من احد الرفوف و وجه سؤاله باستغرابٍ للفتى " ما اسمك "

_ ليس شأنك .

كانت اجابة ثيو وقحه ٫ مقارنة في مساعدة الدكتور له ٫ الا ان لا احد يستطيع لومه على تصرفه ٫ فقد تعرّض لخيانة و غدر ٫ فهو يفقد ثقته بمن حوله ٫

إبتسم الطبيب و قال :

-انا إبراهيم ٫ طبيب جراحةٍ مشهور في هذه المدينه ٫ الجو حار لان الساعة لم تصبح العاشره صباحا بعد ٫ لذا كنتُ على وشك أخذ قيلولة الصباح ٫ إلا انني سرعان ما لمحت جروًا يزحف خارج مستشفاي ٫ قد كان انتَ بالنهاية .

-لست مُجبرا على تحمّل إهانتك لي ٫ فالتعلم بأني على استعداد للخروج و رفض مساعدتك السخيفه هذه !

الرد الثاني لثيو كان اوقح ٫ لكنه لا يقل وقاحة عن كلام إبراهيم ٫ لذا لن نلومه على هذا ايضا !

حضّر إبراهيم ادوات الخياطه و طلب من ثيو الاستلقاء ٫ لبسَ على رأسه عصابة محتوية مصباحًا خاص من اجل الطوارئ ٫ خيّط جرحهُ بخفّةِ يد ٫ و من ثم عقمه ٫

-ارجو بأنك لم تشعر بألم الخياطه ٫ انا ماهر في هذا ٫ و ايضا لم اخيّط الجرح الذي في لسانك سيلتئم على اي حال ٫ لكن نظرا لساقك ٫ سأضطر لفحصها .

قالها الدكتور و هو يمسح اثار الدماء المتبقيه على وجه ثيو الشاحب ٫ و من ثم انتقل الى ساقه ٫ فتح العقده التي عليه ٫ " واو انتَ جيّد في ايقاف النزيف ٫ ربما هذه ليست المره الاولى في تعرضك لهذا "

كان و هو يمسح ساقه و يفحصها برفق ٫ قال هذا لثيو بإنبهارٍ و ثناء .

-بالطبع ٫ من يعتاد على الظلم سيجبر على تعلم اشياءٍ لا يريدها ٫ ايضا فمي يؤلمني تبا متى سيلتحم هذا !

ردّ ثيو بكلماته و بصعوبة نتيجة الغرز في فمه ٫ و هو يعتصر كفه محاولا ان يقاوم الم ساقه .

-ستضطر الى البقاء هنا لفترة ٫ سيكون لصالحك على اي حال ٫ ساقك مكسورة ٫ سأجبّرها لك ٫ و ايضا اثق بأنك لا تملك مكانا للمكوث ٫ فالتبقى لبعض الوقت هنا .

"صمت"

اكتفى ثيو بالصمت و لم يرد هذه المره ٫ لم يكن يملك ردّا اصلا ٫ كل ما قاله الطبيب صحيحا.

__ بعد ساعات قليلة ٫ افاقَ ثيو و كان قد تم تجبير ساقه و خياطة جروحه و تعقيمها ٫ كانت اشعّة الشمس تغمر سريره الذي بجانب النافذه ٫ مسح فمه ليرى يده ٫ كانت و لأول مره منذ زمن لا تطبع الدماء على يده .

دخلت اليه ممرضه في الاربعينات من عمرها ٫ استيقضتَ يا بُني ٫ الحمد لله انك بخير ٫ خُذ و كُل ٫ قال الطبيب انك بحاجه لتعويض الدماء التي فقدتها .

كان هناك ثلاث اطباق الاول يحتوي على اللحم و الثاني على فخذ الدجاج و الثالث على خضراوات و زبيب ٫ من الواضح ان إبراهيم قام بشرائهم من ماله الخاص ٫ اكل ثيو ببطئ نتيجة الغرز في فمه ٫ لم ينهِ اطباقه الا انه اكتفى و شبع ٫ شرب كأس الماء و ارتوى به ٫ نظر لأبرة الوريد في يده ٫ شرد ذهنه و سرعان ما فُتِح الباب

كان الطبيب ٫ " هل استعدت قوتك ؟"

اغلق الباب خلفه و احضر كرسيّه ٫ جلس جانب سريره و وضع دواءًا في ابرة الوريد .

-لماذا تفعل هذا من اجلي ؟

كان رد ثيو قصيرا و غريبا كالعاده !

في ما ان الدكتور يواصل المسح على يد ثيو ليتوزع الدواء ٫ رد عليه " افعل هذا لانه عملي و حسب "

-صحيح.

اغمض الشاب عينه لثوانٍ و تمتم قائلا " ثيودور..".

-اسمٌ غريب ٫ من اطلقه عليك؟

- ابي ٫ كان طالبا في اوروبا ٫ و قد اعجبه الاسم كان لاحد زملائه هناك …

- هذا مُثير للاهتمام ٫ اراكَ شابا صغيرا ٫ كم عمرك يا ثيودور ؟ و لما انتَ في هذا الوضع !

رمى إبراهيم علبة الدواء الفارغه و اتكئ برأسه على الحائط ٫ ينتظر من ثيو الجواب .

مرّت ثلاث دقائق حتى اجاب ثيو :

-خمسة و عشرون سنة ٫ تعرضت لتهمة قتل ٫أُخِذ بي الى السجن قبل ست سنوات ٫ كنت طالبا في سنتي الاولى بالجامعه ٫ سُلبَ مني مستقبلي لشيء لم افعله انذاك .

-ما تخصصك؟

- مُهندس .

ـ و والداك؟

ـ تبرأ ابي و امي مني , ضنًّا بأنّي مجرم …

حدّق الدكتور لبرهة في وجه ثيو , ثم عدّل جلسته سائِلًا اياه :

ـ ليس لديكَ إخوة؟

ـ انا مُتعب .

مسحَ ثيو عينه كان من الواضح انه يشعر بنعاسٍ شديد .

نهض إبراهيم و اطفئ النور ٫ طلب من ثيو ان يستريح قليلا ٫ و سيكملون الحديث حين يستعيد نشاطه .

اخذ الاطباق التي تحتوي على بقايا طعامه , و خرج قائلا بإبتسامه " يُصبح اقلَّ شراسة حين يشعر بالنعاس

"

2026/06/01 · 2 مشاهدة · 1896 كلمة
نادي الروايات - 2026