الفصل الرابع: ظلال الغابة تقترب
(فصل أطول سيكا😄)
مرت خمسة أيام منذ وصول رائد إلى تَلمِير، وكان الفتى غونرو قد بدأ يستعيد قوته تدريجيًا. كان يجلس الآن خارج الكوخ، يتنفس هواء الصباح المنعش دون أن يُصاب بنوبة سعال عنيفة. الأهالي بدؤوا ينظرون إلى الغريب بعينٍ مختلفة؛ لم يعد مجرد لاجئٍ من مكان بعيد، بل صار رجلاً يحمل في يديه أسرارًا تنقذ الأرواح. في الصباح السادس، اجتمع مجلس القرية الصغير تحت شجرة الزان العجوز في وسط الساحة. كان هامل يجلس على حجرٍ مرتفع، محاطًا بستة من أكبر الرجال سنًا وقوةً. رائد جلس بينهم، صامتًا في البداية، يستمع إلى حديثهم. تحدث أحد الرجال، يُدعى بارِك، ذو كتفين عريضين وندبةٍ تعبر خده الأيسر: «المحصول هذا العام أضعف من سابقه. التربة استنزفت، والمطر قليل. إن لم نجد طريقةً لتحسين الأرض، فسنواجه الجوع قبل حلول الشتاء.» أضاف آخر: «والمانا... لا تكفي حتى لإشعال نارٍ مستقرة في الليالي الباردة. أما الإمبراطورية، فجنودها سيأتون بعد شهرين لجمع الضريبة. إن لم ندفع، يأخذون الأطفال أو يحرقون الأكواخ.» نظر هامل إلى رائد وقال: «رائد... لقد رأينا ما صنعتَ مع غونرو. هل لديك علمٌ ينفع أرضنا أيضًا؟» تنفس رائد بعمق، ثم تكلم بهدوء وثبات: «الأرض ليست ميتة، بل جائعة ومرهقة. في بلدي الأصلي، كنا نستخدم دورة المحاصيل، والسماد الطبيعي، وطرق ريٍ أفضل. يمكننا أن نبدأ بتقسيم الحقول إلى أجزاء: جزء للقمح، وجزء للبقوليات التي تعيد للتربة ما استنزفته، وجزء للخضروات السريعة النمو. كما يمكننا صنع سمادٍ من روث الحيوانات ممزوجًا ببقايا النباتات، ونتركه يتحلل.» ضحك بعضهم ضحكةً خافتة من الدهشة. «سماد من الروث؟ هذا ما نفعله بالفعل، لكنه لا يكفي!» «لأنكم لا تعرفون كيفية تحويله إلى سمادٍ فعال. سأريكم. وهناك أيضًا طريقة لجمع الماء من الندى والأمطار القليلة باستخدام قنوات بسيطة وحفر خزانات صغيرة مبطنة بالطين.» بدأ رائد يرسم على الأرض بعصا، يوضح الخطوط والدوائر. كان الأهالي يميلون نحوه، يستمعون بانتباه غير معهود. لكن فجأة، قطع الصمت عواءٌ بعيد، ثم آخر، ثم ثالث... أصواتٌ متعددة، متقطعة، تقترب بسرعة. قفز بارِك واقفًا، يده على مقبض رمحه. «ذئاب الظلام... لا، أسوأ. إنها قطيع الغُولْفَان. لم يقتربوا من القرية منذ ثلاث سنوات!» اندفع الرجال إلى أسلحتهم. صاح هامل: «إلى السياج! أشعلوا النيران! النساء والأطفال إلى الأكواخ الداخلية!» نظر رائد حوله في ذهول. سمع صوت أقدام ثقيلة تهز الأرض، وأنفاسًا حادة، وعيونًا حمراء تتلألأ في الظلام الذي بدأ يغطي السهل. خرجت من الغابة المقابلة عشرات الوحوش: كائناتٌ تشبه الذئاب العملاقة، لكن أجسامها مغطاة بقشورٍ سوداء صلبة كالحديد، وأنيابها طويلة كالخناجر. كانت تُعرف باسم الغُولْفَان – مزيجٌ من الذئب والتنين الصغير. اندفع القطيع نحو السياج الخشبي الضعيف. رمى الرجال رماحهم، أصاب بعضها، لكن الوحوش كانت سريعة وعددها كبير. صرخ أحد الرجال وهو يتراجع: «السياج لن يصمد! سيقتحمون خلال دقائق!» نظر رائد حوله بسرعة. رأى كومة من الحطب الجاف قرب النار الكبيرة في الساحة، ورأى جرار الزيت التي يستخدمونها للإضاءة. صاح بأعلى صوته: «لا تقاتلوهم مباشرة! اجمعوا الحطب والزيت! سنصنع حاجز نار!» تردد الرجال لحظة، لكن هامل أومأ برأسه بقوة. «افعلوا ما يقوله! الآن!» هرع رائد مع بارِك وثلاثة آخرين. سكبوا الزيت على خطٍ طويل أمام السياج، ثم رموا الحطب فوقه. أشعلوا شرارة مانا صغيرة من يد شابٍ في القرية – كانت ضعيفة، لكنها كفَت لإشعال الخط. فجأة، ارتفع جدارٌ من اللهب يمتد عشرات الأمتار. توقف القطيع، يعوي بغضب، يتراجع خطواتٍ ثم يتقدم مرة أخرى. لكن النار كانت تمنحهم وقتًا ثمينًا. استغل رائد اللحظة، نظر إلى السماء ورأى أن الشمس لا تزال مرتفعة قليلاً. تذكر شيئًا من كتب الفيزياء: الانعكاس والتركيز. «أي معدنٍ لامع عندكم؟» أشار بارِك إلى بعض الدروع القديمة المعلقة على الجدران – كانت من نحاسٍ رخيص، لكنها لامعة. «اجمعوها! وجهوها نحو الشمس، ركزوا الضوء على عيون الوحوش الأمامية!» فعلوا. عكسوا أشعة الشمس، فأصابت عيون الغُولْفَان الأمامية بريقا أعمى بعضها، فتراجع القطيع مذعورا. استمر الهجوم نحو نصف ساعة، حتى بدأت الوحوش تفقد حماسها. أخيرًا، مع غروب الشمس وانخفاض النار، انسحب القطيع عائدًا إلى الغابة، تاركًا وراءه جثث ثلاثة منهم. جلس الرجال على الأرض، متعَبين، يلهثون. نظر هامل إلى رائد بعينين مليئتين بالامتنان والدهشة. «لولاك... لكانت القرية قد ابتلعتها الوحوش. كيف عرفتَ ما تفعل؟» أجاب رائد وهو يمسح العرق عن جبينه: «لم أعرف. فكرتُ فقط... استخدمتُ ما أعرفه من بلدتي: النار، الضوء، الخوف من المجهول. لكن هذا ليس حلاً دائمًا. يجب أن نُقوي دفاعات القرية» مع بزوغ فجر اليوم التالي، كانت القرية لا تزال تشعر بثقل الليلة الماضية. رائحة الدخان الخافت لا تزال عالقة في الهواء، وبقايا الرماد متناثرة أمام السياج المتفحم جزئيًا. لم يُصب أحد بأذى جسدي خطير، لكن الخوف ترك أثرًا في العيون. جمع هامل الرجال البالغين في الساحة باكرًا. كان الجميع متعبين وجه رائد نظره لهامل قائلا « هل تتكرر هجمات الغولغان في هذه النطقة؟» «صحيح... قبل نحو ثلاثة أشهر هاجموا قرية أخرى شمالنا، وقتلوا ثلث أهلها. ومنذ ذلك الحين، نعيش في خوف دائم.» تابع رائد: «إذن، لن ننتظر حتى يأتي هجوم آخر. سنبدأ بخطوات بسيطة، لكن منتظمة، وسنتقدم ببطء حتى لا نرهق أنفسنا ولا نفقد التركيز. الهدف الأول: جعل القرية أقل عرضة للهجوم في الأشهر القادمة.» الخطوة الأولى: إصلاح وتقوية الدفاعات الفورية (الأسبوع الأول) اقترح رائد: «أولاً، نصلح السياج المحترق. لكن لا نكتفي بالخشب الرفيع. سنجمع الأحجار الكبيرة من ضفة النهر القريبة، ونبني قاعدة حجرية منخفضة طولها متر واحد تقريبًا أمام السياج الخشبي. هذا سيبطئ تقدم الغُولْفَان ويمنعها من القفز مباشرة فوق الخشب.» سأل أحد الشباب: «والحجارة ثقيلة... كيف نحملها؟» «باستخدام الرافعات البسيطة. عصا طويلة قوية مع حبل ونقطة ارتكاز. سأريكم كيف نصنعها في ساعة واحدة.» خصصوا ثلاثة أيام لجمع الحجارة وتركيب القاعدة. كان العمل شاقًا، لكنه أعطى الأهالي شعورًا بالإنجاز. في اليوم الرابع، بدؤوا في تعزيز السياج الخشبي بأوتاد حديدية قديمة كانوا يحتفظون بها منذ زمن، وأضافوا أشواكًا طبيعية حادة (شجيرات شوكية محلية) مربوطة بحبال. الخطوة الثانية: نظام الحراسة والإنذار المبكر (الأسبوع الثاني) قال رائد: «الدفاع لا يعتمد على السور وحده. يجب أن نرى الخطر قبل أن يصل. سنقيم ثلاث نقاط مراقبة مرتفعة: واحدة على تلة صغيرة غرب القرية، وأخرى شرقًا، وثالثة قرب الغابة الجنوبية. كل نقطة يتناوب عليها رجلان كل ليلة.» أضاف: «وللإنذار: نصنع أجراسًا بسيطة من معدن قديم، أو حتى قطع معدنية معلقة بحبل. إذا رأى الحارس شيئًا، يضرب الجرس ثلاث مرات قصيرة للتحذير من وحوش، مرتين طويلتين للحريق.» بدأوا في صنع الأجراس من بقايا أوانٍ قديمة مكسورة، وتدربوا على النظام ليلتين متتاليتين. الخطوة الثالثة: بداية تحسين الزراعة (من الأسبوع الثالث) بعد أن اطمأن الجميع نسبيًا على الدفاعات المؤقتة، انتقل رائد إلى الأرض. «الآن... نبدأ بالتربة. لا نستطيع تغيير كل الحقول دفعة واحدة. سنختار حقلًا صغيرًا واحدًا فقط – ربع ما نزرعه عادة – ونجرب عليه.» قسم الحقل المختار إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: زرع البقوليات (نوع محلي يشبه الفول والعدس) لإعادة النيتروجين إلى التربة. القسم الثاني: ترك قطعة أخري(بدون زراعة) مع إضافة سماد عضوي جديد. القسم الثالث: مزيج من الخضروات السريعة النمو مع القمح. بدأ في تعليم الأهالي كيفية صنع كومة السماد السليمة: طبقات من الروث + بقايا نباتات + طبقة تراب رقيقة + رطوبة معتدلة + قلبها كل أسبوعين. شرح أن هذا سيستغرق شهورًا حتى ينضج، لكنه سيصبح ذهبًا أسود للأرض. كان يقضي ساعات يوميًا معهم في الحقل، يشرح، يصحح، يشجع. لم يكن يأمر، بل يعمل معهم، فيتعب مثلهم، فيزداد احترامهم له. ملاحظة داخلية لرائد في الليل، وهو جالس وحده قرب النار الصغيرة، شعر بشيء يتحرك داخله – دفء خفيف في صدره، كأن المانا التي يتحدثون عنها بدأت تتفاعل مع وجوده. لم يحاول استدعاءها بعد؛ كان يعلم أن الاستعجال قد يؤدي إلى كارثة. قرر أن يراقبها بهدوء، وأن يتعلم من الأهالي أولاً كيف يشعرون بها هم. كانت تَلمِير لا تزال فقيرة، نائية، مهددة... لكن لأول مرة منذ سنوات، بدأ أهلها يشعرون أن الغد قد يكون أفضل من الأمس،