كانت شمسا الصباح تنهضان معاً خلف سلسلة الجبال البيضاء، لتلقيان بأشعتهما الذهبية الدافئة على مدينة آيرم التي كانت تستيقظ من كابوس دام لعقود. السماء الزرقاء الصافية كانت خالية من أي سحابة، وكأن صانع السحاب نفسه أراد أن يمنح هذه المملكة المنهكة بضعة أيام من النقاء والصفاء.

أشعة الشمس الذهبية تسللت عبر النوافذ الزجاجية الملونة للقصر الملكي، لترسم لوحات من الضوء على الأرضيات الرخامية البيضاء التي كانت لا تزال تحمل بعض البقع الداكنة من دماء الخيانة التي لم تُغسل بعد. كانت رائحة الدماء قد تلاشت، لكنها بقيت عالقة في الذاكرة أكثر مما بقيت في الحجر.

في شرفة القصر العالية، وقف محمود ينظر إلى المدينة التي بدأت تستعيد أنفاسها. كان يرتدي قميصاً أبيض بسيطاً من الكتان، وسروالاً بنياً طويلاً، وحزاماً من الجلد الأسود يشد خصره. كانت أكمام قميصه مرفوعة حتى مرفقيه، كاشفة عن ساعدين نحيلين لكنهما كانا يحملان ندوباً قديمة من معارك سابقة. شعره الأزرق الداكن الذي يميل إلى السواد كان منسدلاً على ظهره دون أن يربطه، وكانت الرياح الباردة تعبث بخصلاته وتنثرها حول وجهه الأشقر النحيل.

عيناه السوداوان المائلتان إلى الخضرة كانتا تتبعان حركة الناس في الأسفل. كانت الشوارع الحجرية الضيقة تمتلئ تدريجياً بالباعة الذين يعودون إلى أكشاكهم، والأطفال الذين يركضون وهم يضحكون لأول مرة منذ سنوات، والنساء اللواتي يفتحن نوافذ منازلهن لتهوية غرفهن من رائحة الخوف المتراكمة.

كانت المنازل في آيرم فريدة من نوعها، فقد كانت مبنية من حجر رملي أبيض ناعم، وسقوفها مصنوعة من ألواح خشبية داكنة مزخرفة بنقوش دائرية معقدة. كانت النوافذ مستديرة في الغالب، وتحيط بها إطارات خشبية منحوتة بدقة، وكثير من البيوت كانت تتدلى من شرفاتها أواني فخارية ملونة تنمو فيها أزهار برتقالية وصفراء ذات رائحة عطرية فواحة. لم تكن تلك البيوت مجرد مساكن، بل كانت تحمل بصمة ثقافة شعب "تيليس" التي تعود لآلاف السنين.

كانت أذناب شعب آيرم البيضاء الوبرية تتدلى من تحت أثوابهم، وكثيرون منهم كانوا يرتدون قبعات خاصة ذات فتحات في الخلف لتسمح لذيولهم بالظهور دون أن تضغط عليهم. الرجال كانوا يرتدون أثواباً طويلة بألوان التراب والرمل، بينما كانت النساء ترتدي أردية زاهية بألوان الزمرد والعقيق والفيروز، وكانت أذيولهن البيضاء تُزين بحلقات صغيرة من الفضة أو الذهب حسب مكانة الأسرة.

نظر محمود إلى الأسفل، حيث رأى امرأة عجوزاً تحمل سلة خوص كبيرة مليئة بالخبز الطازج. كانت تمشي ببطء، وذيلها الأبيض يجر خلفها على الأرض، وكانت تبتسم لكل من تمر به. كان ذلك مشهداً لم يره محمود منذ سنوات. الناس كانوا يبتسمون من جديد، يضحكون من جديد، يعيشون من جديد.

"لقد فعلتها يا محمود"، قالت رورا من خلفه.

التفت إليها، ووقف لبرهة ينظر إليها. كانت رورا ترتدي فستاناً جديداً أهدته إياها الملكة دنيا كهدية شكر. كان الفستان مصنوعاً من حرير شفاف بلون القمر، مرشوش بحبيبات صغيرة من الفضة التي كانت تتلألأ كالنجوم كلما تحركت. الفستان كان مصمماً على طراز شعب آيرم، إذ كان طويلاً حتى الكاحلين، وأكمامه واسعة منسدلة، وحزام من الفضة الخالصة يشد خصرها النحيل. لكن رورا بدت غير مرتاحة فيه، وكانت تعبث بحافته باستمرار.

"ما هذا الفستان الثقيل!" تذمرت رورا وهي تحاول تعديله على كتفيها. "كيف تستطيع نساؤكم التنفس في هذه الأشياء؟ ولماذا كل هذه الطبقات؟ ألا يشعرن بالحر؟"

ضحك حمود من أعماق قلبه. "هذا هو الزي الرسمي للمناسبات، يا رورا. ليس شيئاً ترتديه كل يوم."

"حسناً، أنا أكرهه. أعطيني ثوبي الفروي القديم."

"لا يمكنك الذهاب إلى حفل العشاء مرتدية ثوباً من الفرو، يا رورا. سيكون ذلك غير لائق."

"غير لائق؟ أتعلم ماذا غير لائق؟ أن يكون شعري مسحوقاً تحت هذا الغطاء الذي وضعته عليّ خادمات الملكة!" أشارت إلى رأسها حيث كان شعرها الأخضر الطويل مضفوراً بتعقيدات متقنة ومزيناً بشرائط من الحرير الفضي. بدت كأميرة من القصص القديمة، لكنها كانت تبدو كطفلة تعذبها أمها.

تنهد محمود وهو ينظر إليها.

على الرغم من نكايتها، كانت رورا تبدو جميلة بشكل آسر. وجهها المستدير الشاحب كالقمر كان يلمع كذرات الذهب تحت أشعة الشمس، وعيناها الزمرديتان كانتا تلمعان بفضول لا يشبع. شفتاها القرمزيتان كانتا تكشران عن أسنانها الصغيرة كالأرنب المزعوج. كانت رائحتها فواحة كرائحة الغابة بعد المطر.

"أنتِ جميلة"، قال محمود، ثم تورد وجنتاه فوراً.

نظرت إليه رورا بدهشة، ثم اتسعت عيناها، وتحول لون خديها إلى وردي غامق. أدارت وجهها بسرعة ونظرت إلى الأسفل، مخفية احمرارها.

"أنت شهواني يا حمود!" قالت، لكن صوتها كان خافتاً وغير مقنع.

"أنا لست شهوانياً! لقد قلت للتو أنكِ جميلة، هذا كل شيء!"

"هذا ما يقوله الشهوانيون دائماً!"

"رورا، أنا..."

"اسكت يا محمود. أنا غاضبة منك." كانت تبتسم رغم أنها كانت تحاول أن تبدو غاضبة، وكانت عيناها تلمعان بمرح. "سأتحدث معك عندما أهدأ."

نظر إليها محمود باندهاش، ثم تنهد. "أنتِ مستحيلة، كما تعلمين."

"أنا أعرف. هذا جزء من سحري."

ضحك حمود وأدار وجهه عائداً إلى المدينة. من بعيد، كان يمكن رؤية أعمال الترميم الجارية. عربات خشبية ضخمة تجرها خيول بيضاء كانت تنقل الأحجار والخشب إلى الأماكن المتضررة. رجال يرتدون خوذات جلدية كانوا يصيحون أوامرهم، ونساء يحملن سلالاً من الملاط الطيني كان يمزج مع القش ليصبح مواد بناء صلبة وقوية.

كانت مملكة آيرم تُعيد بناء نفسها.

في قاعة العرش

كانت الملكة دنيا فيكتم برتاي آيرم تجلس على عرشها الزجاجي للمرة الأولى منذ شهور. كان العرش مصنوعاً من الزجاج البلوري الشفاف، وكان يعكس ضوء الشمس في آلاف الألوان، مما جعل القاعة تبدو وكأنها تحلق في فضاء من الكريستال والأحلام.

العرش نفسه كان قطعة فنية لا مثيل لها، فقد كان قد نحت من قطعة واحدة من الزجاج الجبلي الذي استخرج من قلب سلسلة الجبال البيضاء التي تحمي المملكة. كان ارتفاع العرش حوالي مترين ونصف، وظهره مزين بنقوش معقدة تصور شجرة الحياة التي كانت رمزاً لشعب "تيليس". فروع الشجرة تمتد إلى الأعلى، وتتشابك مع أفخاذ العرش لتشكل مساند للذراعين، وكانت أوراقها المرسومة بالذهب الخالص تتلألأ تحت الأضواء.

كانت الملكة ترتدي فستاناً أزرق داكناً كسماء الليل، مرصعاً بألوف من حبات اللؤلؤ الصغيرة التي كانت تلمع كالنجوم. الفستان كان ضيقاً من الأعلى حتى الخصر، ثم يتسع وينسدل كموج البحر حتى كاحليها. أكمامه الطويلة كانت تتدلى حتى الأرض تقريباً، وكانت حوافها مطرزة بخيوط فضية على شكل أزهار متشابكة. حول عنقها عقد من الألماس الأزرق الذي كان يتلألأ مع كل حركة من حركاتها.

تاجها الزجاجي كان يوضع فوق رأسها، وفيه جوهرة زرقاء ضخمة في وسطه. كانت تاجها يشبه تاجها القديم، لكنه كان جديداً، فقد كسر التاج القديم حين ألقته على الأرض في لحظة يأسها قبل شهور.

ستة أذيال بيضاء وبرية كانت تتدلى من خلف العرش، تتمايل مع كل حركة خفيفة من جسدها. كانت ذيولها تُظهر مكانتها السامية، فالتيليس ذوو الأذيال المتعددة كانوا من النبلاء، وكان عدد الذيل يدل على المكانة والسلطة.

بالرغم من جمالها الآسر، كانت عيناها الزرقاوان تحملان حزناً عميقاً لا يزول. كانت وجهها الشاحب الناعم يبدو منهكاً، وهالات سوداء خفيفة تحيط بعينيها. لكن هناك شيئاً جديداً في عينيها. شيء يشبه الأمل. كان ذلك الأمل يلمع كشعلة صغيرة في ظلام عينيها، يذكرها بأن هناك مستقبلاً يستحق القتال من أجله.

وقف أمامها مستشارها، وكان يرتدي ثوبه الرسمي الأزرق الطويل، مع عباءة سوداء فوق كتفيه. كان ذيله الوحيد الأبيض يلمع في ضوء الثريات، وكانت عيناه الحادتان تلمعان بالرضا لأول مرة منذ سنوات.

"صاحبة الجلالة،", بدأ قائلاً بصوته الدافئ. "لقد بدأت أعمال الترميم في جميع الأحياء. السوق المركزي يعمل بكامل طاقته اليوم للمرة الأولى منذ عامين."

"وهل عادت العائلات إلى منازلها؟"

"نعم. لقد عاد معظم النازحين إلى منازلهم. أما أولئك الذين فقدوا منازلهم، فقد قمنا بتوزيعهم على المنازل الفارغة في الحي الشرقي. وخيامهم في الساحات العامة."

ارتسمت ابتسامة رقيقة على وجه الملكة. "هذا جيد. هذا جيد جداً."

"هناك أيضاً أخبار سارة، يا صاحبة الجلالة. لقد عاد التجار من رحلتهم الأولى إلى ليفاليا. جاؤوا بالطعام، والأدوية، وبعض المواد التي كنا بحاجة إليها بشدة. قال التجار إن الاستقبال كان حاراً جداً، وكأنهم كانوا في بلدهم."

ارتجفت الملكة برفق عند ذكر اسم ليفاليا. لقد غيّر هذا التحالف كل شيء. فمنذ أسابيع فقط، كانت هي وشعبها على حافة الإبادة. والآن، صار لديهم حليف قوي، وصار لديهم أمل.

أغمضت الملكة عينيها للحظة. كانت تتذكر ذلك الرجل. ذلك الرجل الذي وقف أمام جيوش الأعداء، وحول مئة ألف جندي إلى هياكل عظمية تطيعه، ثم سار لمواجهة إمبراطورية بأكملها. كان ذلك الرجل قاسياً، مرعباً، لكنه كان عادلاً أيضاً.

في الحي الشرقي من مدينة آيرم، حيث كانت المنازل متلاصقة والشوارع ضيقة، كان هناك جو من النشاط والحيوية. النساء والرجال كانوا يعملون جنباً إلى جنب لإعادة بناء منازلهم التي تضررت أثناء الحصار. أطفال يرتدون ملابس مرقعة كانوا يركضون بين الأرجل، يحملون أواني فخارية صغيرة، أو سلالاً من التراب.

وقفت منى أمام باب منزلها، وهي ترتدي ثوباً بسيطاً من القماش الخشن بلون الصدأ، مربوطاً بحزام من الجلد العريض. كانت امرأة في أواخر العشرينات، ذات شعر أسود قصير يصل إلى ذقنها، وعينان بنيتان حادتان كعين الصقر. كانت ذراعاها العضليتان تكشفان عن قوة امرأة خاضت المعارك جنباً إلى جنب مع زوجها.

كانت منى زوجة خالد، قائد المقاومة في المدينة. كان خالد نفسه يقف على السطح، يراقب المدينة بعينيه الحادتين. كان خالد رجلاً ضخماً، ذو شعر كثيف حَسْري اللون (نحاسي)، وعينان داكنتان كالجمر. جسده كان عضلياً ومصقولاً كالفولاذ، وقد حصل على هذه العضلات من خلال معارك لا تعد ولا تحصى. كان يرتدي سروالاً جلدياً أسود، وقميصاً من الكتان الخشن، وسيفاً طويلاً مربوطاً في ظهره.

نزل خالد من السطح ببراعة، وقفز آخر ثلاث خطوات ببرودة. لم يصدر أي صوت عندما هبطت قدماه على الأرض. تقدم نحو زوجته، ووضع يده على كتفها النحيل.

"كيف يبدو الوضع؟" سألته منى بصوت خفيض.

"الأمور جيدة. الجيش الأبيض يسيطر على جميع المداخل، ولا أحد يجرؤ على الاقتراب من المدينة. لكن..." توقف خالد ونظر حوله. "هناك شيء غريب. الحراس يقولون إن بعض الناس قد اختفوا في الليل. ليس كثيراً، لكنه مقلق."

"خونة؟"

"ربما. أو ربما شياطين متسللون. لا أعرف. لكنني سأبلغ القائد ميكور عن ذلك."

أومأت منى برأسها، وعيناها تعكسان القلق. "هذه الأيام... كل شيء أصبح ممكناً. حتى الأشياء التي كنا نظنها مستحيلة."

"مثل جيش من الهياكل العظمية؟" ابتسم خالد ابتسامة ساخرة.

"مثل ذلك تماماً."

ابتسم خالد ومد يده ليمسح شعر زوجته. كان يضع دائماً قفازاً جلدياً على يده اليمنى، لأنه كان يخفي ندبة عميقة من معركة قديمة. "لا تخافي، يا منى. لقد نجونا من الأسوأ. سننجو مما تبقى."

"أنا لا أخاف، يا خالد. أنا فقط... أريد أن أتأكد من أن أطفالنا سيكونون آمنين."

"سيكونون آمنين. أقسم لك."

احتضنته منى بقوة، ودفنت وجهها في صدره. كان صدره العريض يمنحها شعوراً بالأمان كانت قد نسيته منذ سنوات.

مشهد قاعة المحاكمة

كانت قاعة المحكمة في قصر الملكة واحدة من أكبر القاعات في المبنى. جدرانها العالية كانت مكسوة بالرخام الأبيض الناصع، وعليها نقوش ذهبية تصور معارك ملوك آيرم عبر العصور. كانت الثريات الكريستالية العملاقة تتدلى من السقف، وتلقي بأضواءها المتلألئة على الأرضية الرخامية المصقولة كالمرآة.

في منتصف القاعة، وضعت طاولة خشبية ضخمة مستطيلة الشكل، مصنوعة من خشب البلوط الداكن، مزخرفة بنقوش دائرية معقدة على حوافها. كانت الطاولة طويلة جداً، تتسع لأكثر من أربعين شخصاً، لكن معظم المقاعد كانت فارغة. على الطاولة، وضعت خرائط ضخمة، ومصابيح زيتية، وأقلام حبر، وأوراق بيضاء مكدسة.

في الجهة الشمالية من الطاولة، جلس لينياس على كرسي مرتفع، وظهره مستقيم كالسيف. كان يرتدي بدلته السوداء الفاخرة، المطرزة بخيوط الذهب المتلألئة. كانت أكمامه طويلة وواسعة، وتنتهي بأصفاد ذهبية ثقيلة. على كتفيه، استقرت جوهرتان ذهبيتان على شكل رأس تنين، تتلألآن بكل ألوان الطيف. فوق ذلك، كانت عباءته القرمزية تتدلى من كتفيه، وتنسدل على ظهر الكرسي كموج من النار الجامدة.

شعره الأبيض الكثيف كان منسدلاً على ظهره، يصل إلى أسفل خاصرته، وبدا كذئب ضخم مستلقٍ فوق رأسه. عيناه الذهبيتان، المشقوقتان رأسياً كعين القطط، كانتا تلمعان كالذهب المصهور، وتنظران إلى المتهمة بنظرة لا تخلو من الفضول البارد. شفتاه الورديتان كانتا مغلقتين بإحكام، وخط فكه القوي كان يعكس تصميم لا يلين.

إلى جانبه الأيمن، جلس سيريوس. كان يرتدي بدلته البيضاء الفاخرة المزخرفة بخيوط قرمزية معقدة، وربطة عنق مزركشة بلون حذائه الأحمر الداكن. شعره الأبيض القصير كان أطراف خصلاته قرمزية اللون، وعيناه كانتا كجمرتين في موقد مستعر، تحترقان بذكاء خارق وشر خبيث. كان بياض عينيه حالك السواد، كظلمة تلمع في أعماقها. كان يبتسم ابتسامة باردة، وكأنه يستمتع بالمشهد أمامه.

إلى جانبه الأيسر، جلست إنتوس. كانت ترتدي فستانها الأسود البسيط، لكنه كان مختلفاً عن المعتاد، إذ كان مزيناً بخيوط فضية على شكل زهور صغيرة. قفازاها من الدانتيل الأسود كانا يغطيان يديها النحيلتين، وقرناها الملتويان إلى الأعلى كانا يبرزان من خلف رأسها. عيناها البنفسجيتان كانتا تنظران إلى المتهمة باشمئزاز واضح، وشفتاها الرفيعتان كانتا مزمومتين في خط رفيع. كانت قريبة جداً من لينياس، وكأنها تحاول حمايته حتى من نظرات المتهمة.

خلفهم وقف القادة العشرة الآخرون. ريفرييا كانت تضع قناعاً أسود يغطي وجهها بالكامل، لكن عينيها القرمزيتين كانتا تلمعان من خلف القناع، تنظران إلى المتهمة بفضول مفترس. شعرها القرمزي الطويل كان منسدلاً كشلال من النار. كانت ترتدي فستاناً أسود طويلاً، مكشوفاً من الأمام حتى فخذيها العاجيين، ومنسدلاً من الخلف حتى كاحليها.

إنجوس كان يرتدي بدلته السوداء المعتادة، ومعطفه الطويل الأسود المذهب من الحواف. سيجارة كانت مشتعلة في فمه، ودخانها الرمادي يتصاعد ببطء نحو السقف. عيناه الخضراوان كانتا تنظران إلى المتهمة ببرود، وكأنها مجرد قطعة من الأثاث.

هيكروس كان ضخماً كالدب، يصل طوله إلى مترين ونصف. كان يرتدي سروالاً جلدياً أسود، وسترة من فرو الدببة البيضاء، وذراعاه العضليتان كانتا عاريتين حتى الكتفين. عيناه الخضراوان كانتا تتوهجان كالطحالب في ضوء الشمس.

بالندر كانت ترتدي درعها الذهبي اللامع، وعيناها القرمزيتان كانتا تنظران إلى المتهمة بحذر. كانت تضع يديها على مقبضي سيفيها الذهبيين، مستعدة لأي طارئ.

سلفر كان واقفاً خلف الجميع، وعيناه الزرقاوان الناعستان بدتا نائمتين، لكن جسده كان مستعداً للانقضاض كالنمر في أي لحظة. درعه البلاتيني كان يلمع كالمرآة.

باقي القادة كانوا منتشرين حول الطاولة، وجوههم تعكس البرود والاهتمام البارد.

في الجهة الجنوبية من الطاولة، جلست الملكة دنيا. كانت ترتدي فستانها الأزرق الداكن، وتاجها الزجاجي يلمع فوق رأسها. إلى جانبها جلس مستشارها، الذي كان يرتدي ثوبه الأزرق الطويل. خلفها، وقف ميكور كقلعة منيع، درعه الحديدي الصدئ لا يزال عليه، لكنه كان نظيفاً كالماء.

إلى جانبها الآخر، وقف ساحر آيرم العجوز سلمي. كان يرتدي عباءة حمراء داكنة، وحليته البيضاء الطويلة تصل إلى بطنه. عيناه كانتا تتوهجان بألوان قوس قزح لأنه كان يستخدم تعويذة الرؤية السحرية. إلى جانبه، وقفت تلميذته مريين، التي كانت ترتدي عباءة بنفسجية تغطي جسدها بالكامل، ولا يظهر منها سوى عينيها الخضراوان المتوهجتان. كانت تمسك عصا سحرية خشبية سوداء، وسلسلة فضية حول معصمها.

في منتصف القاعة، على ركبتيها، كانت لنخع ترتجف. كانت قائدة عسكرية سابقة، وكانت ذات يوم تقود جيوشاً بأمر من الإمبراطورية المقدسة. كانت امرأة في الثلاثينيات من عمرها، ذات شعر أحمر قصير، وعينان بنيتان قاسيتان. لكن اليوم، كان وجهها مشوهاً بالخوف واليأس.

كانت ترتدي درعاً ممزقاً، وتظهر عليها آثار التعذيب التي عانت منها قبل المحاكمة. كانت أيديها مقيدة خلف ظهرها بسلاسل حديدية ثقيلة، وقدميها مقيدتان أيضاً. كان هناك دم يابس على شفتيها، وآثار كدمات على ذراعيها المكشوفتين.

إلى جانبها، كانت كبيرة الخدم ترتجف أيضاً. كانت امرأة في الخمسينات من عمرها، ذات شعر رمادي مسدول، ووجه يعكس سنوات من الخيانة والغدر. كانت ترتدي ثوباً ممزقاً، وكانت عيناها خاويتين من الحياة. لقد عذباها الملكة دنيا قبل المحاكمة، وكانت جروحها لا تزال تنزف.

"لنخع"، بدأ لينياس بصوته البارد الجليدي. "قبل أن نبدأ، أريدك أن تفهمي شيئاً واحداً. حياتك الآن بين يدي. ليس لأنني قوي، بل لأنكِ لا قيمة لكِ. إذا كنتِ تريدين أن تكوني مفيدة، فعليكِ أن تخبريني بكل شيء. وإلا..."

لم يكمل جمله، لكن نظراته كانت كافية. ارتجفت لنخع وكأنها وقفت عارية في عاصفة ثلجية.

"سأخبرك بكل شيء!" صرخت بصوت مبحوح. "كل ما تريد معرفته! فقط أرجوك لا مزيد من التعذيب"

"ابدأي إذن"، قال سيريوس ببرود. "أخبرينا عن الإمبراطورية المقدسة. من يقودها؟ وما هي أهدافها الحقيقية؟"

تنهدت لنخع وكأنها تستجمع قواها الأخيرة. كانت تعلم أن حياتها أصبحت رخيصة، وأن معلوماتها هي الورقة الوحيدة التي تبقت لديها.

"الإمبراطورية المقدسة... ليست دولة واحدة"، بدأت بصوت مرتجف. "إنها شبكة. شبكة من العائلات التي تسيطر على الممالك من وراء الكواليس. كل عائلة تدير مملكة أو إقليماً، لكنهم جميعاً يخدمون هدفاً واحداً."

"ما هو هذا الهدف؟"

"السيطرة على العالم. السيطرة على كل شيء. هم يريدون أن يكونوا الآلهة الجدد. يريدون أن يتحكموا في كل شيء: في الناس، في السحر، في الموت، في الحياة. لقد بنوا جيوشاً، وشبكات جاسوسية، ومزارع بشرية... كل شيء من أجل هذا الهدف."

"مزارع بشرية"، كرر لينياس بصوت هادئ، لكن عينيه تشتعلان بغضب مكبوت. "مثل ذلك المصنع الذي رأيته على الحدود. المصنع الذي يقطعون فيه البشر ويبيعون لحومهم."

ارتجفت لنخع بشدة. "نعم... نعم، هذا أحد مشاريعهم. ليس الوحيد، لكنه واحد من أكبرهم. يبيعون اللحم البشري للممالك التي تفضل تناوله على لحم الحيوانات. الممالك التي تربطهم بهم علاقات صداقة قديمة."

"صداقة قديمة"، كررت الملكة دنيا بصوت مليء بالمرارة. "أصدقاؤهم قتلوا شعبي. قطعوهم كالمواشي. وباعوا لحومهم..."

بكت الملكة بصمت، وسالت دموعها على خديها. ميكور وضع يده على كتفها مواسياً، لكن عينيه كانتا تشتعلان بحقد لم يره أحد من قبل.

"من يقود هذه الشبكة؟" سأل سيريوس مرة أخرى. "أعطينا أسماء."

"لا أعرف أسماءهم الحقيقية"، قالت لنخع بصدق. "لكنهم يُعرفون باسم 'المجلس الأعلى'. هناك سبعة أعضاء في المجلس. كل واحد منهم يدير إمبراطورية كاملة. أقواهم يُدعى 'الظل الأول'. لا أحد يعرف اسمه الحقيقي. لا أحد يعرف شكله الحقيقي. لكنه يتحكم بكل شيء."

"أين يقع مقرهم؟"

"في المكان الذي لا يمكن الوصول إليه إلا من خلال بوابات سحرية خاصة. لا أحد يعرف موقعه الحقيقي. حتى أنا، التي كنت قائدة، لم أزر هذا المكان قط. لكني سمعت أنهم يعيشون في قصر تحت الأرض. قصر ضخم لدرجة أنه يحتوي على مدينة بأكملها."

"تحت الأرض؟" سأل لينياس باهتمام.

"نعم. تحت جبال الظل. سلسلة جبال بعيدة جداً، في أقصى شرق العالم. يقولون إنها مصنوعة من الكريستال الأسود، وتلمع كالنجوم في الظلام. يقولون إن الجدران هناك تصنع من عظام التنانين، وإن النيران الزرقاء تسبح في الهواء بدلاً من المصابيح."

أخذ سيريوس قلمه وكتب بسرعة، مسجلاً كل المعلومات. كانت عيناه تتوهجان بذكاء خارق، وكأنه يخطط بالفعل للخطوة التالية.

"هذا مفيد"، قال لينياس. "و ماذا عن قادتك السابقين؟ أين هم الآن؟"

"لقد فروا. عندما سمعوا بما حدث في آيرم، فروا إلى مقر المجلس الأعلى. إنهم خائفون منك، يا صاحب الجلالة أكثر من أي شىء آخر"

ابتسم لينياس ابتسامة باردة. "هذا جيد. ليقوا خائفين. الخوف يجعل الأعداء يتخذون قرارات خاطئة."

"ماذا تنوي أن تفعل، يا صاحب الجلالة؟" سألت الملكة دنيا بصوت هامس.

وقف لينياس من كرسيه، وفتحت عيناه الذهبيتان واتسعتا. فجأة، شعر الجميع بضغط هائل ينزل عليهم، وكأن يداً عملاقة تسحقهم نحو الأرض. رفرفت العباءات والأثواب والشعر والذيول الوبرية وكأنهم يقفون أمام عاصفة. هالات من كل الألوان انفجرت من جسده كقنبلة من الضوء، وغمرت القاعة بأكملها.

خيّل للجميع أن الرجل يتضخم حتى أصبحت القاعة لا تتسع له. لكنه كان يقف في مكانه، عيناه الذهبيتان تشتعلان كنجمين ساقطين.

"سأذهب إليهم"، قال بصوته المزلزل. "سأدخل قلب إمبراطوريتهم. سأزرع الخوف في قلوبهم. سأريهم أن العدالة الحقيقية لا يمكن أن تُشترى بالمال والسلاح. سأريهم... معنى الخوف الحقيقي."

ارتجف الجميع من قوة كلماته. حتى ريفرييا، التي كانت دائماً واثقة من نفسها، شعرت بقشعريرة تسري في جسدها.

"لكن أولاً"، استمر لينياس وهو ينظر إلى لنخع، "أريد منكِ أن تخبريني عن طرق الوصول إليهم. عن البوابات السحرية. عن التحصينات. عن نقاط ضعفهم. إذا كانت لديكِ معلومات مفيدة، فستعيشين. وإلا..."

لم يكمل جملته، لكن نظراته كانت كافية. ارتجفت لنخع وأجهشت بالبكاء.

"سأخبرك! سأخبرك بكل شيء! فقط أعطني فرصة!"

بعد أن انتهى لينياس من استجواب لنخع، التفت إلى الملكة دنيا التي كانت جالسة في صمت طوال الوقت.

"هذه المرأة الآن في يدك، يا صاحبة الجلالة. لقد أخبرتنا بما نحتاج إليه. يمكنك أن تفعلي بها ما تشائين."

قفزت الملكة من كرسيها كالثور الهائج. كانت عيناها الزرقاوان قد تحولتا إلى لون أزرق داكن كعاصفة بحرية. وجهها الشاحب قد احمر غيظاً، وعروقها بدت واضحة على جبينها.

"أنتِ"، صرخت تجاه كبرية الخدم. "أنتِ التي خنتِ زوجي! أنتِ التي خنتِ ابنتي! أنتِ التي خنتِ شعبي!"

كبيرة الخدم كانت ترتجف كالورقة في مهب الريح، وكانت دموعها تتساقط على الأرض. "صاحبة الجلالة... أرجوك... أتوسل إليك... لم أكن أعرف..."

"لم تكوني تعرفين؟!" صرخت الملكة بصوت مزق حناجر الجميع. "لقد قتلتِ زوجي! قتلتِ ابنتي! كدتِ أن تقتلي ابني! و تقولين أنكِ لم تكوني تعرفين؟!"

انتزعت الملكة صوجلانها الذهبي من حزامها، وتقدمت نحو كبيرة الخدم بخطوات ثقيلة كخطوات وحش جائع. الصوجلان كان مصنوعاً من الذهب الخالص، وطرفه العلوي كان على شكل بيضاوي. كان طوله حوالي متر ونصف، مزيناً بنقوش دائرية معقدة، ومطعماً بأحجار الفيروز الصغيرة التي كانت تلمع كالعيون في الظلام.

رفعت الملكة الصوجلان عالياً، وهوىت به على كتف كبرية الخدم. سمع الجميع صوت تكسير عظم، وصرخت الخادمة صرخة موجعة. لكن الملكة لم تتوقف. هوت بالصوجلان مرة أخرى، ومرة أخرى، ومرة أخرى. كانت ترصخ وتضرب كالمجنونة، وكأنها تحاول تفريغ كل غضبها المكبوت.

"عاهرة! خائنة! كلبة! أنتِ السبب! أنتِ السبب في كل شيء!"

كبرية الخدم كانت تتلوى على الأرض، وتحاول حماية رأسها بيديها، لكن دون جدوى. كان الدم يتدفق من جروحها ويصبغ الأرضية الرخامية باللون الأحمر.

وقف الجميع يشاهدون بصمت. حتى لينياس وحاشيته كانوا ينظرون ببرود. لقد رأوا ما هو أسوأ من هذا. بالنسبة لهم، كان هذا مجرد مشهد عابر

أتمني أن ينال إعجابكم

صورة الرواية لمن لايستطيع رؤيتها من الغلاف

2026/08/06 · 2 مشاهدة · 3262 كلمة
ahmed reda
نادي الروايات - 2026