بعد الزئير الذي هز أركان الوادي، خيّم صمتٌ أثقل من الضباب نفسه. كان "كيان" لا يزال واقفاً كتمثالٍ من صخر، بينما كان الفتى "إلياس" يحاول استعادة أنفاسه وهو يتشبث بجذع شجرة محترقة. لم يكن الخوف هو ما يشل الحركة هنا، بل ذلك الشعور الغريب بأن الجبل نفسه يراقبهم بآلاف العيون غير المرئية.
"انهض يا إلياس،" قال كيان بصوتٍ خفيض ولكن صارم. "الزئير كان تحذيراً، والتحذير في عرف التنانين يعني أن الدخول إلى منطقتها لم يعد سراً. نحن الآن أهدافٌ متحركة."
لم يتكلم الفتى، بل اكتفى بالإيماء برأسه ومسح العرق البارد عن جبينه. بدآ التحرك عبر ممر ضيق يُسمى "عنق الزجاجة"، وهو طريق منحوت بين جبلين شاهقين يضيق كلما تقدما. وفجأة، توقف كيان وأشار بيده لالتزام الهدوء.
من خلف صخرة ضخمة، ظهرت قامة ممشوقة مغطاة بعباءة خضراء داكنة تكاد تختفي وسط الطحالب. لم تكن وحشاً، بل كانت امرأة تحمل قوساً طويلاً مصنوعاً من خشب الأبنوس، وسهمها كان موجهاً بدقة متناهية نحو حنجرة كيان.
"صيادٌ آخر؟" قالت بصوتٍ يشوبه الاحتقار. "الوادي يعج بالجثث التي كانت تحمل سيوفاً مثل سيفك. عُد من حيث أتيت قبل أن أُلحقك بهم."
لم يحرك كيان نصل سيفه، بل ظل هادئاً بشكلٍ أثار ريبتها. "أنا لا أبحث عن الذهب يا ابنة الغابة. الوباء الرمادي وصل إلى حدود "نارفي"، وإذا لم أجد الترياق، فلن يبقى هناك عالمٌ لتحميه بقوسك هذا."
تراجعت المرأة قليلاً، لكنها لم تخفض قوسها. "الترياق؟ هل تصدق خرافات الملوك؟ قلب التنين ليس دواءً، إنه قوة دمار. قتله يعني انفجار السحر الأسود الذي يحبسه، وحينها سيتحول الوباء الرمادي إلى ليلٍ سرمدي."
هبطت الكلمات على كيان كالصاعقة. كل ما تعلمه في أكاديمية الصيادين، كل الوعود التي قطعها لأهل قريته المحتضرين، كانت مبنية على كذبة؟
"أنا سيلين،" قالت وهي تخفض قوسها أخيراً بعد أن رأت الصدق في عينيه. "أنا آخر حراس هذا الممر. إذا كنت تريد الحقيقة، فاتبعني، لكن احذر.. الطريق إلى عرين "فولكانوس" لا يتطلب شجاعة القلب فحسب، بل يتطلب التخلي عن كل ما ظننت أنك تعرفه."
سار الثلاثة في صمت، بينما بدأت ذرات رماد دقيقة تتساقط من السماء. لم تكن ثلجاً، بل كانت بقايا جلود تنانين قديمة احترقت منذ أزل. وفي نهاية الممر، انفتح المشهد على منظرٍ يحبس الأنفاس: بحيرة من الحمم الخامدة، وفي منتصفها يقبع هيكلٌ عظمي لتنينٍ أسطوري ضخم، تحول إلى جسرٍ طبيعي يؤدي إلى بوابة الكهف العظيم.
"هناك،" أشارت سيلين. "هناك يرقد الأمل الوحيد، أو الكابوس الأخير. الخيار لك يا صياد، هل ستغمد سيفك لتفهم، أم ستشهره لتدمر؟"