ألقى آسر جسده المنهك على الأريكة الجلدية في المكتب، بينما كانت أصابعه تنقر بإيقاع سريع فوق ذراع المقعد، و مُقلتاهُ معلقتانِ بالسقف، و دوامة التفكير أُحيطت به .
و قرب النافذة يقفُ المحامي ساهر، يعيد قراءة الملف للمرة الثالثة.
بادرَ بقطعِ الصمت أخيرًا :
ما زلتُ لا أفهم ... كيف إستطاع سليم تدبير الأمر، اعني أُنظر بالنهاية إكتشفنا بأنَّ إبنه كان طالبًا في ثانويتك انتَ و ثيودور، لماذا لم يحضر الحفلَ إذن؟
أطلق آسر ضحكة قصيرة، رفعَ ذراعه واضعًا أصابعه بين خصلات شعره :
الدليل موجود، إلا و أنّه تم إخفائهُ بطريقة ذكية ...
التفت ساهر نحوه .
ـ وضّح؟
إعتدل المحقق في جلسته، ثم مد يده نحو الطاولة وسحب إحدى الاوراق.
ـ قبل سبعِ سنوات، دخل السجن ثلاثةُ سجناء بنفس الإسبوع .
ـ نعم؟
ـ واحدٌ خرج، تمت تبرأته من الموقف، في الثلاثِ أشهرٍ الماضية إستطعتُ أن أجمع بعض الأدلّة، هذا الذي هرب هو مجرمٌ قاتل، إشترك في جريمة ثيودور او بالأحرى الجريمه التي أُلقيَت عليه !
ـ كيف علمت؟
فتح آسر هاتفه، و وجّه مقطع فيديو لساهر، خُذ شاهده ..
الفيديو يحتوي على شاب أمامه يقف رجلٌ لإستجوابه، و هو يعترفُ أنه و قبل سبع سنوات، سُجنَ ثلاثة اشخاص، واحدٌ تم إعدامه و الثاني فُرِجَ عنه، اما الثالث فقد هرب "ثيودور" .
قطّب ساهر حاجبيه، سائِلا إيّاه ..:
ـ متى هذا؟ و أين ؟
ـ المقر و الذي أعمل فيه، طلبتُ منهم أن يقومو بإستجوابِ احد ضباط الشرطة الذين عملو هناك، تم الكشف أنه يوجد مجرمين آخرين، في حين أن القضية دَنَّست ثيو فقط !
ـ لكنه عُدِم !
ـ و انتَ تصدّق؟
اعاد ساهر نظره للفيديو، و من ثم اجابه بتسائُل :
ـ لما لا ؟
ـ راجعتُ كاميرات المراقبة، وهنا المشكلة .. أنا لم أجِد شيئا .
اقترب ساهر ناحية آسر، وضع يده على سطح المكتب :
ـ أنا لم أفهم، آسر انتَ تجعلها أصعب على عقلي !
مرر آسر إصبعه فوق الملف المفتوح، و نظر لساهر من ثم رجع ببصره الى الملف :
ـ الكاميرات تسجل أربعًا وعشرين ساعة يوميًا... لكن بتاريخ اختفاء السجين الذي تم الإفراج عنه، توجد فجوة زمنية.
ـ كم مدتها؟
ـ سبع دقائق.
اتسعت عينا ساهر ...
ـ تم العبث بها.
ـ بالضبط.
نهض آسر ببطء، واتجه نحو لوحة التحقيق المعلقة على الحائط، صور، أسماء و خيوط حمراء متشابكة...
أشار إلى صورة سليم ...
- الشخص الوحيد الذي يملك صلاحية تعطيل النظام الداخلي... هو رئيس السجن .
صمت ساهر و إقترب من اللوحة، إستقر بموضعه حِذاءَ آسر، قبل أن يهمس و عينيه مثبتتين على الصورة:
ـ ربما فعلها لأمرٍ إداري !
ادار آسر رأسه ببطء، نظرة باردة استقرت فوق صديقه، رفع صورة من فوق الطاولة ولوّح بها أمامه.
" انظر جيدًا. "
تناوَلَها المحامي مجددًا، فأجابه بتنهدٍ و ضجر :
ـ آسر هذه نفسها صورة التخرج، فهمت أن المحابس تتطابق إلا انه ليس كدليلٍ كافٍ ! هناك آلاف الرجال الذين يرتدون خواتم كهذه ! .
مدَّ يدهُ إلى احدٍ الرفوف، بعثرَ الكتبَ لإخراجِ كتابٍ مُترَّب، نفثَ عليه بإبتسامةٍ تُظهرُ أنها إنتظَرَت ردًّا كهذا .. :
ـ صحيح.
أخرج ورقة مهترئة ووضعها أمامه...
كانت صورة لجسدٍ نحيل، آثار جروح وكدمات منتشرة على الذراعين والرقبة، وخطوط حمراء متورمة امتدت على الجلد الشاحب.
ـ هذه أدلة صودرت من إرشيف السجن .
ـ هذا ثيو؟
ــــــــــــــــــــــ
بيت شعري من تأليف الكاتبه :
صديقُ الامسِ خُطَّت بالروحِ مثناه
و الشوقُ طَرى لِقَلبي فَفاضَت ذِكراه
كَأَنَّ فُؤادي على ما ضيَّعتُ في قلقٍ
فلا مرارةً تُضاهي فقدَ الأخِلَّاء .