ـ خُذ إشرب .
قدّمت له لينا بعضًا من الماء، رمى الكأس من يدها و عاد الزجاج متناثرا، غضب الممرضون لسوء تصرفه. سَمع إبراهيم صوت الموظفين يتعالى و عاد اليهم مسرعا، تنهدّ قائلا لهم " بارك الله بجهودكم، إذهبو، سأتكفّل بالباقي "
ما إن كانت لينا على وشك الخروج، عادت إليه لتهمس بتردد :
ـ دكتور كُن مراعيًا له، الممرض هو من أَساء إليه اولا، أنا فقط اشعرُ بالأَسى تجاهه .. أعتبره إبنًا لي .
تنبّه الطبيب مقتربا منها، و يهمس لها :
" سيثور غضبا مجددا، لا رغبة لي بأن اكون ضحيته التالية "
خرجت لينا و اغلقت الباب خلفها ...
ـ صمت ـ
إنحنى إبراهيم على أطراف أصابع قدميه، لإلتقاطِ قطع الزجاج، ارتخى حاجباه المنعقدان، و أطلق ضحكته المكبوتة: " منظرك و انتَ تلتصقُ بالجدار، كأنك فأر "
ـ ماذا يفعلُ إسم سليم في سجل إتصالاتك ؟
كسر ثيو صمته بسؤاله و هو يثبّت عينيه ناحية الطبيب ..
ـ فتشته إذن؟ و انتَ من قلتَ بأنه لا يجب أن نتجسس على خصوصيات الآخرين !
إقترب إبراهيم من ثيو، حاملا كيسا يحتوي على قطع الزجاج، جلس أمامه مباشرة و أكمل :
" أنا طبيب يا فتى، سبق و أخبرتك بشعبيتي هنا، يتم إستدعائي في كل مكان، و اليوم كُنت في المركز، إستدعاني سليم لإستجوابي ما إن كنتُ خبأتك عندي ام لا، و إحزر ماذا ؟ "
وقف إبراهيم، ثم مدَّ جسده ببطء، وما إن اعتدل واقفًا حتى فرقع ظهره، رمى الكيس في سلة المهملات و هو يوصل بشارته إلى الفتى " المحقق سيأتي هنا "
شهق ثيو و رفع رأسه بفزع، وضع خصلة شعره المنسدلة خلف أُذنه:
" متى ؟"
ـ لا علمَ لي، و لكن لا تقلق لن أُسلمك، سأقوم بتهريبك فقط .
عادت الأجواء هادئة .. " لم تخبرني بوظيفة آسر "
نهض ثيو من مكانه، خلع معطفه الذي اصبح منكمشا لطيلة جلوسه ..
" محقق، أشعر بالغضب تجاهه، إن كان محققا فكيف لم يقم بحلّ قضيتي ؟ "
ثيودور يتكلم بحزن و هو يفركُ أثر قبضةِ إبراهيم، متسائلا أين إختفى صديقه .
الساعة 2:14 صباحًا
خشخشة
ـ ماذا ؟
رجفت أطرافُ ثيودور، و برزت عروق رقبته غضبا، خَلفهُ رفٌّ مليءٌ بالعقاقير، قام بضرب الرف، فسقطت العقاقير على الارض .
نزلَ إبراهيم الى القبو، بعد مقاطعة الاصوات لنومه، ثيو يقف و بيديهِ مستنداتُ السجن! الصور الذي رآها آسر نفسها بين يديه الآن! او نسخة ثانية منها، فحوصات المستشفى، صورة الجثة التي أتُّهِم بقتلها و إبراهيم ينظر لظهر ثيو، و بيده الأخرى ... "سكين" .
ـ ستُسلمني؟
سألهُ ثيو بصوتٍ منخفض، الخذلان بعينيه و الالم صعد الى عروق جسده، أُذنه لا تسمع سوى صفيرٍ قوي : " سأعود الى هناك؟ "
ـ ثيو، انا سأشرحُ لك، إرمي السكين اولا و إلتفت الي، اليوم و انا عند سليم ـــــ
"إخرس !"
قاطَعه بصَرخة ترددت صداها، إنجرفت الدموع من عينيه، عقد حاجبيه بشجن و فمه يرتجف، بعد رؤيته للصور التي كانت تحتوي تعذيبه بالسجن، إنساب الخوف اليه، جثا على الارض و ارتطمت ركبتاه بها، إذ أصدرت صوتًا عنيفًا .
" لماذــ بكاء، لماذا؟ دكتور انا وثقتُ بك ... أتعلم؟ كنت على شكٍّ بأنك نفس الطبيب الذي كان يداوي جِراحي في السجن ... لكن .. بكاء .
مسح ثيو دموعه و التي إنهمرت فوق السجلات، بلع ريقه الناشف و هو يصارع الكلمات لتخرج من فمه :
حين أخبرتني بأنه سيتم إعدامي في ذلك اليوم، لماذا إذن تحمل معك هذه الصور و المستندات؟ إن كنتَ في صفّي حقا ... ما علاقتكَ بسليم؟ ...
إبراهيم يقف خلفه، فمه لا يحمل كلماتٍ لإسعافه، ما إن لاحظ يده تتحرك ركض بسرعة محاولًا صدّ السكين ... عن رقبة ثيو!
ـ طعن ـ
...
...
...
ـ ايها الشقي مؤلم! إتركها أنت تؤذي يدي !
ـ د ..دكتور! ..
أوشك ثيو على الإنتحار، لكونه ظن أن الطبيب يريد تسليمه الى المركز، و لرؤيته الصور فقد عادت له ذاكرته مرة أُخرى، لكن و قد أحاطَت رقبة ثيودور كفَّ إبراهيم .
الدماء بدأت تتناثر من ظهر كفّه، ركض ناحية الاعلى ليسيطر على النزيف، و قبل ان يصعد إلتفت الى الفتى، عاد مسرعا ليمسك ذراعه " تعال معي، أتظن انني سأُبقيك وحدك هنا؟ "
سحبه معه للخارج، ثيو يمشي فقط دون تعابير على وجهه، أما السكين ؟ فهي لا زالت مُعلّقة في كفّ الطبيب .
ـ سأُوقف النزيف إنتظرني فقط .
دخل إبراهيم الى غرفة المعدات، ضمّد الجرح و مسح الدِماء الملطخة، " لا اعلم كيف أُصلح الامر. لكنني وقعت في مأزقٍ حقا !" يتمتم ..
بعد ربع ساعه ...
ـ لا زلتَ تنتظر، كفاكَ تحديقا في الصور، فقط أعطها لي .
مشى إبراهيم عبر ممراتِ المستشفى، خلفه ثيودور ينظرُ الى الشاش الذي إلتف حول كفّه، بينهما فجوةُ فراغ .
توقف قرب باب الخروج، الامطار غزيرة... زفر ببطء قبل أن يلتفت إليه.
ـ لن ألومك، فبعد أن وثقتَ بي رأيت هذا، لكن ثيو انا حقا معك و لست ضِدك، حتى كوني أصبحتُ طبيبك في السجن كان لسببِ حمايتك، أتعلم ؟ ..
إقترب إبراهيم من الفتى و مد كفّه السليمة ممسكا بذقن ثيودور، رفع رأسه و بسبباته أشار الى جُرحٍ عميق يرتكزُ على رقبة ثيو .
ـ في ذلك اليوم، حين أتيتُ لأضمّد إصاباتك .. رأيتُ هذا الجرح، ما إن إنتهيتُ من علاجه سألت الضابط عن سببه، أجابني بأنهم يحاولون إصالك للموت ثم ينقذونك، لتتلقى عذابًا أكبر ...
قطب ثيو حاجبيه، و صفع يد إبراهيم ليدفعها عنه، عقد ذراعيه أمام صدره.
إبتسم بإنكسار " تقول لي بأنك لم تكن لك يد في هذا؟ إذن كان انتَ من قلت لي يجب أن أهرب قبل إعدامي، كيف علمت؟ دكتور لن تستطيع خِداعي ببعضِ كلماتك ! "
هز الطبيب رأسه نافياً، و إنكسرت نبرة صوته قليلًا .
ـ بصفتي طبيبا يعمل في صناعة العقاقير، تورّطت معهم ...
إمتد صمت قصير، و أكمل إبراهيم مبتعدا عن ثيو ليجلس على عتبة الباب .
أمال برأسه للأسفل، و إستقر بصره على الارض المُبللة..