" كنت ببداياتي في الطب و صنع العقاقير، قمتُ بصناعةِ أدوية كثيرة، إستعرت بعض المواد من سليم، لا علمَ لما هو.. فقط طلبت منه إستعارة موادٍ قانونية.
خدعني و سلّم لي موادا غير قانونية، ... إستعملتُ بعضها على المرضى بنيّةٍ لشفائهم، لكن .. قُتِلو بفعل المواد السامة! فهددني سليم بفضحي .
فتح إبراهيم أزرارَ قميصه، خلعهُ ليُريه ظهره " أُنظر، عُذِّبتُ أيضا، و لأنني قتلت المرضى بسبب تجاربي الغير قانونية، أبلغني بأنهم سيعدمونني، و بالرغم من برائتي.
...
لذا أبرمتُ صفقةً مع سليم و هي تزوير الفحوصات الطبية لأحد الضحايا، لجعلها تتوافق مع مجرمٍ آخر، يعني أنك لست المجرم ثيو .
هو الآن يعيشُ بعد أن سلبكَ حياتك، لا أعرف من هو لهذا لم أقوى على خيانة سليم، لن يصدقني أحد حتى و إن حاولت .. أخبَرني بأنني سأُلقي بالتهمة تجاه مجرم قاتل، و ليس شابًّا في بداية عمره .
حتى قمت بزيارة زنزانتك علمتُ بأنك لم تكن مجرما و لازلت صغيرًا لذا كان شَرطي في علاجك هو أن أضع قطعة قماش لتغطيةِ عينيك، ذلك لانني لم أقوى على رؤية نظراتك تجاهي .
ثيو في حالة من الصدمة، ينصتُ لإبراهيم و كأن شيئا أُقتلع من روحه، ثم ألقى له إبراهيم آخر ما عنده " الحارس هناك .. لم تقتله أنت، إنما انا .."
إتسعت حدقتا ثيودور برهبة، أطالَ نظرَه إلى الطبيب، ولم تلبث دموعُه أن سقطت، إذ لم تجفَّ أصلًا " أنتَ قتلته؟ هذا يعني .. بأنك فعلتها من أجلي؟ "
تنهد إبراهيم، و أجابه :
ـ لم أتمالك تأنيب الضمير أكثر، قمتُ بأحد التجارب و بطريقة او بأُخرى قدمتها للحارس، لديه وقت محدد ليموت بسبب الدواء الذي شربه، أنت لم تكن مجرما قط يا ثيو ..
و بخصوص الإعدام، أعلَمني سليم بأنهم سيقومون بشنقك، لذا خططتُ لهذا .. حتى يكون بمقدورك الهرب، كنت بإنتظارك امام كاميرات المراقبة، ما إن لاحظتك هرعت إليك مسرعا .
لا تلُم نفسك لم أقتله لأجلك و إنما لأُطفئ نار ضميري، و لو لم أفعل لما هربتَ انت، آسف ثيو لطالما حاولتُ أن أعتذر إليك .
دفنَ إبراهيم وجهه بين ذراعيه ألمًا و ندم " ستُّ سنوات، و أنا أنظر إلى الفتى الذي سُجن نتيجة مشاركتي بالقضية المزيفة، كنت مضطرا لرؤيتك تُعاني، لم أقوى على قول او فعل شيء ما لإنقاذك، خشيةً على عائلتي لذا هجرتهم و مكثتُ في المستشفى، حتى لا يصل إليهم سليم، و منذ اليوم الذي خرجت به انتَ و إلى الآن، مضت على تلك الليلة سبعُ سنوات .. لن أكذب، لطالما حلمتُ بعائلة و أطفال، رغبتُ دائما بفتاةٍ صغيرة تتشبث بطرفِ معطفي.."
وضع ثيو يده فوق كتف إبراهيم، .. فخرج صوته مكتوم و متقطع، قبل أن يتحول إلى بكاءٍ مرير.
ـ لماذا...؟
ارتفعت صرخته و هو يضغط بقبضته على كتفه :
ـ لماذا فعلت هذا؟ من طلب منك؟ من قال لك أن تُدمِّر نفسك من أجلي؟
ضرب بقبضته كتفه و هو يعاتبه، سقطت دموعه على شعرِ إبراهيم ممتدّة إلى ظهره، رجف كتفه لبرودتها.
ـ فعلتَ هذا .. حتى أُجبرَ على مسامحتك حين أكتشف الحقيقة؟ انتَ فعلتها من أجل هذا أولست !
اختنق صوته، ولم يستطع إكمال الجملة، رفع رأسه بصعوبة، عيناه حمراوان، و من ثم أخذَ نفسًا و أعاد ببصره على ظهر إبراهيم، مباشرة الى أثر الجرح .
ـ ه..هل ستُسجن ؟
سأله بصوته المبحوح، بعد كل ما حدَث هذا ما يفكر به؟ أليس من المفترض أن يلومه؟ أو يهرب منه؟
"ضحكة"
لدقيقة واحدة إستمر بالضحك، بينما ثيو يختنق بشهقاته مصدوما لضحكات إبراهيم في هذا الموقف .
ـ توقعتُ منك أن تندفع نحوي و تقتلني، تفاجأتُ حقا برد فعلك هذا، بالطبع سأسجن و أُعدم، أما انت، فأكمل دراستك ..
وقفَ إبراهيم و دموعه التي مسحها قد تركت أثرها على وجنتيه:
" لتُصبح مهندسًا ناجحًا، و تعوّض ما فاتك، لازلتَ صغيرًا يا فتى، عمرك خمسة و عشرون سنة فقط، أمامكَ طريقٌ طويل "
إلتقط ثيو قميص الطبيب من الارض، و قدمه إليه ضاربا على صدره بعنف : "لنهرب"
تفاجئ الطبيب من طلبه، الهرب؟
ـ لا اضمنُ لك بأنني سألتقي بآسر بعد الآن، ربما تخلى عني، قال لي الضابط أن والدي رفض زيارتي و أُمي كذلك، لم يكن أحد يزورني غيرك أنذاك..
لذا انتَ الوحيد من وقف معي خلال الست سنوات الماضية و حتى الآن.
لذا فالنهرب فقط، انا لازلتُ مُطلوبا و لا أضمن بأن القانون سيأخذُ بحقّي، إن كان هو من ظلمني بالأصل، و انت .. لا أُريد خسارة شخصٍ آخر أنا حقا أثق بك دكتور ..
لا..لا يُهمني إن كان ما فعلته ظلمًا لي، كنتَ ضعيفا و صحَّحتَ أغلاطك تجاهي، أنا أُسامِحك، لذا لنهرب قبل أن يأتي المحقق هنا ...
رفع الطبيب حاجبه، و نظرَ الى ملامح ثيو، كانت تحمل إصرارًا، جمعَ إصبعيه الإبهامَ والوسطى، ثم حرَّرهما بخفّة نحو جبينه " غبي، فعلتُ ما بوسعي لأُنقذك و تقول نهرب؟ إخرس فقط سأُسلّم نفسي و ننتهي من هذا، أيضا إيّاك و التفكير بالإنتحار مرة ثانية! "
ـ دكتور لا، أرجوك لأعمل أنا و انتَ تختبئ في مدينة أُخرى لحينِ أن نجد حلّا ! .
إرتجف صوته وهو يحدّق به بعينين إنساب بهما الذعر، ثم قبض على ذراعه مانعًا بتجاهله، محاولا انتزاعَ القرار منه.
"لا تسلّم نفسك... نستطيع الهرب، أيَّ مخرج... فقط لا تتركني هكذا، تحمل مسؤوليتك انتَ من فعل بي هذا ."
لكن إبراهيم لم يُبدِ أي اضطراب، بل إرتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة على نحوٍ موجع، أحاط وجه ثيو المرتعش بين كفّيه :
"انصت إليّ... لا تجعل تضحيتي تذهب سُدًى، و أيضا لن أتركك انتَ لن تعود إلى هناك، سأتأكد من تسليمك الى آسر، و من ثم أرحلُ حيثُ أنتمي "
أزاح بإبهامه أثر الدموع العالقة عند وجنته، وتابع :
"إن فررتُ الآن، فكل ما فعلته وكل ما خسرناه سيكون بلا معنى، لذا دعني أمضي في الطريق الذي اخترته."
أفلت وجهه ببطء، واستدار دون أن يسمح لنفسه بنظرةٍ أخرى.
أما ثيو ... فبقي واقفًا في مكانه.
ذراعاه اللتان حاولتا التمسك به سقطتا بضعفٍ إلى جانبيه، وعيناه ظلّتا معلقتين بذلك الظهر الذي كان يبتعد أكثر .