ـــــــــــ
بعد إسبوع | الساعه 8:45 صباحا
إندفعت أبوابُ المستشفى الزجاجية بقوة، ليدخل رجلان .. الأول يرتدي معطفًا أسودًا طويل، إنه المحقق !
إلى جانبه رجل ببدلة زرقاء و أنيقة، يحمل حقيبة جلدية، كان المحامي ..
و في الخارج رجال الشرطة يحيطونَ بالمبنى ..
عقد المحامي ذراعيه، يحدق بالممر " المكان فارغ هنا، أيُعقل أنه يوم عطلة؟ "
ضغط المحقق على فكه بقوة، أما المحامي، زفرَ نفسًا طويلًا وهمس بصوت منخفض:
ـ " أُطلق النار؟ "
التفت إليه المحقق بطرف عينه : " إنتظر "
رفع المحامي نظره نحو الطابق العلوي، قائلا " المكان دافئ، إذن لا يزالُ احدٌ هنا "
....
إرتطم باب الغرفة بدفعةٍ عنيفة من قدم المحقق، وهو يحدق بالجسد الممدد على سرير المستشفى.
و سرعان ما قطع طريقهُ الطبيب، وقف بينه و بين ذلك السرير، ممسكا بمعطفه الطبي " لم يبلغني أحدٌ بأنه ستتم مداهمتي ! ، المريض متعب لا يجوز لمحققٍ أن يكون بهذه الوقاحة "
وقف الطبيب أمام السرير مباشرة، مانعًا الطريق بجسده، يثبت نظارته بإنزعاج.
" ما كُنت بفاعلٍ لو أنّك خرجت !"
نطق بها المحقق ..
" المريض هنا لا يحمل شيء سوى ألمه ."
قبض على ياخة سترته، و بعنفٍ جعل ظهر الدكتور يصطدم بحافة السرير المعدني.
"أتستهزئ بي؟ تعلم بما نحن هنا لأجله ! "
أبعد الدكتور يد المحقق عنه " تادَّب معي و ستأخذُ مبتغاك دون الإضطرار لسفك الدماء "
ربت المحامي على كتفه قائلا " إهدأ .."
المستشفى \ غرفة رقم ـ 2 ـ
رفع إبراهيم حاجبه بتعجّب، يقف أمام المحقق مباشرة و خلف المحقق يستقرُّ المحامي، وسطَ الغرفةِ الباردة، التي تضمُّ مكتبًا ضخمًا، و عدة أجهة طبيّة، سأل الطبيبُ بفضولٍ خافضًا صوته " من انتُما؟ "
ـ رمى المحامي مجموعةَ اوراقٍ على الارض، و قرَّب رأسه مُهددًا الطبيب، جارًّا بحروفِ كلماته ..
" دكتور إبراهيم، معك المحقق آسر برفقة المحامي ساهر، ستشرحُ لنا الآن و بالتفصيل كيف تتطابقُ فحوصات الدلائِل هذه مع المجرم ثيودور نبيل، التي اجريتها "
وضح له ساهر مبتغاهم، و دون تشفير .
إبتلع ريقهُ الناشف، جلس على أطراف اصابع قدميه ليلتقطَ الاوراق، قائلا مع نفسه " لا تقل وقاحةً عنه " .
رفع جسده و طلب منهم الجلوس، قام بقراءة المستندات " أنتَ مع المجرم أم ضِدَّه؟ "
ـ ماذا تقصد ؟
تفحَّص الطبيب كل المعلومات، و تابَع :
الفحوصات أجريتُها قبل سبع سنوات، جميعها خاطئة، المجرم ليس متورّطا بشيء .
إلتفت آسر ناحية المحامي، ليجده يرمقهُ بنظرةٍ متفاجئة، لسلاسة إعتراف الطبيب !
في حين أنه أضاف " سأكتفي بهذا لليوم، لن أتفوه بشيء آخر، و الآن إن لم تمانعا فقط غادرا، لدي بالفعل موعد لأحدى العمليات .."
ـ لأيّ غاية؟
سأله المحقق، ضاغطًا على رقبة الطبيب بإبهامه و سبابته ..
ـ ما اود قوله لن ابوح به هنا .
ـ إذن؟
نظر الطبيب لآسر، و همس له " انتَ آسر عبد الرحمن، صديقه المقرب، هو بإنتظارك ايضا يا آسر "
حاول المحقق السيطرة على مشاعره، متسائلا عن مكان تواجده؟
ـ لا أستطيع، جميع من في المستشفى سيتضرر، تعاونو معي لإنقاذ ثيو دون الحاق الضرر بمن حوله "
جمع إبراهيم الفحوصات و هو يقول لهما " غادرا من فضلكما يكفي أنكم داهمتم المكان، الشرطة تجوب بالخارج، لدي موعد مع احد المرضى، غدًا سآتي إليك و معي الفتى، موافق؟ "
طرح إبراهيم هذه الفكرة عليه، و لم يكن لآسر خيار إلا و الموافقة، عقد حاجبه و ضرب على الباب عند خروجه " غدا و إن لم تأتي به، سآتي أنا و أجعلك تجثو أمام قبرك! أفهمت؟ "
ـ بالطبع ايها المحقق فلستُ بحاجة لتهديد، أنا أيضا إكتفيتُ من هذا .
خرج آسر برفقة ساهر، لم يكن له خيار سوى مجارات الطبيب خوفا من أن يتأذى صديقه، إضطرَّ على الموافقة دون تهور.
داخل المنزل، آسر يستحم و ساهر بالمطبخ يحاول طهي شيءٍ خفيف .
ـ أنا جائع الم تنتهي؟
خرج آسر و هو يفرك شعره بالمنشفة، يرتدي بلوزةً بيضاء إذ ينعكس لونها على بشرته الداكنة، مع بيجامه رمادية، جلس على الأرض قرب الباب، شعره الأبيض مجعّد و خصلاته رطِبة .
ـ بيض مع الطحين ؟
ـ أُحبّه .
إنتهى ساهر من طهي الطعام و جلس أمام آسر، و الذي كان شارد الذهن، لم يتناقشا حول ما حدث في المستشفى، لذا بادرَ المحامي اولا " حسنا، ما رأيك بما قاله الطبيب؟ "
سأله ساهر و هو يصبّ الشاي " حار ! "
تنهد آسر و فرك عينيه، أخذ رشفة من الشاي و هو يصارع الكلام مع إبتلاع اللقمة " لا أعلم، فقدت شغفي في التفكير، فقط أنتظر الغد ..."
ـ مهلا هذا الكوب لي ! آسر~
" وضع إصبعه في الكوب "
ـ خُذه ..
ـ تبا لك! إشربه أنت، غدًا ستذرف دموعك " إستهزاء ".
مد آسر ساقه و ضرب بها فخذ ساهر " إخرس، أنا ابكي؟ هذا إن إلتقيتُ به اصلا ! "
ساهر يستغل شرود آسر ليأكل أكثر منه! و هو يمضغ، رفع بصره لآسر و ألقى بسؤاله " أتشتاق إليه ؟ "
تجمّد فكُّ آسر، إبتلع اللقمة بصعوبة، و شرب الماء، أرخى بجسده الى الحائط، و إلتصقت خصلاته الباردة على الجدار " ما عاد الشوق وحده يصفني، فأنا بحاجةٍ إليه، أتعلم يا ساهر؟ لا عِلاج للإشتياق سوى اللقاء .."
...