-
الساعه 11:18 مساءً
ـ أين ثيو ؟
سأل إبراهيم و هو يقفُ قربَ التدفئة، واضعا منشفة حول رقبته .
أجابته لينا موجهةً بنظرها صوبَ الخارج .. " هو في الحديقة، لم يأكل شيء منذ يومين ! "
ـ عنيد " يضحك" تصرفاته طفولية ألا ترين هذا ؟
إقترب من لينا مع إبتسامة لم تصل لعينيه، أخذ منها الطعام ليضعهُ على الأرض " شكرا لكِ، و بخصوص هذا، من الغد لن تضطري للمجيء"
ضاق قلبها بكلماته و سألته بخوف " لماذا؟"
ـ هذه المستشفى ستُغلَق، دبّرت وظائف لكل من هنا، ما عداكِ، إذ يمكنكِ ان تستريحي و المال يصل إليكِ، سيتكفل شخصٌ أعرفه بعلاج إبنك ايضا، فقد إكتشف المحقق كل شيء و غدا سأذهب .
نزلت بجسدها أمام الطبيب، و بيديها المجعدتين، ضغطت على كفّه، إنهمرت الدموع على وجهها الذي أضناه الكبر :
" دكتور! أخبرتك أن تكتفي بالصمت! انتَ بمثابة إبني كيف سأتعامل من دونك، هذه المستشفى بيتنا الثاني أين سنمضي من بعدك ..."بكاء".
قدم لها كلماته الأخيره قبل وداعها..
" شكرا لكِ، خدمتي هذا المكان لأكثر من اربع سنوات، أرغب بالبقاء و لكن ... لكل بداية نهاية و وصلتُ لنهايتي معكم، إعتني بدجّان اقصد " ثيودور" من بعدي يا أُمي، و تذكري كما أنك تعتبريني إبنا لك، أنا ايضا أعتبر ثيو إبنا لي.. " إبتسامة" .
ـــــــــ
إبراهيم يقفُ عابرًا بجسده عتبة الباب، يراقبُ ثيو و هو يخطُّ بأصابعه على الورق، ليرسم المستشفى إذ كان شعوره بمفارقتها يلاحقه، رابطًا شعره مع تناثر خصلاته على جبينه..
" الطعام يبرد !"
ـ تجاهُل ـ
ـ ألن تأكل؟ تحتاج للطاقة بشأن هروبنا !
إنتفض و إلتفت إلى الطبيب، نهض و قفزت ضَي بفزع، توجَّه ناحية الطبيب و هو يبتسم بتفاجُؤ " سنهرب ؟ "
ـ أليس هذا ما أردته؟
ـ بلا!
ـ إذن أُدخل لتأكل! ربما لن تستطيع الأكل غدا، أَسرع !
سبقَ ثيو الطبيب إلى الطعام، و بدأ يأكل بشغف و هو لأول مرة يراه الطبيب مبتسمًا! شعر إبراهيم بحزن ممزوج بموجةِ سعادةٍ عابرة، أرادَ تناولَ الطعام معه لآخر مرة ...
ضحك ثيو قائلا " سنأخذ ضَي؟ "
ـ بالطبع! لتهتم بها انتَ .
رمى إبراهيم قطعة دجاج لقطته، و هو يتأملها محاولا توديعها بنظراته .
إغبشت رؤيته، مصارِعًا دموعهُ بأن لا تنهار، حتى لا يلحظهُ ثيو، بينما الفتى يأكُل بسعادة ! ...
ـ إسمع بما أنك لبَّيتَ طلبي، سأقوم بعرض رسوماتي عليك! " ضحكة "
مازحهُ ثيو و هو ممتنٌ لطبيبه، لم يكن على علمٍ بمكان هروبهم، ولا الوقت، إذ لم يزعج الطبيب بسؤاله حتى! ، بما أنه سيتبع إبراهيم فهو مُمتن ..، رغم ملامسةِ الحزن لقلبه، فهو يريدُ لقاء آسر ايضا !
إبتسم إبراهيم ابتسامةً هادئة، تلك التي تحمل من الوداع ما لا تستطيع الكلمات حمله... ردَّد في سرّه :
"هذه آخر مرةٍ أراك فيها، فاحفظني في زاويةٍ جميلة من ذاكرتك."
ـــــ
بيت شعري من تعبير الكاتبة :
اتهجر يا طيفَ الأحبّةِ من صبر
على بُعدهم ذاكَ القلب العليلا
فيكَ نُداوي الحزن فإننا
لقينا من الفِراقِ فقدًا كليلا
أنصبّر النفس بِريحِ ذكراهُمُ
لتغدو الذكرى حلمًا قتيلا؟