ـ الساعة 8:20 صباحا

اكتَسى ثيو معطفا أسود و طويل، يكادُ يلامس الارض، مع بنطلونٍ أسود، تحت المعطف يرتدي بلوزة رمادية، و شعره الفحمي منسدلٌ على ظهره و فوق المعطف.

بينما لينا تقفُ بعيدا و الدموع لم تبرح عينيها، عكس ثيو فهي تدركُ نهايةَ إبراهيم بعد هذه اللحظة .

قبّل رأسها لآخر مرة، حاملًا ضَي مع إلصاق قبلته الأخيرة عليها ايضا، وقفَ بنظرته الأخيرة للمستشفى، و التي كانت مكانه الوحيد، و من ثم رفع ذراعه ناحية لينا، ملوِّحًا لها، إلتفت إلى ثيو و الذي سبقهُ لسيارته بحماس .

حملتهم السيارة تحت أشعة الشمس الطفيفة، " لَم نحضر معنا أغراضًا كافية! "

إشتكى ثيو و هو ينظر إلى المقعد الخلفي ..

ـ لأُوصِلَنَّك إلى أحد المعارف، ثم أعود لأُحضر الباقي .

لم يزعجه ثيو بسؤالٍ آخر، إكتفى بتأمل منظر المدينة، و ضَي تلعبُ في المقعد الخلفي .

ـ وصلنا، إنزل و خُذ ضَي معك .

إنتاب ثيو إحساسا برؤيته لهذه الشوارع، لم يعطي للأمر أهمية، فتح ثيو باب السيارة و سحب القطة لحضنه، وطأَ بقدمه اليسرى على الارض الرطبة، خرج بنصف جسده إلى الخارج، و إلتفت لإبراهيم " ألن تأتي؟ "

ـ سأعودُ لإحضار المستلزمات الباقية ..

ـ حسنا، أنا أَنتظرك لا تتأخر .

ـ ثيو! ، خُذ هذه .

أعطى له ربطةَ شعرٍ جديدة، فقد لاحظَ أن ربطته أُتلِفت! كانت بيضاء .. ليتمنى له حياةً خالية من السواد، أخذها ثيو بصدرٍ رحب، و خرج .

شعورٌ باهت يتسرّب خلف سحبٍ مثقلة .. فيما أخذ المطر الخفيف يرسم دوائر صغيرة فوق الطرقات الرطبة، كل شيء بدا ساكنًا، نسيم بارد يلامس الوجوه، كأن التوقيت قد إختار نفسه، و هدوءهُ هذا ليشهد لقاءً دافئًا بين روحين اعتادتا أن تجد كلٌّ منهما الأُنس في الأخرى.

إرتعاش ...

رجلٌ أسمر، ذا شعرٍ أبيض يقفُ أمامه مباشرة، فما إن وقع بصره عليه حتى إرتسمت ابتسامة وصلت إلى عينيه، دافئة و بشوشة، تحملُ حُبَّ أخٍ كبيرٍ لخِلِّه الأصغر، الذي اعتاد أن يستقبله بعد عودته من مدرسته بثيابه الرثَّة.

تجمَّد ثيو بمكانه، يحدّق بمن أمامه !

تلاقت الأعيُن، و تلاشت الكلمات، غير أنّ شيئًا واحدًا فقط تردّد داخله " آسر ؟" لم يقوى على النطق بها.

كسر آسر الهدوء بالإقترابِ منه خطوة تلي خطوة، و في كل مرة تصبح المسافة أقصر، بينما تتوسع المسافة بين ذراعيه، ناجاهُ بعتابٍ دافئ :

"قَد أضناني الشوقُ إليكَ حقا، هَلُمَّ إلى حُضني فقد طالَ بيَ الحنين"

لحظاتٍ معدودة و إستقر ثيو بين أحضانِ أخيه، الشهقات تعالت، و الكلمات سافرت حنجرته، آسر يشدّ ذراعيه حول خليله، و دموعه تحرق وجنتيه .

رفض ثيو جعلَ اللحظة تمرّ بسلام، إذ دفعه قليلًا ثم هوى بكفّه على وجهه، ضربةً قوية ارتجّ لها خدّه، هتفَ بإنفعال:

ـ أين كنت؟ أين كنت بحق ربّك؟ أتدرك كم انتظرتك؟ ..

بقي آسر صامتًا لثوانٍ، يتفحص ملامحه الذابلة و التي فضحت خوفه أكثر من غضبه ..

ابتسم ابتسامةً باهتة يشوبها الذنب، وما كاد يبتعد عنه حتى شدّه إليه مجددًا، هذه المرّة بعناقٍ أشدّ وأقوى، أطرق رأسه قرب كتفه وهمس بصوتٍ خافت:

ـ آسف .

لم يجد ما يطفئ به نار خليله، إكتفى بإختصار الاعذار بالإعتذار .

قاوم ثيو لوهلة، حتى شعرَ بقبضة صديقه المرتجفة تتشبَّث به... شيئًا فشيئًا خارت مقاومته، وإختفى غضبه، ليستقر أخيرًا بين ذراعيه، فإن قلبه و رغم عتابه .. كان ينتظر هذا الأمان منذ زمن.

ساهر يقف خلفهم، و يوثق لحظاتٍ كهذه بإلتقاط الصور! لنيّةِ إبتزاز آسر بها.

إلتفت ثيو إلى إبراهيم بإبتسامته، و سرعان ما تلاشت الإبتسامة، ذهب ؟ ، هو و بالرغم من علمه برحيله، إلا و أن الشك بعدم رؤيته مرة أُخرى قد خالط قلبه .

ـ قال سيعود، تعال معنا الآن، لننتظره بالداخل !

قطع آسر خيبتهُ بهذه الكلمات، و جرَّ صديقه معه .

قاطع طريقهم ساهر ليمدَّ يده مصافحًا له:

ـ ساهر !

ـ ثيـــ

توقف ثيو فجاة و إلتفت لآسر، و هو بِحَيرةٍ إن كان من المفترض أن يفشي بإسمه ؟

ضحك آسر و صفع كتفهُ بخفه " هذا المحامي ساهر، هو صديقي لا تقلق ! "

إرتخت ملامح ثيو بسرعة و بادلهُ المصافحة .

الشقة التي إشتراها ثيو ليمكثَ مع آسر بها في فترة دراستهم بالجامعة ...

وقف ثيو أمام عتبة بابها و الذكرى حوّطته، نظر لآسر قائِلا:

" ما زلتَ تسكنُ هنا "

ـ بالطبع ! ، إنتظرتكَ كثيرا يا ثيو، لم تأتي ... لذا قررتُ أن آتي إليك انا !

" يضحك "

دخل الثلاثة إلى المنزل، ساهر يعدُّ الشاي لهم، و آسر يجلس بجانب صديقه الذي إرتكزت القطة بحضنه و هو يتفحص شعره الطويل " عجبا ثيو لم أتوقع رؤيتك بهذا المنظر ! "

ـ نعم .. كانت فكرة إبراهيم، مهلا كيف إلتقيتَ به ؟

قصَّ عليه آسر لقائه بالدكتور، و ما إن إنتهى .. حاول تشتيتَه عن الواقع " الآن إشرب الشاي لتُدفِّئ صدرَك، قالَ الطبيبُ أنَّك بكيتَ كثيرا في الآونة الأخيرة ! "

إحمَرَّ وجهُ ثيو بينما تصاعدت ضحكات كل من ساهر و آسر !

ـ مهلا آسر !

ثبّت ثيو آسر بيديه..

حدّق به طويلًا .. إلى حدٍّ جعله يشكّ في بصره، أهو حقًّا أمامه؟ أم أنّ عقله المُنهك من الاشتياق بدأ ينسج له أوهامًا تشبهه؟

"أأنت حقًا هنا؟ أعني انا خائف من أنك قد تتلاشى، فقد كان بيننا لقاءٌ كهذا في حُلمي "

لم يجبه آسر، اكتفى بابتسامته الصغيره... تلك الابتسامة وحدها كانت كفيلةً بتحطيم آخر جدارٍ من الشك داخله.

ـ أنا سعيد، فقط لا أعلم ما أقوله !

ضحك ساهر على تصرفات ثيو، كان عكس توقعاته تماما " أنتَ ما زلتَ لا تصدق؟ هذا سخيف !"

رمقهُ ثيو بنظرةِ غضب، قائلا له " ليس شأنك " .

ـ ايها الوقح !

رفع ساهر ملعقته ليضربها برأس ثيو، لكن ذكرى الصور منعته، لذا اعاد بيده الى الأسفل " طفل "

أوشكَ ثيو النطق بكلماته، فسبقتها الدماء .

منعها آسر بوضع منديلا تحت أنفه، قائلا لتهدئته " لابدَّ من أنك متعب، هيا بدّل ثيابك و لتنام قليلا ! "

أخذ ثيو المنديل من آسر، و بتعجّب: " أنام؟ و في وضح النهار! بالإضافة إلى أنني إلتقيت بك أخيرًا ! ، أيضا سأنتظر عودة الطبيب، أخبرني بأنه لن يتأخر ! "

ـ بخصوص هذا ... " فرك آسر رقبته بتوتر، و نظر لساهر، و بعينيه أطلق إشارته ."

أطفأ ساهر النار تحت إبريق الشاي، و تخطَّاهم ناحية الخِزانة .

ـ ماذا؟

ثيو يتسائل عن سبب إرتباكهم !

مازحه ساهر و هو يقلب ما بالخزانة " لا تقلق آسر يفرك برقبته لكونه لم يستحم " إستقام ساهر خلفه، و صارحه بكلماته " لكن يجب أن تعلم، إبراهيم لن يعود "

ـ لا يا حقير ليس هكذا !

إنزلق المنديل من يديه، و ما إن حاولَ الوقوف، وضع ساهر كِلتا يديه على كتفه، ضغط على جسده ليجبره على الجلوس .

إنتزع آسر الحقنة من ساهر، ليغرس المخدر في جسد ثيو، قاوم و هو يصرخ، أصبحت حركاته عشوائية و صوته إعتلى، ضربةً لساهر و الأُخرى لآسر !

رفع آسر أكمامهُ شادًّا عضلات يديه بقوة، قبض على ذراعه و غرس الحقنة في وريده كانت بعشوائية إلا و سرعان ما فقد ثيودور وعيه .

ـ ربّاه، أفسدَ ثيابي! اهذا آخر ما توصّل إليه الطبيب من حلٍّ؟

ساهر محاولا إنزال ثيو على الارض، و هو يمد قميصه المجعّد بينما آسر باعدَ بخصلاتِ شعره عن بشرته الشاحبه، و مسح الدماء الجافّة على وجهه:

ـ ساعدني في حمله.

ـ مستحيل يا رجل، الا ترى حجمه؟ ماذا كان يأكل؟ هل أكل أحد المرضى؟ إنه ليس نفس الشخص في تلك الصور، مخيف تحولهُ السريع ..

لم يكتفي ساهر بالثرثرة لذا تجاهله آسر فقط، كان الغضب يعتلي عروقه لرؤية صديقه في هذه الحالة، ما ذنبه؟ لماذا فقط يمرُّ بهذا!

حمله آسر على ظهره و ساعده ساهر بذلك، رماه على سريره الخشبي ..

خلع له آسر المعطف، و بالصدفة ظهرت بطنه .. تجمدت يدا آسر، و ركزت نظراته على الجروح، نفسها في تلك الصور، هو يراها امام عينيه الآن ! .

ـ حقَّه سنُعيده .

لمس ساهر طرف التيشرت لإنزاله، مغطيًا على تلك الندوب و هو يسحبُ آسر للخلف .

و فجاة! قفزت القطة إلى حضنِ ثيو النائم، إختفى بعض جسدها تحت ذقنه .

ـ حصل على شيء لطيف بالنهاية .

قالها ساهر و هو يراقب حركات القطة .

ــــ

2026/07/13 · 1 مشاهدة · 1282 كلمة
نادي الروايات - 2026