آسر و في أحضانِه ثيو، جسده يرتعش بعشوائية من المنظرالذي أمامه، محجرُ عينه اليسرى فارغ! ليس سوى بقعةِ دمٍ، بعد أن باعد آسر القماش المحيط بها، و الذي تحول لونه للاحمر، أعاده لمكانه و الشحوب إحتل ملامحه .
من ثم إلتفت إلى النافذة، ليجد رجال الإنقاذ يحاولون إخراج جثة متفحمة،.. بالخلف ساهر يصارعُ إختناقه، فهو يعاني من الربو!
لاحظ إنهيار صديقه، ضاقت عيناه و العرق يتصبب من جبينه، منهارًا فوق تراب الارض و حولهُ العامّة، لَوَّح بيديه لآسر .. حتى يطمئِن .
بعد إخماد الحريق ..
نقلَ الإسعافُ ثيودور الى المستشفى، كان يتوسط حضن اخيه، إذ رفض آسر التخلي عنه، غرق بدمائهِ، ... كان يعتصر جسده بقوة .. و صرخة الطبيب تتردد في مسامعه.
مضت أربعٌ وعشرون ساعةً ..
آسر لم يبرَح سرير ثيو، فور خروجه من الجِراحة، إستقرَّ حِذاءه، رأسهُ على السرير و يداه تغطي عينيه، و الدموع لم تجف.
بينما ساهر خرج من العناية المركزة ..
" فتح "
دفع الباب بهدوء، ليجد آسر راميًا بجسده على الأرض الباردة، ملازمًا جانب السرير،.. منكّس الرأس، وجبهته مستندة على طرفه، و فوق الفراش الأبيض، بينما امتدّت أصابعه لتتشبّث بكفّ ثيو الشاحب .
هدوءٌ شجين، .. لم يقطعه سوى صوت أجهزة دقات القلب التي كانت تُعلن بصفيرها أنّ ثيودور ما زال يقاوم..
تقدّم ببطء، .. ثم وقف خلفه، كان و لأول مرة يشعر بعجزٍ لمواساة صديقه، شعرهُ أخَذ هيئتهُ المجعّدة، لِتَصبُّبِ عَرَقه المستمر، فهو على حاله منذ الحادثة، مدّ يده ووضعها على كتفه برفق .
انتفض الآخر، إلا أنه ظل ساكنا مع شدِّ قبضته على كف ثيو..
إبتلع غصّةً قبل أن يقول بصوتٍ منخفض :
ـ أعلم أن رؤيته هكذا تؤلمك.
ساد الصمت ثانية، ثم تابع .. : "لكنّه ما زال هنا ! ، الحمد لله أن الطبيبــ .."
أومأ براسه للأسفل، و بأسًى شديد " لحِق به، .. الخسارة كبيرة، لكن هذا أفضل من لا شيء "
زفرَ بإرهاق، و جلس على قدميه قربَ آسر " ما زال في غيبوبة؟ "
اومأ آسر مجيبا ب "نعم" .
رفع رأسه، و بياض مقلتيه مُحمر، دموعه طُبِعَت فوق غطاء السرير ..
مسح على الشاش الأبيض و الذي يحيطُ برأس خليله، مُسمّيًا الله عليه، سحب نفسه بصعوبة من جوار صديقه الراقد، وحين وصل إلى الباب، إستقر كفّه على المقبض ..
سألهُ ساهر و هو يتبعه على عجَل، ظانًا أنه و أخيًرا إختلَّ عقله ..
ـ أين؟
ـ أُوصِلُ تحيّتي لسليم ..
إبتسم، و رفع ذراعه ليضعها على كتف المحقق، متمتمًا بحماس " يا أُمّي "
ـــ
ـ لم اتوقع أنك ستنجح بهذه الطريقة، فقط لِترى نظرات الإعجاب و أنا أُركّز بتفاصيل جثّته! ، أدهَشني هذا، .. سآتي للإحتفال معك سيّد نبيل!
تعالت ضحكات سليم في أرجاء المكتب، و هو ينظرُ لإبراهيم كيف كان يتلوّى حرقًا داخل المبنى، الكاميرات صورت له المشهد، .. و ببطشٍ و حقد .. يثني على نبيل خلف المكالمة .
ــــــ
بيت شعري من تأليف الكاتبة:
لِلَّهِ دَرُّكَ٬ هجرتَ قلبًا واهيًا
لهواكَ تعلُّقًا لاهجًا لم يرتَوى
كنتَ الأنيـسَ لمهجةٍ لم تجـد
من بعدِكَ العَضُدَ القريب المُرتجى
بِرَبِّكَ عُدْ إنَّ الفؤادَ بِلَوْعَةٍ
لِوصالِكَ غَدا شجينًا مُعترى