الساعة 4:50 مساءً
المستشفى ـ غرفة رقم 5
ثيو مُستلقٍ على السرير، يحدّق بالسقف، .. بعد فقدانه لعينه اليسرى، و خسارته الكبيرة .
الطبيب بالخارج، يناقش حالته مع آسر الذي عاد لرؤية صديقه : " لشدة ما مر به، هو الآن يعاني من ضعف في عضلات القلب، إضافة إلى أن عينه اليسرى تم إقتلاعها لذا لدينا خيارين، الاول تبقى كما هي ..
فارغة و سيشوِّه هذا منظر وجهه، و الثاني نزرع بمكانها عينًا إصطناعية، لن يرى بها على أي حال، و أيضا .. أثناء إجراء الفحوصات كان من الواضح أنه أُصيب قُبيلًا بساقه، ضاعف هذا الأمر و تأثرت اعصابه " .
الطبيب يقف امامه مباشرة، يشرح له ما حل به، .. آسر ينصتُ إليه بحزن، أخذ الفحوصات الطبية منه و إعتصرها بيديه .." أيوجد حل؟ اعني لإسترجاع بصره؟.."
تنهد الطبيب بِأَسًى نافيا برأسه" يجب أن يتأقلم بأن يبصر بعينه اليمنى فقط
"
ثم أكمل بتردد " و بصراحة ايها المحقق، يصعب الجزم بأن الفتى سيعيش طويلا، .. إن بقي حاله كما هو فالأمر صعب، فهو متدهور جسديا و نفسيا، أنا على عجبٍ من بقائه إلى الآن .. "
ترك الطبيب آسر وحده أمام باب الغرفة، وقف لدقائق مترددًا، عضّ شفته قلقًا، و مسح على عينيه ليبعد أثر دموعه، أدار المقبض .
ارتجفت شفتاه، إلا أنّ الكلمات أبت أن تخرج كما ينبغي، فقد خانته اللغة أمام من كان يومًا يملأ حضوره المكان حياةً، كيف لذاك الذي إعتاد رؤيتهُ بوجهه البشوش أن يغدو الآن بهذا الخمود و الضعف ؟ .
وقف ساكنا، .. نظر له و هو متكئ بظهره على الحائط و فوق السرير الطبي،.. لم ينطق بشيء روحه فارغة تماما ..
إعتصر آسر كفّه و ضاق جفنه، .. سارع بخطواته نحوه و جر رأس ثيو إلى حضنه " الحمد لله، أفَقت "
رفع ثيو يديه لتتشبّث بخصر أخيه الذي دفن وجهه ببطنه، أحاط ذراعيه حول ظهر آسر، و خرج النحيب يشق حنجرته، لم يقل شيئا إكتفى بالبكاء فقط .
باعَد آسر يد ثيو عن خصره، قبّل رأس أخيه، و مسح على عينه المصابة برفق " يكفي، أي شيء ضدك سأُسقطه، إنتهى سليم، هو و كل من لحق الاذى بك "
ـ لا أستطيع، انا مُتعب ..
خرجت الكلمات بصعوبة، أنفاسه غير مستقره و هو يمسك بذراع آسر مرتجفًا بضعف " أشعر بألم في جسدي و قلبي .. "
ـ لا بأس، انا معك خطوة بخطوة لن تمضي بمفردك بهذا، نفسيتك ستُعالج، فقط حين نخرج من هنا، نحن سنسافر، انتَ تكمل دراستك و أنا أُساعدك .
بعد أن غفى ثيو على ذراع آسر، الذي يطبطب على كتفه برفق، محاولا التخفيف من آلامه ..
فتح عينه بحركة خفيفة، ليسألهُ بصوتٍ هامس :
ـ دُفن؟
توقفت يد آسر، و من ثم أكمل ماسحا على شعره الفحمي :
ـ نعم، .. أترغبُ بالذهاب؟
أنزل ثيو بصره، .. و اومأ برأسه مجيبا بنعم .
ـ حسنا لكن اولًا ..
سحب آسر ذراعه من تحت رأسه، و هو يقرصها بإنزعاج " لا أشعر بشيء، تنملَت ! "
طرق على الباب ..
دخل ساهر، فإنتفض ثيو بفزع ..
ما إن وقع بصرُه عليه وهو يخطو إلى داخل الغرفة.. حتى تبدّل وجهه فجأة، وإتسعت عينه باضطراب، ارتفع صوته على نحوٍ هستيريّ وهو يشير إليه بيدٍ مرتجفة:
"اخرج... اخرج من هنا حالًا!"
تردّد صدى صراخه، الانفاس تضيق في صدره، وكأن مجرد رؤيته له يوقظُ الوحش الذي بداخله .
أما الآخر، فتجمّد في موضعه لثوانٍ، انعقد حاجباه متسائلا، قبض كفّه بقوة، ثم إندفع خطوة إلى الأمام هاتفًا بغضب : "هذه هي طريقتك في ردّ الجميل؟ "
ربت آسر على ظهر ثيو بتوتر، لا بد من وجود خلل!
ـ ثيو ماذا دهاك؟ هذا ساهر!.
تفجَّر غاضبًا و متعثِّرا بحروف كلماته " هو من منعني من الخروج، .. لم أستطع الوصول إلى الطبيب في وقت أبكر، هو من فعلها! "
أطلق ضحكةً قصيرة قبل أن يرمقه بنظرة إستحقار :
"أنا؟ أتمزح معي؟ ألم يكن هو من وصلَ إليك و ليس العكس؟ ، أيضا كان حبسي لك هي من مطالب الطبيب و آسر! "
نهض آسر و قبض على كتف ساهر " فقط لنخرج و نتحدث بعيدا عنه، هو الآن يمر بإضطرابــــ"
ـ لا ! .
صرخ ساهر صافعًا يده لإبعادها، ثم نظر ناحية ثيو و الذي كمش بغطاءه الأبيض، مُصرًّا على أسنانه بغضب ..:"لو لم أتأخر بسببك... لما فقدته."
إشتدت اعصاب ساهر، و لأول مرة إنتابه شعور فقدان السيطرة، " إخرس ايها المريض، جبان! لو أنك لم تذهب إلى المستشفى لما لحق بك الطبيب! "
غطى آسر فم ساهر بقوة و هو ينظر ناحية أخيه ألذي أفلت الغطاء صدمةً، فقد أدرك أن إبراهيم سقط لإنقاذه!
ـ أُصمت ساهر! ما بك؟ أنت تجعله أسوء!
في حين أن ساهر دفع آسر بقوة، رطم جسده بالحائط حيث أن جسد آسر الأمامي أصبح ملتصقا بالجدار بينما ذراعه خلف ظهره مُحكمة بين قبضة ساهر الذي أكمل بسخريةٍ موجِعة ..
" إحترقَ لإخراجك ايها المدلل، اوتظن أنك الوحيد من خَسر؟ انت مخطئ! ، لو أنك رأيتَ صرخات عائلته وجعًا عليه، و كل من عمل معه، فقط لو رأيت ألمهم لما إستخففتَ بمشاعر غيرك ! .
الآن طريحٌ بالفراش و سيتولى آسر أمر علاجك، لتعلم فقط أن الطبيب تحمَّل مسؤوليتك و فقد حياته لذا آسر معرّض للموت ايضا، نكِرة مُدلل. "
قاومه آسر و دفعه على الارض، صعد فوقه ليجلس على بطنه، إنقض على وجهه بلكماتٍ كادت أن تسبب بخلعٍ في فكِّه، " إخرس، أخبرتك .. فقط ..أنا.."
أرخى آسر قبضته و نهض ساهر من تحته، وقف و سحب معه سترته، مسح دمائه من فمه، و نظرَ لآسر الذي يجثو على الارض .." لن اتولى قضيته .."
دخل الأطباء، .. و وجدو المكان في حالة من الفوضى، توجّه ساهر ناحية الخارج بثقل مُنهك، و آسر يجلس على احد المقاعد قرب باب الغرفة، بالنهاية تم طردهُ لتسببه بإزعاجٍ للمريض ..