مضت عدة ايام، .. حاول فيها آسر التواصل مع ساهر، لم يكن يجيب على أي من مكالماته .. بالإضافة إلى أنها لم تصل إليه حتى.
[بيتٌ ضخم، لرجلٍ ذا ثروةٍ كبيرة..]
ـ سيد نبيل، أنت ضمن المشتبه بهم، لا إنما انتَ المجرم هنا !
وضع يديه على قبضة الكرسي الذي يجلس عليه، بينما خصلاتُ شعره مُمشَّطة للخلف .
رجلٌ طويل، ضخم البُنية إذ كان وسيمًا كإبنه .. بشرةٌ شاحبه و شعرٌ فحمي اللون، إلا و أن الطباع تتناقض بينهما .
نبيل نشأ في بيئة لا تقل سوءًا عن بيئة ثيودور الحاليّة، اذ كان طفلاً يتعرض لاشدِّ انواع الإساءة، فقدَ والديه و تربى في دار للايتام مع أخيه الأصغر "آرثر".. تم تبنيهِ من قِبل عائلة ذات اعمالٍ مخالفة.
إذ أُجبر بصغرهِ على الأعمال المحرمة شرعا و قانونا، عكس أخيه آرثر ألذي نشأ في بيئةٍ مُسالمة، مع عائلته الجديدة، إحتضنته حتى البلوغ و تكفلت بزواجه.
في شقته الكبيرة، هو و زوجته، أقبل آسر على زيارته، في الطابق الثالث، إشتدت حدة النقاش بين المجرم و المحقق، فقد كان هذا المجرم بمثابة عمّه الذي يحترمه.
« إذن، و قبل عشرِ سنوات، حين أَجبرتَ ثيودور قسرًا على سلك الطريق الخطأ، .. أبى ذلك و اضطر لهجركم، لكن؟ سلَّمت إبنك ليكون ضحية؟ من أجل ماذا؟ بضع اموال؟ »
ضحك نبيل و هو يحتسي كوب قهوته، و أمامهُ يجلس آسر و بيدهِ فردٌ فضِّي موجهٌ ناحية نبيل :
" أفهم من كلامك أن سليم سقط، تنهد .. بخصوص ثيو، ما شأنك؟ "
نهض نبيل مقتربا من آسر، و بحذائه الاسود و اللامع لامسَ حذاء المحقق " لا تملك دليلا على ذلك، .. أيضا هو لم يسلك الطريق الذي أَجبرته عليه، لذا لم تعد مشكلتي بعد الآن! .. "
ردّ له آسر الضحكة، مظهرا غمازتيه بإستفزاز، نهض لتتقابل مقلتيهما أمام الآخر.. كان نبيل يفوق آسر طولا.
ـ في ذلك اليوم، حفل تخرجهِ الذي من المفترض له أن يسعد به، انت أرسلت سليم ليتفحصه عن كثب، غادرتُ لجلب الأغراض، فلحق به سليم قائلا له بأنه القاتل و انتَ شاهدٌ ضده،.. عدنا للمنزل معا و عُقِد لسان ثيودور، أتعلم كم كان الأمر صعبا عليه؟ شاب خجول و مسالم، حاول مرارا الاعتذار من والده، ليقوم هو بفعل هذا به؟ .
ضرب آسر صدر نبيل بطرف المسدس، مكملا :
الآن هو بالمستشفى، يصارع الموت.. أهذا ما يرضيك؟ ألست أبًا له؟
لم يُقبل نبيل على الرد،.. و الواضح أن ثيو إكتسب شخصيته من والده، الوقاحة و البرود.
أمال آسر برأسه و عصر عينيه ليضيق بصره .." الطبيب إبراهيم، .. انتَ من قتله؟ "
فتح عينيه صدمة و سرعان ما إرتخت ملامحه، .. ضحك و هو يتمتم " لم أتوقع بأن الطفل الذي نشأ بين أحضان عائلتي يقف عدوا لي! "
إقترب منه هامسًا له " مثلك تماما !، أنت أيضا خذلت إبنك "
من ثم إبتعد ليقف خلف الكنبة، ساندا احدى يديه على الجزء العلوي منها، بينما اليد الثانية توجّه سلاحا نحو نبيل " يستحيل لسليم الأرعن أن يقوم بتدبير خطة قتل كهذه.
"سحبَ الزناد بحركةٍ بطيئة"
ـ .. ما مبتغاك؟ ، سيد نبيل وضّح موقفك.
ـ نعم أنا من قتلت الطبيب، و بعتُ ثيو لسليم مقابل اموالٍ طائلة! ايضا من المؤكد أنك إكتشفت السبب، لن أضطر للبوح به، أنت فقط تريد إعترافًا صريحا مني، لكن زوجتي ليس لها علاقة بالأمر.
نظر له لبضعِ ثوانٍ، و أخفى يده بجيبه، أخرج منه كيسا شفافا يحوي ثلاث رصاصات و جميعها تحمل النقش نفسه " هاتين الطلقتين كانتا بجسد ثيو أما الاخيرة فهي ألتي أُصيب بها ساهر، هذا يعني أنك ايضا من حاول قتل ساهر .."
ـ القاتل المستأجر، إعترفَ لك؟
ـ لم يَعترف ..
ـ إذن إستنتجت؟ هذا جيد، كما توقعت .. نعم، حاولت قتله لأني على دراية بأن يوما كهذا آتٍ، لذا إحتجتُ للتخلص من المحامي اولا!
إبتعد آسر و هو يخبئ الرصاصات في جيب سترته، إبتسم لنبيل مبشرًا له" ستُعدم " إذ كانت هذه الكلمة المفضلة لكل مجرمٍ يلتقي به.
..
أخذ آسر يحدق بالارض لدقائق و هو يحاول تفسير نظرات عمه ..
بعد عشرين يوما..
المركز ـ غرفة مُغلقة النوافذ .
الاجواء ممطرة، و الاضواء داخل الغرفة صفراء، تتوسطها طاولة كبيرة بُنيّة اللون حولها مجموعة كراسي، يستقر فوقها القادة، و على الارض سجّادة قرمزية.
و قبل أن يبدأ الحديث، كان الصمت يخيّم على القاعة، و لا يوجد سوى اصواتٍ لاحتكاك الملفات بأطراف الطاولة الخشبية، تتبادل أعينهم النظرات قبل أن تستقر جميعها على المحقق.
قال أحد القادة شابكًا أصابعه فوق الطاولة: "أتعلم ما الذي يُقال في الخارج؟ يقال إنك تدافع عن المشتبه به لأنه صديقك."
إرتفعت همهمة خافتة في القاعة، يتهامسون و نظراتهم تحوم حول آسر، تنهد المحقق بخفّة لإظهار إحترامه المصطنع، و أجاب بصوتٍ خالٍ من التوتر :
" نعم، .. إنه صديقي، ولن أنكر ذلك، لكن الصداقة لا تمحو الأدلة، كما أن العداوة لا تصنعها، أنفي هذا الإتهام الباطل و أنا على يقينٍ بأنه بريء، إن رغبتم بدليل.. "
ساد الصمت للحظة.. فأكمل وهو يدفع ملف القضية نحو منتصف الطاولة:
"إن أثبتت الوقائع أنه مذنب، فسأكون أول من يَضَعُ القيود في يديه، و جميع من هنا شاهدٌ على كلامي.. أنا لا أقف مع صديق... بل أقف مع الحق."
طرق أحد القادة بأصابعه على الطاولة، فأجابه بنبرةٍ تحمل عدم رضى :
"أقترحُ سحب ملف الاستجواب منك، وإسناده إلى محققٍ آخر."
انعقد حاجب آسر، وسأل بهدوء: "لأَي سبب؟"
"لأن المتهم صديقك، تبيّن أنكم نبتّم معا، لذا أخشى أن يتسلل التهاون إلى قراراتك."
نهض المحقق من مقعده، و ضرب على الطاولة بغضب معارضا:
"أتعاقِبونني على معرفتي به؟ وصلتُ إلى هذه المرحلة بعد معاناةٍ و تحقيقاتٍ معقدة، فضلا عن كونه غير مؤهلٍ للتحقيقات في الوقت الحالي، ليس من العدل أن تسلبو القضية مني بعد أن أمضيتُ بها إلى هذا الحد، لو لم أكن صديقه و أرغب في عتق رقبته، إهتماما لأمره، لما قبل أحدٌ هذه القضية! "
قال احد الضباط، ذو رتبةٍ عليا و هو ينظر إليه بإستصغار:
"المسألة ليست ثقةً بك وحدك، بل بصورة العدالة أمام الجميع."
ردَّ المحقق دون أن يشيح ببصره:
"العدالة لا تتحقق بتغيير المحقق، بل بإتباع الأدلة، لدينا ما يلزم، إن كان مذنبًا فسأنتزع اعترافه بيدي، لا بل سأجره إلى الإعدام بنفسي، وإن كان بريئًا فلن أسمح لأحد أن يدينه لمجرد الشبهات."
هزّ القائد الأول رأسه وقال: "وإن عجزتَ عن مواجهته لأنه صديقك؟"
ابتسم المحقق ابتسامة باهتة، رفع يديه شارحا كلماته بهما :
"لو كنتُ أقدّم الصداقة على الواجب، لما حضرتُ هذا الاجتماع أصلًا، أطلب منكم محاسبتي على النتائج، لا على العلاقة التي تجمعني به."
ساد الصمت في القاعة، وتبادلت القيادات النظرات، بينما بقي المحقق واقفًا منتظرًا إجابة صريحة.
ـ ما هي أدلتك؟ .
سأله من هو أعلى رتبة بينهم، طالبا منه الإفشاء بأدلته، لعل إحداها تشفع له.
« الرصاصة الفردية أُطلقت ناحية المحامي، و هاتان أُطلقتا على المتهم .. لكن الثلاثة يحملون النقش نفسه .. و من فعل هذا لا ينوي التخفي ! »
سأله الاعلى رتبة بفضول " علمتَ من فعلها؟ "
ـ بالطبع، ليس سليم، فهو يملك يدًا يمنى لهذا،.. قبل عشرين يوما زرتُ السيد نبيل، و على حدِّ علمي.. كان تاجرًا بالمخدرات.
فتح آسر علبةً تحتوي على فردٍ اسود، أخرج منه خزّان الرصاصات و كان النقش نفسه الموجود على تلك التي عنده..
ـ هذا المسدس، هو نفسه الذي كان بحوزة القاتل، الذي تم القبض عليه في المستشفى بعد إصابة ثيو و الحريق .
ضحك قائد الرتبة المتوسطة، نظر لجميع القادة و هو يناقشهم برأيه " عذرا، إنتابتني نوبة ضحك مفاجئة .. لكن أقترح أن نوكِّل محقق آخر فقط ليحقق حول حياة المتهم، كيف عاش و نشأ، و من بعدها سيعود المحقق آسر بتولي القضية الكاملة، نحن فقط نود التأكد من المتهم "
أيَّدَهُ كُل من كان حول الطاولة، و إكتفى آسر بهز رأسه موافقًا رغم كرهه لهذا..
ـ أنا على يقين بأن نبيل له من يتحكم به أيضا ..
لمّا بلغَ ثيو السادسة عشر، كُنت أنا في الثامنة عشر، أخبرني أن والده يرغمه على سلك طريقٍ سيء، أبى ثيو و طرَده نبيل.
بلعَ ريقَهُ بصعوبة، تعبيرًا عن كرهه لما يقصُّه عليهم..فأكمل:
ـ لذا تخلّيتُ عن سنتين من دراستي في الثانوية ليلحق بي، فننال شهادة التخرج معًا..
خططتُ لأن أعمل حتى اجمع المال لنخرج من البلد بعد إكمال الثانوية، بينما يتفرغ هو للدراسة، وخلال تلك الفترة أقمنا في منزل والدي، قبل أن يقرر ثيو مغادرته، ولأن ثيو كان ميسور الحال، فقد تكفّل بما تبقّى من النفقات، كان قد اشترى شقةً صغيرة لنا، إذ لم يكن وضعي المادي آنذاك يسمح باستئجار مسكن، مكثنا بها لعامٍ واحد، ريثما نُنهي عامنا الأخير في الثانوية..ثم جاء يوم التخرج...
سكتَ آسر، و أخرج هاتفه، فتح صورة التخرج، ورفعها أمام أنظار القادة قائلًا:
"هنا... هذا سليم، لحق بنا إلى حفل التخرج، بعد أن اعطاه نبيل حق التصرف مع إبنه، كنت أنوي اصطحاب ثيو إلى دولة أُخرى لنكمل دراستنا بعيدًا عنه..
لحق به سليم حيث جرني هو خلف مبنى الكلية، و قام بتوجيه فحوصات باطلة له، تحوي على دلائل إعتدائه على الطفل و قتله ..
إذ قام سليم بضرب حقنةٍ مخدرة على ذراعه لذا حين عدتُ إليه لم يكن واعيا تماما، أبى الكلام و حول وصولنا للشقة.. داهمتنا الشرطة. "
ـ متى علمتَ بهذا؟
سأله الأدنى رتبة، و هو يدون المعلومات بينما باقي القادة يهزون رأسهم تركيزا لكلامه.
ـ بخصوص ما قال سليم لثيو في حفل التخرج؟ علمت به حين حققتُ معه، إعترف هو، و الطبيب إبراهيم .. رحمه الله، قد إعترف بالفحوصات الباطلة..
هنا الأدلة لإعترافهم..
بالاضافة إلى أن إبن سليم هو المجرم،.. قال الطبيب هذا، و أنه لم يكن بإستطاعته تقديم شكوى، فلن يصدقه أحد كونه متهم بجريمة قتل ايضا،.. لذا إكتفى بإيصال ثيو إلي،.. هو أخبر ثيو بجهله عن المجرم الحقيقي محافظتا عليه.
آسر يتكلم، و كل من حوله ينصت إليه..
أشار له الضابط لإكمال كلامه..
تابع و هو يشرح بعينيه و يديه منغمسا " الصفقة ألتي أُجريت مع الطبيب و سليم، و هي بأنه لن يقوم بإعدام المتهم و في المقابل؟ لن يفضحهم الطبيب ..،
في الواقع هي لم تكن بينهما، و إنما كانت بين سليم و نبيل ! لذا فقط إتخذ سليم أمر الطبيب حُجة، ليتخفى نبيل.."
ـ بعد أن باعه للظلم، لما برأيك أَبى إعدامه؟
وجَّه له السؤال صاحب الرتبة المتوسطة ..
ـ لكونه أرادَ منه التنازل و المضي إلى أعمال السوء، فإن نبيل نفسه هو من اشهر تجار الممنوعاتِ بكل انواعها و هو من أعطى العقاقير الممنوعة للطبيب، قام بتسمية ثيو بهذا الإسم ليسهل عليه أمر تهريبه إلى الخارج،.. و يمارس عمله بشكل أسهل هناك،.. كون أن جنسيتهم الحقيقية هي اوروبية..
ليس المال هو سببه الوحيد،..نبيل يمتلك عائلة أُخرى، و ثيو ليس إبنه، هو إبن أخيه آرثر المتوفي و الذي قُتِل على يد أخيه نبيل..
هُدد نبيل في عائلته و أطفاله، .. أوتسألون عن كيفية علمي؟
في آخر زيارتي له، .. قمتُ بأخذ عيّنة دمٍ منه لفحص الDNA و بالطبع لم تتطابق مع ثيو ..
لذا إنغمستُ بالتحقيقات أكثر و إتضح أن لديه عائلة أُخرى، .. فقام بنسب ثيو إليه، .. و حين اتته التهديدات، إقترح عليهم أنه سيقتل اخاه و زوجته اثناء ولادة طفلهما، و ما إن يبلغ أشُدَّه سيرسله إليهم ليعوِّضَ الخسائر التي إقترفها نبيل اثناء عمله معهم .
لكن حدث عكس توقعاته و رفض ثيو العمل معهم، و لكون أن إبن سليم تورط، إقترح عليه نبيل أن يسلمه ثيودور كمجرم، .. و إبن سليم هو من يذهب بدلا من ثيو إلى تلك المنظمة، على أي حال فإن ثيو سيرفضُ الإخضاع إليهم، لذا سينقذ هذا رقبة إبنه و الذي هو المجرم، .. بينما ثيو يقمعُ داخل السجن ..
قررو نشر خبر إعدامه في حين أنه يُعذب ليقبل العمل مع المنظمة، يعني أنه إن تَقَبَّل فكرة العمل، سيخرجُ على هيئته الثانية، لن يفتقده احد فقد أُعدم كما زُعِمــ
ـ مهلا، محقق .. كيف لم يكتشف أحد جريمة نبيل مع أخيه؟
قاطعهُ أحد المنصتين..
أجابهُ آسر بإبتسامة تحمل أسرارًا تنتظر من يفشيها " نبيل ليس إسمه الحقيقي، .. هاجر من اوروبا برفقة زوجته و ثيو بعد مقتل أخيه، لذا عُرف بهذه المدينة بشهادته، و أنه درس خارجا، تلقى إحترامًا و ظن الجميع أنه عربي، و أنا منهم إلا و أنه لم يكن يحمل اصولا عربية حتى. "
ــــــــ