الفصل الثالث: بدايتي الرسمية كعقل مدبر في الظل!
لقد جرى استجوابي في غرفة أشبه بزنزانة احتجاز، وأُطلق سراحي بعد خمسة أيام، إنه المساء الآن.
"هيا، اغرب عن وجهي"
دفعوني خارج المبنى وقذفوا حقيبتي خلفي، لم أكن أرتدي سوى ملابسي الداخلية، فرحتُ أنبش في حقيبتي لأغير ملابسي وحشرتُ قدمي في حذائي، استغرق الأمر مني بعض الوقت لأرتدي ملابسي، وأظن أن السبب في ذلك يعود إلى أن كل أظافري قد اقتُلعت.
عندما ارتديتُ كل شيء، أطلقتُ تنهيدة عميقة وبدأتُ أسير، كنتُ بارزاً للغاية بين الناس في ذلك الشارع المزدحم؛ لأنني كنتُ مهشماً ومضرخاً بدمائي.
تنهدتُ مجدداً وقلت: "اهدأ، واسترخِ. لا داعي للتوتر والغضب من كل أمر تافه"
تمكنتُ من الحفاظ على هدوئي من خلال حجب وجوه فرسان التحقيق من مخيلتي.
"لقد كانوا يؤدون عملهم فحسب"
لكماتهم لم تترك سوى جروح سطحية على جسدي، ولو أردتُ، لتمكنتُ من إعادة إنماء أظافري المفقودة في الحال. لكني لن أفعل، لأنني منغمس تماماً في تمثيل دوري كشخص نكرة لا قيمة له.
"أجل، أنا دائماً هادئ وربيط الجأش".
صحيح، الهدوء.
أطلقت زفيراً طويلاً آخر، فصارت الرؤية واضحة أمامي، انتبهتُ لما حولي وشعرت بظلال غريبة تترصد خلفي.
"هناك اثنان منهم يتعقبانني"
لم يتم القبض على الخاطف بعد، ومما لا شك فيه أن وضع أليكسيا الصحي مجهول ومبهم.
لمجرد أنه أُطلق سراحي، فهذا لا يعني أن كل شيء أصبح على ما يرام؛ هم فقط لا يملكون الأدلة الكافية لإدانتي، ولم تبرأ ساحتي بعد.
تثاقلت خطاي عائداً إلى غرفة سكني، متظاهراً بأنني أنكس رأسي من شدة الإرهاق.
همس صوت هادئ: "لاحقاً...".
وصل الصوت إلى مسامعي، مصحوباً برائحة خفيفة لعطر مألوف.
"ألفا...؟"
لكني لم أتمكن من العثور عليها في أي مكان وسط سكان المدينة الذين يهرولون ويتجاوزون بعضهم البعض في الطريق الرئيسي بعد غروب الشمس.
عندما أشعلت الأنوار في غرفة سكني، برزت صورة ظلية لفتاة من عتمة المكان.
"لا بد أنك جائع"
كان زيها الأسود ملائماً لها تماماً، ويبرز تفاصيل جسدها الأنثوي. كانت تمد يدها بشطيرة تحتوي على شريحة سميكة من التونة من مطعم "ملك التونة"، وهو مطعم شهير في العاصمة.
"شكراً لكِ. لقد مرت فترة طويلة، ألفا. أين بيتا؟"
كنتُ أتضور جوعاً بعد أن حُرمتُ من تناول وجبة حقيقية طوال خمسة أيام، والتهمتُ الشطيرة في الحال.
"بيتا" هي التي كان من المفترض أن تكون في مناوبة خدمتي ومساعدتي.
قالت ألفا وهي تجلس واضعةً رجلاً فوق الأخرى على السرير: "لقد تواصلتْ معي، يا لها من فوضى"
كانت هناك لمحة من الحنين في خصلات شعرها الذهبية اللامعة المنسدلة على ظهرها، وفي عينيها الزرقاوين اللوزيتين. لقد كبُرت منذ آخر لقاء لنا.
"أجل"، وحشرتُ القطعة الأخيرة من الشطيرة في فمي.
"هناك ماء هناك"
"شكراً"، وتجرعته من كأس كبيرة. "آه! لقد دبت الحياة فيّ من جديد"
نزعتُ سترتي وحذائي وارتميتُ على السرير.
"مهلاً، غير ملابسك على الأقل"
"لا أستطيع، سأخلد للنوم الآن"
"ألا تعرف الموقف الذي أنت فيه؟"
"سأترك التحضيرات لكِ"
ألفا عبقرية، وسوف تجهز أفضل مسرح لأدائنا وعرضنا القادم إذا تركتها تتولى الأمر بطريقتها، وحتى ذلك الحين سأنام... أعني سأوفر طاقتي.
أطلقت ألفا تنهيدة مشوبة بالإحباط وقالت: "أنا متأكدة من أنك تعرف هذا بالفعل، ولكنهم سيعتبرونك الجاني إن لم تفعل شيئاً"
"هذا صحيح"
إذا لم يتم العثور على الجاني الحقيقي أبداً، فيمكنني أن أضمن تقريباً أن المشتبه به التالي في القائمة سيتلقى العقاب، خصوصاً وأن هذا الأمر يتعلق باختطاف فرد من العائلة المالكة؛ يجب أن يموت شخص ما وإلا فلن تُغلق القضية أبداً.
كم أعشق العصور الوسطى!
"استيقظ، لدي المزيد من الشطائر"
"أنا مستيقظ"
سلمتني إياها ألفا وقالت: "هناك شخص يحاول تصعيد الموقف وتلفيق التهمة لك لتبدو كأنك الجاني"
"همم. يعني، سيتم إدانتي حتى لو لم يفعلوا أي شيء؟"
"أظن أنهم يريدون تسوية هذا الأمر بسرعة، وطالب مغمور من عائلة نبيلة فقيرة هو الهدف المثالي"
"أوافقكِ الرأي، كنت سأفعل الشيء نفسه تماماً"
"لا يمكننا الوثوق بفرقة الفرسان"
"هل تغلغلت الجماعة في صفوفهم؟"
"أجل، دون أدنى شك، الخاطف عضو في الجماعة، وهدفهم هو الحصول على تركيزات عالية من دماء الأبطال"
الفتيات ما زلن يتظاهرن بوجود "الجماعة" لأجلي... يا لهن من رفيقات رائعات!
"هل ما زالت على قيد الحياة؟"
"إذا ماتت، فلن يتمكنوا من استخلاص المزيد من دمائها"
"صحيح"
رمقتني ألفا بنظرة حادة وقالت: "رغم أنني لستُ متأكدة من السبب الذي دفعكَ لملاحقة الأميرة ومودتها"
"لم تسر الأمور على هذا النحو"
"أنا متأكدة من أن لديك أسبابك الخاصة— الأسباب التي لا يمكنك إخبارنا بها"
لم أنطق ببنت شفة وحولتُ عينيّ بعيداً لتجنب نظراتها، بالطبع لا أملك أي سبب حقيقي في الواقع.
"أنا أفهمك. أعلم أنك تعاني من شيء ما في أعماق قلبك"
كيف عساي أن أجيب عندما يكون الأمر عكس ذلك تماماً؟
"ولكنني آمل أن تثق بنا أكثر ولو قليلاً، لو أنك أخبرتنا بهذا الأمر في وقت مبكر، لما خرجت الأوضاع عن السيطرة، ألا توافقني الرأي؟"
"أ.. أجل"
وأضافت بابتسامة: "لا بأس، مهمتنا هي التأكد من حمايتك وتغطية ظهرك، وبمجرد أن نحل هذه القضية، ستدعوني لتناول الطعام في مطعم 'ملك التونة'، فتلك الشطيرة الأخيرة كان من المفترض أن تكون لي"
"بالتأكيد، آسف لأنني سرقتُ شطيرتكِ، ألفا"
أصرت قائلة وهي تنهض وتتجه نحو النافذة: "لا تقلق بشأن ذلك"
بمجرد أن فتحت النافذة، أخرجت إحدى قدميها خارج الغرفة، وهي تحرك خصرها النحيل بحيوية.
"سأغادر الآن، احرص على الاختباء والابتعاد عن الأنظار لفترة"
"فهمت. ما هي استراتيجيتنا؟"
"سنجمع جيشاً، فلا يوجد عدد كافٍ من الأعضاء في العاصمة. وأعتقد أنه يجب علينا استدعاء ديلتا"
"هل سترسلين في طلب ديلتا؟"
"إنها تريد رؤيتك"
"ديلتا المندفعة"، والمعروفة أيضاً باسم "سلاح الانتحار ديلتا". لتبسيط الأمر، هي مجرد بلهاء أنفقت كل نقاط خبرتها على مهاراتها القتالية فقط.
أظن أن لم شمل صغير سيكون لطيفاً، وأنا أدعو أن يكنّ جميعاً قد صِرنَ على ما يرام.
"سأطلعك على التفاصيل عندما تكتمل الاستعدادات. أراك قريباً".
أرتني ألفا ابتسامة أخيرة قبل أن تسحب غطاء بدلتها لتخفي وجهها، وتسللت من النافذة غائبة في جوف الليل.
سألت حسناء ذات شعر أحمر: "هل هذه نهاية تقريرك؟"
كان شعرها الناري المسترسل يصل إلى أسفل ظهرها، يضيئه الضوء المتراقص لشمعة، وكانت عيناها ذات اللون الأحمر الخمري مثبتتين على أوراق التحقيق الموضوعة على مكتبها.
احمرّ وجه الفارس الذي يقدم التقرير خجلاً في حضرة وقارها وجاذبيتها.
"أ.. أجل، أيتها الأميرة إيريس. سنواصل البحث بكل ما أوتينا من قوة".
أومأت إيريس برأسها، مشيرة إليه بالانصراف.
عندما أُغلق الباب خلفه، تُركت إيريس بمفردها مع رجل وسيم ذي شعر أشقر.
"المركيز زينون. شكراً لك على تعاونك"
"لقد وقع الحادث في حرم المدرسة، وكنت مسؤولاً عن الحفاظ على سلامتها، والأهم من ذلك، أنا قلق على وضعها وصحتها..."
خفض عينيه وعض على شفته السفلية إحباطاً.
"كان عليك القيام بواجباتك كسياف ماهر؛ لا أحد يلومك على ذلك. وليس لدينا وقت لتبادل الاتهامات الآن، بل نحتاج إلى التركيز على إعادة أليكسيا سالمة غانمة"
"أظن أنكِ على حق..."
صمتت إيريس للحظة قبل أن تغلق التقرير بقوة قائلة: "أمر آخر، هل صحيح أن هذا المدعو سيد كاغينو هو الجاني المحتمل على الأرجح؟"
أردف السيد زينون في الجزء الأخير معقباً، وهو يختار كلماته بعناية: "لا أريد أن أصدق أن أحداً من طلابنا يمكن أن يكون الجاني، ولكن بناءً على الظروف، يجب أن أقول إنني أجده مثيراً للشبهات... على الرغم من أنني لا أظن أنه قوي بما يكفي للتغلب على أليكسيا في مبارزة"
"وهذا يعني أنه إما كان لديه شريك، أو قام بتخديرها، ولكنه لم ينهر أثناء الاستجواب. هل تعتقد حقاً أنه هو؟" سألت إيريس.
"لا يمكنني الجزم بذلك، ولكنني أريد أن أصدقه"
أومأت إيريس برأسها وضيقت عينيها قائلة: "لقد جعلتُ أكثر الفرسان ثقة عندي يراقبونه، وسننتظر التقرير التالي"
"أدعو أن أليكسيا مازالت سليمة" انحنى السيد زينون قبل أن يهم بالانصراف.
وتماماً عندما فتح الباب، اندفعت فتاة شابة عبره إلى داخل الغرفة.
"سموكِ! أرجوكِ استمعي إليّ!"
"كلير! ما الذي تفعلينه هنا؟ معذرة منكِ، سوف نغادر الآن!"
أمسك السيد زينون بالفتاة ذات الشعر الأسود، "كلير كاغينو"، محاولاً دفعها خارج الغرفة.
"المركيز زينون، من هذه؟"
توقف قائلاً: "إنها..."
"أنا كلير كاغينو! الأخت الكبرى لسيد!"
"كلير! إنـ.. إنها حالياً واحدة من أبرز طلابنا، وترافق أعضاء فرقة الفرسان للتدريب"
"فهمت... حسناً، سأستمع إليكِ"
هتفت كلير قائلة: "شكراً جزيلاً لكِ!"، واقتربت من إيريس مدافعة عن أخيها: "أخي مستحيل أن يختطف الأميرة أليكسيا! لا بد أن هذا خطأ!"
"فرقة الفرسان تتخذ كل الاحتياطات في بحثها لتجنب أي أخطاء، ولم يتأكد بعد أن أخاكِ هو المجرم"
"نعم، ولكن إن لم يعثر أحد على الجاني الحقيقي، فسوف يتحمل هو العواقب وتُلفق التهمة إليه!"
"فرساننا يحققون في الأمر بعناية، ويمكنني أن أؤكد لكِ أنه لن يُدان أحد ظلماً"
"ولكن!"
"كلير!"، حذرها السيد زينون مانعاً إياها من الإلحاح المستميت على إيريس. "اهدئي، أنا أعلم بما تشعرين به، ولكن أي زيادة في هذا الكلام ستكون إهانة لفرقة الفرسان"
تمتمت كلير بحدة: "تباً..."، قبل أن ترمق زينون بنظرة غاضبة ثم التفتت إلى إيريس وقالت: "إذا تجرأ أي شخص على مس أخي بسوء، فسوف...!"
قاطعها السيد زينون قائلاً: "هذا يكفي!!"، وسحبها بقوة خارج الغرفة.
*طاخ! (صوت إغلاق الباب)*
أطلقت إيريس تنهيدة وهي تحدق في الباب المغلق خلفهما.
وهمست قائلة: "همم، نحن نتشارك المشاعر نفسها تجاه عائلتينا... أليكسيا، أتمنى أن تكوني بخير..."
لقد كانت الأختان مقربتين في الماضي، ولكن في مرحلة ما، بدأتا في الابتعاد عن بعضهما، وفي الواقع لم تتحدثا منذ سنوات، وتعلم إيريس أنهما قد لا تتحدثان مجدداً أبداً.
"أليكسيا..."
أغلقت إيريس عينيها ذات اللون الأحمر الخمري، وسالت دمعة واحدة على وجهها.
عندما فتحت أليكسيا عينيها، وجدت نفسها في غرفة خافتة الإضاءة بلا نوافذ، وكانت الشمعة هي مصدر الضوء الوحيد، وهناك باب ثقيل مثبت في الجدار الحجري أمامها.
"أين أنا...؟"
لم تكن تتذكر أي شيء بعد أن ودعت "سيد" في طريق عودتها من المدرسة.
وعندما حركت جسدها، سمعت أليكسيا رنين معدن يرتطم بمعدن، ونظرت لأسفل لترى أطرافها مقيدة إلى طاولة منخفضة.
"قيد سحري..."
هذا يعني أن سحرها مكبوت ومقيد، وقد يكون من الصعب عليها الهروب بمفردها.
من أحضرها إلى هنا ولأي غرض؟ راحت تستعرض قائمة الاحتمالات في ذهنها: اختطاف، ابتزاز، تجارة بالبشر... لا توجد إجابة قاطعة، ورغم أن أليكسيا قد لا تكون وريثة العرش، إلا أنها تعلم أنها تملك نفوذاً كافياً كأميرة لجذب المجرمين.
ومع ذلك، فإن المعلومات التي تملكها ضئيلة جداً لفهم الوضع الحالي.
تراجعت بذكائها خطوة إلى الوراء، وقفزت فكرة جديدة إلى ذهنها: هل سيد بخير؟
أجل، سيد... ذلك الصديق السخيف، لكنها تحبه لأنه يقول ما في غضون نفسه دون خوف.
إذا جُر إلى هذه الورطة، فإن حياته ستكون... منعت أليكسيا نفسها من إكمال هذه الفكرة، وهزت رأسها لتنقية ذهنها قبل أن تتفحص الغرفة.
جدار حجري، باب فولاذي، حامل شموع، و... شيء يشبه كومة سوداء من القمامة! تلك الكومة كانت مقيدة بالسلاسل لسبب ما، وتجلس بجانبها مباشرة.
كانت أليكسيا تحدق فيها بفضول عندما خُيل إليها أنها رأتها تتحرك قليلاً.
إنه كائن حي يتنفس— شيء يرتدي خرِقاً بالية.
سألت: "هل تسمعني؟ هل تفهمـ...؟!"
التفت الكائن لينظر إليها.
إنه مسخ!
لم ترَ أليكسيا قط كائناً يعاني بهذا الشكل من قبل، بالكاد استطاعت تمييز عينيه وأنفه وفمه في وجهه الأسود المتقرح، كان جسده بالكامل مشوهاً ومنتفخاً، وكانت ذراعه اليمنى أطول من ساقي أليكسيا، وفي المقابل كانت ذراعه اليسرى أنحف وأقصر من ذراعها، وكان هناك نتوء في جسده وكأنه يحمل شيئاً في بطنه.
كان هذا المسخ بجانب أليكسيا مباشرة.
يداها وقدماها مقيدتان بالطاولة، لكنه هو لم يكن مقيداً إلا من عنقه فقط. لو قام ببساطة بمد ذراعه الطويلة، لتمكن هذا الوحش من لمسها.
حبست أليكسيا أنفاسها، وحولت عينيها بعيداً لتجنب استفزازه.
إنه يراقبها.
مرت فترة صمت طويلة بدت وكأنها جمدت الوقت... ثم بدأت سلاسله في القعقعة.
نقلت أليكسيا نظرتها إلى الجانب، فإذا بالمسخ يستلقي على وجهه وكأنه غط في النوم، فأطلقت تنهيدة ارتياح عميقة.
ولم يمضِ وقت طويل حتى فُتح الباب.
دخل الغرفة رجل ممشوق القوام يرتدي رداءً أبيض وقال: "أخيراً، لقد أوقعتُ بكِ أخيراً".
كانت وجنتاه غائرتين، وعيناه مجوفتين، وشفتاه متشققتين، وخصلات الشعر القليلة المتبقية على رأسه الخفيف كانت ملتصقة بفعل الإفرازات الدهنية لفروة رأسه، والتي كانت تفوح منها رائحة كريهة للغاية.
راقبت أليكسيا الرجل بهدوء.
"دماء ملكية، دماء ملكية، دماء ملكية"
بينما كان الرجل ذو الرداء الأبيض يكرر هذه العبارة، أخرج جهازاً مجهزاً بحقنة رفيعة. ربما كان يخطط لسحب دمها، فقد فعل طبيب القصر ذلك مرات كثيرة من قبل.
لكنها لم تكن تعرف لماذا قد يختطف هذا الرجل أميرة من أجل دمها.
سألت أليكسيا ببرود: "هل لي أن أسألك سؤالاً؟"
"همم، همم؟" خرجت غرغرة غريبة من الرجل.
"فيما ستستخدمه؟"
"أنتِـ.. أنتِـ.. تملكين دماء شيطان، سأستخدمها لإحيائهم في العصر الحديث"
"فهمت، فكرة بارعة ومتقنة تلك التي تملكها"
على الرغم من أنها لا تستطيع فهم ما يحاول قوله، إلا أنها كانت مدركة تماماً أنه فقد عقله كلياً، وأدركت أن دافعه لا بد أن يكون دينياً— أو شيئاً من هذا القبيل.
"مهلاً، سأواجه وقتاً عصيباً للبقاء على قيد الحياة إذا سحبت الكثير من الدماء. أنا لستُ مستعدة للموت بعد، كما تعلم"
"هه-هه-هه... أأ.. أعلم. أريد كل الدماء التي يمكنني الحصول عليها منكِ. سأرتشف منكِ شيئاً فشيئاً كل يوم"
"أجل، أرجوك افعل ذلك"
طالما أنه يحتاج إلى دمها، فلن يقتلها ولهذا السبب حافظت على هدوئها ولم تحاول المقاومة، وقررت في الوقت الحالي الانتظار حتى يتم إنقاذها بدلاً من ذلك.
"لـ.. لـ.. لم يكن من المفترض أن يحدث هذا، أنا ألوم أولئك المغفلين على كل هذا"
"أجل، أنا أيضاً أكره الأغبياء"
حدقت في الرجل ذي الرداء الأبيض وهي تهمس بصوت خافت: "لأن التعامل معهم يرهقني"
"لقد دمروا... دمروا مختبري، لقد بدأ الأمر كله مع ذلك الأحمق 'غريس'"
"أجل، غريس الأحمق هو من بدأ كل هذا"
"وبعدها استمروا في المجيء والمجيء و— آآآاغ!"
"هذا أمر مؤسف، يؤسفني سماع ذلك"
"نعم! نعم، إنه كذلك! بحثي شارف على الانتهاء! إن لم أنهِه قريباً، فسوف أُطرد... سأُطرد...!"
"هذا يبدو فظيعاً"
"الـ.. اللعنة على كل شيء! ذلك الفاشل عديم الفائدة... عديم الفائدة!"
اقترب الرجل ذو الرداء الأبيض من المسخ المقيد وركله بقوة قذفت به إلى أقصى حد تسمح به سلسلته. وراح يركله مراراً وتكراراً، ويدهس جسده، بينما ظل المسخ ساكناً لا يتحرك تقريباً، منكمشاً على نفسه.
"ألم تكن تريد سحب دمائي؟"
"أوه، صحيح. صحيح. بدمائكِ... بدمائكِ، سيكتمل كل شيء"
"هذا رائع لأجلكِ"
جهز الرجل ذو الرداء الأبيض الجهاز ووضع الحقنة على ذراعها.
"بهذا... بهذا، سيكتمل الأمر... أأ.. أنا لن أُطرد"
"لا تؤلمني"
(وإلا ستجعلني أرغب في تهشيم وجهك)، أضافت أليكسيا في مخيلتها.
دخلت الإبرة في ذراعها، وراحت تراقبها كما لو أن دماء شخص آخر هي التي تملأ الأنبوب الزجاجي.
"هه-هه... هه-هه-هه...".
عندما امتلأ الأنبوب، حمله الرجل ذو الرداء الأبيض بحب شديد وخرج به من الغرفة، وانتظرت أليكسيا حتى أُغلق الباب قبل أن تطلق تنهيدة ثقيلة.
لقد جهزتُ كل شيء لهذا اليوم.
بعد يومين من إطلاق سراحي من الاستجواب، تصفحتُ مجموعة العقل المدبر الثمينة في غرفة سكني وأخذتُ كل ما يمكن أن يكون مفيداً.
هذه السيجار... ليست مناسبة لسني، ولكن هذا النبيذ المعتق... زجاجة نادرة لهواة الجمع بقيمة تسعمائة ألف "زيني" من "بوردو" في جنوب غرب فرنسا.
نعم، إنه مثالي لليلة مثل هذه— عندما يطل القمر مختبئاً خلف الغيوم.
والآن سأقرنه بأفضل أواني زجاجية لدي... كؤوس "بويتون" هذه هي الأفضل في فرنسا وتكلف 450,000 زيني.
ومع هذا المصباح العتيق وتلك اللوحة المراوغة النادرة "الصرخة" على الجدار، والتي عثرتُ عليها بالصدفة البحتة... ها قد اكتمل الأمر. رائع!
أوه، إن قلبي ممتلئ بالبهجة.
لقد اصطدتُ قطاع الطرق ونبشتُ عن العملات المعدنية على أطرافي الأربعة، كل ذلك من أجل هذه اللحظة.
دموع الفرح لطخت وجنتي وأنا أتأمل غرفة نومي— التي أصبحت نتاجاً لمجموعتي الفاخرة الفائقة.
كل ما عليّ فعله الآن هو تجهيز رسالة الدعوة التي تلقيتها اليوم والانتظار.
سأنتظر تلك اللحظة.
في انتظار.
انتظار...
وانتظار...!
ثم... حانت اللحظة.
تمتمتُ لنفسي في اللحظة نفسها التي دخلت فيها الفتاة ذات الرداء الأسود الداكن عبر النافذة:
"لقد حان الوقت... والظلال تدير العالم الليلة..."
نعم، لقد جهزتُ كل شيء لهذا اليوم...
"لقد حان الوقت... والظلال تدير العالم الليلة...".
كانت هذه هي الكلمات التي استقبل بها تابعه، "بيتا".
كان يجلس على كرسي واضعاً رجلاً فوق الأخرى، وظهره لتابعه، قد يبدو دون حماية، لكن بيتا تعلم أن هذا الظهر بعيد ويعيش في عالم منفصل تماماً عن عالمها.
كأس النبيذ في يده كانت تتوهج تحت ضوء المصباح العتيق.
كان الأمر واضحاً حتى لبيتا، التي لم تكن ضليعة في الخمور، أنه يرتشف ببساطة واحداً من أندر أنواع النبيذ التي لا يمكن الحصول عليها على مر العصور.
ذهلت بيتا ليس فقط بالقطع الفاخرة التي تزين غرفته، بل وأيضاً باللوحة التي رصدتها على جداره؛ التحفة الفنية النادرة التي لا يمكن الحصول عليها، لوحة "الصرخة" لا يوجد أي مبلغ مالي يمكنه شراء هذا العمل الفني، كادت بيتا أن تسأله كيف استحوذ على اللوحة، لكنها أدركت فجأة أن السؤال سيكون بلا معنى وتوقفت في الوقت المناسب.
كل شيء يقع في يديه لأنه هو من يكون.
هذا يفسر كل شيء.
من الطبيعي جداً بالنسبة له أن يمتلك لوحة "الصرخة"، في الواقع حتى لو بحث المرء في كل ركن من أركان العالم، فلن يجد مالكاً أكثر ملاءمة لهذه اللوحة من "شادو".
وأضافت بيتا: "عالم من الظلال، الغيوم تتلألأ فوق القمر الليلة، كم هذا ملائم... لنا"
ألقى شادو نظرة صامتة عليها ووضع فمه على حافة كأسه.
"نحن مستعدون".
"آها".
إنه يعلم كل شيء، أو ربما نبرته الكلية العلم هي التي تخلق هذا الوهم، حسناً الحقيقة هي أنه يعرف تقريباً كل ما أوشكت بيتا على قوله.
ولكن بيتا استمرت في الحديث بغض النظر عن ذلك، فهذا واجبها.
"تحت قيادة ألفا، جمعنا كل الأفراد في المنطقة وحشدناهم في العاصمة، هناك مئة وأربعة عشر عضواً في المجمل"
"مئة وأربعة عشر؟"
"—... غو!"
هل هذا العدد قليل جداً؟
بالنظر إلى قوة "حديقة الظلال"، كانت تتخيل أن 114 عضواً جديداً سيكون أكثر من كافٍ.
ولكن لم يستغرق الأمر طويلاً حتى أدركت بيتا أنها أساءت فهمه.
ففي النهاية، هؤلاء الأشخاص هم مجرد شخصيات مساعدة، وأقل من 10 بالمئة منهم مؤهلون للوظيفة. وهو نجم العرض الليلة، وكشخصيات ثانوية لإبراز قصة الشخصية الرئيسية، فإن 114 يبدو رقماً صغيراً بشكل مخزٍ.
"أنا آســ...!"
قاطعها شادو متسائلاً: "هل وظفتم ممثلين إضافيين (كومبارس)...؟"، لكن الكلمة الأخيرة لم تكن في قاموس بيتا. "لا تهتمي، مجرد حديث مع نفسي"
"مفهوم".
لم تستفسر بيتا أكثر من ذلك، لأنها تعلم أن كلماته تحتوي على عمق أكبر مما يمكنها استيعابه، ولا تملك الحق ولا القوة لطلب المزيد من التفاصيل.
ومع ذلك، لا يمكنها التوقف عن الأمل في يوم تقف فيه بجانبه وتدعم كل أسراره، ولكن حتى ذلك الحين ستبقي هذه المشاعر مخفية.
وواصلت الحديث:
"استراتيجيتنا هي شن هجمات متزامنة ضد مخابئ طائفة 'فنرير' التابعة لـ 'جماعة ديابلوس' المنتشرة في جميع أنحاء العاصمة، وفي الوقت نفسه سنبحث عن آثار سحر الأميرة أليكسيا، وبمجرد تحديد مكانها سنغير الخطط ونعطي الأولوية لإنقاذها"
أومأ شادو برأسه، مشجعاً إياها بصمت على الاستمرار.
"ستتولى غاما القيادة التكتيكية، و ألفا ستقود أرض المعركة، وسأعمل أنا كمساعدة لها، وستقود إبسيلون الدعم من الخلف، بينما ستتولى ديلتا نصب الكمائن لهم، ببدء عمليتنا بأكملها. القوات ستتشكل من..."
رفع شادو يده، قاطعاً شرحها المفصل.
كان يمسك برسالة.
وأضاف وهو يقذفها خلفه: "هذه دعوة"
التقطت بيتا حزمة الأوراق، وحثها على قراءتها.
تعثرت كلماتها قائلة: "هذا..."، وقد صُدمت وغضبت من الرسالة الفظة المكتوبة فيها.
"أرسلي اعتذاري إلى ديلتا... ولكن هذه المقدمة الموسيقية لي وحدي لأعزفها"
"نعم، سنحرص على حدوث ذلك"
التفت إليها قائلاً: "تعالي معي، بيتا الليلة سيعرف العالم من نكون"
ارتجفت بيتا من الفرح لمعرفتها أنها ستقاتل بجانبه.
أحضرته رسالة الفدية إلى ممر الغابة في أعماق الأحراش، ظهر شادو بزيه المدرسي بالقرب من المكان الذي اختُطفت فيه الأميرة أليكسيا، وكانت بيتا تترصد سراً على مسافة قصيرة منه.
لم يستغرق الأمر سوى وقت قصير قبل أن يشعر بطاقتين تقتربان.
طار شيء ما في اتجاهه، فالتقطه بيد واحدة وألقى نظرة عليه.
وتمتم: "هل هذا... حذاء أليكسيا؟"
ثم ظهرا— رجلان على الممر.
"مرحباً بك يا جاذب الفتيات، ما الذي تفعله بحذاء الأميرة أليكسيا؟"
"أوه، وفيه آثار سحر أيضاً، أنت هو الجاني سيد كاغينو"
كلاهما كانا يرتديان دروع فرقة الفرسان، لا شك أنهما هما من استجوباه من قبل.
"فهمت، هذا ما تحاولان فعله إذن"
سخر الرجلان بوقاحة من كلمات سيد.
"لو أنك انهرت واعترفت باكراً، لما اضطررنا للوقوع في هذه الورطة"
"كان بإمكانك تجاوز هذا دون أن ينتهي بك المطاف مهشماً"
استل الاثنان سيفيهما وأغلقا بجرأة المسافة التي تفصلهما عن سيد.
كم هذا غبي... لم تجد بيتا الكلمات لوصف غبائهما المطلق.
"حسناً، سيد كاغينو، أنت قيد الاعتقال بتهمة اختطاف الأميرة"
"لا تقاوم، فالمقاومة لن تفيدك بشيء"
ضحك أحدهما بغطرسة وهو يوجه سيفه نحو سيد.
"همم؟"
لكن سيد أوقف النصل بإصبعين من أصابعه، ثم ومض وميض من الضوء عندما مرت قدمه اليمنى على عنق الرجل، وعلى الفور تفجر الدم من ذلك المكان تحديداً.
برز خنجر سلايم أسود قاتم من حذاء سيد الأيمن.
"آآآه... أغ... أووغ!!" سقط الفارس على الأرض قابضاً على عنقه.
سيموت حتماً بعد فترة.
"أيها الوغد!!" ذعر شريكه وحاول توجيه ضربة سيف طائشة نحو سيد، لكن هجومه كان بدائياً ومتهوراً للغاية.
تفاداه سيد بإمالة رأسه، ثم أطاح بالرجل حرفياً من على قدميه، تاركاً إياه بلا شيء أسفل ركبتيه.
"آآآآآآآغغغغغ!!" صرخ الفارس وهو يمسك بفخذيه اللذين تتدفق منهما الدماء بغزارة. "ساقاي... ساقااااي...!"
وبدأ يزحف مبتعداً عن سيد.
"لا.. لا تظن أنك ستنجو بفعلتك بعد إيذاء فرقة الفرسان، أيها الخنزير...! إن.. إن متنا، فستكون أنت أول مشتبه به!"
خطى سيد بتمهل متتبعاً أثر دماء الرجل واقترب منه.
"إيييك...! لـ.. لقد انتهى أمرك...! انتهى...!" صرخ طريدهُ وهو يجر جسده يائساً ويتخبط على الأرض.
"عندما يبزغ الفجر... سيعثرون على جثتي فارسين"
"أ.. أجل! بحلول الصباح، ستنتهي اللعبة بالنسبة لك...!"
تقدم الرجل بوصات إلى الأمام، وواصل سيد تتبع مساره الدامي.
"ولكن لا داعي للقلق بعد الآن... ".
في تلك اللحظة بالذات، أدرك المغفل أن سيد بات خلفه تماماً.
"إيييك!"
ومض وميض من الضوء من ساق سيد اليمنى.
" ...لأنه عندما يبزغ الفجر سيكون كل شيء قد انتهى".
طارت رأس الرجل في السماء، واستدار سيد بينما كانت الدماء تمطر عليه كالغيث. ارتعدت بيتا فرَقاً وهيبة من هذا المشهد.
لكن سيد لم يعد هناك بزيه المدرسي؛ بل حل محله "شادو"،المتشح بالسواد من رأسه حتى أخمص قدميه.
كان يرتدي بدلة وجزمة سوداء داكنة، ويقبض على "سيف السلايم" الاسود بيده بينما تلاعبت النسمات بعباءته.
انسدل غطاء رأسه فوق جبهته مخفياً النصف العلوي من وجهه، ولم يظهر للنور سوى النصف السفلي.
بدا وكأنه يرتدي قناع ساحر، حيث الأجزاء الحقيقية الوحيدة المرئية منه هي فمه وعيناه الحمراوان اللتان تلمحان من بين عتمة الظلام.
بعد أن أوشكت على الإغماء إثر رؤية هيئته المهيبة والآسرة، سارعت بيتا بإخراج كتاب "سجلات السيد شادو" من بين ثنايا صدرها، وخطت رسماً تقريبياً للمشهد. وإلى جواره، سجلت الكلمات التي فاه بها في ذلك اليوم. وها قد اكتمل الأمر؛ كل هذا لم يستغرق سوى خمس ثوانٍ فقط.
وعلى هامش الحديث، كانت هذه الرسومات وقوائم عباراته الشهيرة تشكل ورق الجدران في غرفة نوم بيتا.
إن تدوين مدخل جديد في "سجلات السيد شادو" كل ليلة قبل النوم يمثل لها واحدة من أعظم مباهج الحياة، أعادها دوي انفجار بعيد إلى أرض الواقع.
"هل هذه ديلتا...؟ لقد بدأت المعزوفة الليلية. لنذهب يا بيتا"
"أ.. أجل! أنا قادمة!"
حشرت بيتا دفتر الملاحظات في صدرها مجدداً واندفعت خلفه، وبالطبع كان شادو غير واعٍ تماماً بأنها فعلت أي شيء من هذا القبيل في المقام الأول.
"إيييك... ما خطبك بحق الجحيم؟ ما هذا الذي أنت عليه؟ لم نفعل شيئاً لنستحق هذا!"
بحر من الدماء.
هذا هو الوضع هنا، وهناك رجل يصرخ في وسطه.
لقد جاء الأمر دون سابق إنذار، ودون أي تحذير أو إيضاح للأسباب، اقتحم الجدار وبدأ مجزرته.
ومع ذلك، سقط رجل آخر ضحية لنصل السيف الأسود.
لا أحد يريد القتال؛ كل ما يبتغيه الرجال هو الفرار السريع لا غير، لكنه كان يغلق المخرج الوحيد.
"ما الذي فعلناه لك لتعاملنا هكذا؟! لا شيء، أليس كذلك؟!"
التفت نحو الرجل وبدأ يقهقه.
"إيييك...!"
من خلف قناعه الأسود القاتم، ضحك بخبث وضراوة.
"النـ.. النجدة...!" تلفظ بها بصعوبة.
شُق جسده من المنتصف، من أعلى جمجمته وصولاً إلى أسفل بطنه. تفجرت الدماء من كل جانب وسقط النصفان يمنة ويسرة.
وبينما غمر جسده في الدماء، التقط القطرات الساقطة برقة. قد تملك مظهر امرأة، لكن طباعها طباع شيطان، وعندما لاحظت وجود غنائم قليلة في المكان، مدت سلاحها، ليتطاول نصلها الأسود.
ودون مبالغة، امتد السيف حرفياً لمسافة كافية لتحطيم الجدار.
وبتأرجحة واحدة قوية...
"تـ.. توقف...!!"
...دمرت البناية وكل ما فيها.
"لقد بدأت"
من فوق برج الساعة، راقبت قزمة (إلف) فاتنة الدمار الشامل وسقوط البناية، لقد بدا الأمر أشبه بعبث تقريباً.
كانت النسمات تداعب خصلات شعرها الذهبية الطويلة التي تتلألأ في عتمة الليل.
تنهدت وهي تهز رأسها قائلة: "آه، ديلتا... إنها تبالغ دائماً في الأمور"
لكنها لا تستطيع إبطال ما حدث بالفعل، نظرت ألفا إلى العاصمة من أعلى البرج.
بدأت العاصمة بأكملها تتحرك بهياج صاخب، كل شيء انطلق كما خُطط له، ومعظم الانتباه اتجه نحو ديلتا التي قطعت البناية إرباً للتو.
"يجب أن أعترف ديلتا لقد سهلت البدء للآخرين..."
لو كان بإمكانها تجاهل الضحايا، لاعترفت بأن تحركات ديلتا كانت استثنائية.
وهمست قائلة: "أظن أنه يجب عليّ التحرك أيضاً".
أخفت ألفا وجهها خلف قناع شديد السواد.
*هناك جلبة تحدث في الخارج*
فتحت أليكسيا عينيها للمرة الأولى منذ ساعات.
الأشخاص الوحيدون الذين يدخلون الغرفة هم حاضنة ومساعد، والرجل ذو الرداء الأبيض، مما لم يترك لأليكسيا شيئاً تفعله سوى النوم على الطاولة نفسها التي تقيد يديها وقدميها، لم يزعج أي من أليكسيا أو المسخ الآخر، مما يعني أنهما ينسجمان جيداً.
تكثف الصخب واشتد، مشيراً إلى وجود نوع من الصراع خلف حدود هذه الغرفة.
ابتسمت أليكسيا متوقعة أن يتم إنقاذها.
وتمتمت بلا سبب محدد: "أتساءل عما إذا كانوا سيقتحمون الجدار بشكل درامي مثير"
يبدو أن التوتر بدأ ينال منها، ورغم أنها تعلم أن الأمر بلا جدوى، إلا أنها هزت السلاسل التي تقيدها.
"أنا آسفة لأنني أيقظتك"
رفع المسخ بجانبها رأسه.
"لكنني أظن أن من الأفضل البقاء مستيقظاً. لا تريد أن تفوتك هذه المتعة"
تعلم أليكسيا أنه لن يجيبها، لكنها تحدثت إليه على أي حال؛ فالملل يمكن أن يترك آثاراً غريبة على العقل.
استغرق الأمر بعض الوقت قبل أن يتردد صدى صوت مفتاح يفتح الباب في أنحاء الغرفة بطريقة مضطربة ومرتبكة.
"سحقاً، سحقاً، سحقاً!!" اندفع الرجل ذو الرداء الأبيض إلى داخل الغرفة.
"يوم سعيد لك أيضاً"
"لقد كنتُ قريباً جداً! قريباً جداً!!" تجاهل أليكسيا التي كانت تستمتع بوضوح بكل هذا.
"أولئك الأوغاد... إنهم هنا!! هذه هي النهاية! النهاية...!"
أخبرته أليكسيا قائلة: "استسلم، فالمقاومة بلا جدوى، إذا فككت قيودي الآن، سأطلب منهم أن يبقوا على حياتك"
وأضافت بصوت خافت: "لكن دون ضمانات"
"أو.. أولئك الهمج لن يتركوني وشأني أبداً...!! سـ.. سيقتلون الجميع... الجميع!!"
"فرقة الفرسان لا تقتل دون سبب. إذا لم تقاوم وذهبت بهدوء، فلن يسلبوا حياتك"
لكن صوتاً في داخل عقلها رنّ قائلاً: بلى، سيفعلون.
"فرقة الفرسان؟ أنا لا أهتم لأمرهم اللعين! الـ.. المسوخ سيقتلون الجميع، الجميع، أنا أقول لكِ هذا!!"
"أنت لا تتحدث عن فرقة الفرسان؟"
إذن عن من؟ لا يمكن لأليكسيا أن تتخيل أحداً آخر، ولكن من ناحية أخرى، هي تعلم أنه من المحتمل تماماً أن يكون قد فقد عقله كلياً.
"في كلتا الحالتين، هذه هي النهاية بالنسبة لك، سلّم نفسك"
"لا، لا، لا، لا، لا!! لـ.. ليس قبل أن يكتمل الأمر!!"
أخذ الرجل ذو الرداء الأبيض يربت على رأسه بجنون وحول عينيه المحتقنتين بالدم نحو المسخ.
"لـ.. لقد صنعتُ نموذجاً أولياً. إِ.. إذا استخدمتُ هذا، فحتى حثالة عديمة الفائدة مثلك قد تصبح مفيدة"
دفع بالجهاز المزود بالحقنة ضد ذراع المسخ.
حذرته أليكسيا بنبرة بدت جادة للغاية: "لا ينبغي لك فعل ذلك. لا ينتابني شعور جيد حيال هذا الأمر"
لكنه بالطبع تجاهلها تماماً، وغرس الإبرة في ذراعه وحقنه بسائل مجهول.
"اِ.. انظري! سأمنحكِ لمحة عن ديابلوس!!"
"أوه، كم هذا مثير"
بدأ المسخ ينتفخ، وتضخمت عضلاته أمام أعينهما، وحتى بنيته الهيكلية بدأت تتمدد، ذراعه اليمنى التي كانت طويلة وسميكة، تحورت إلى هيئة خبيثة ومشؤومة، ونبتت من أطراف أصابعه أظافر بطول ساقي إنسان، أما ذراعه اليسرى فبدت وكأنها تمسك بشيء ما وظلت ملتصقة بجسده.
وأطلق صرخة حادة وعالية الطبقة.
"مـ.. مذهل! عجيب!!"
"هذا... أمر مفاجئ"
لكن السلاسل لم تستطع تحمل النمو السريع للمسخ فتقطعت من تلقاء نفسها.
"لقد أخبرتكَ أن هذه فكرة سيئة".
*طاخ! (صوت سحق)*
ولم يُمنح الرجل ذو الرداء الأبيض حتى فرصة لإطلاق صرخة احتضار أخيرة قبل أن تسحقه ذراع المسخ اليمنى.
"حسناً إذن".
التقت أعين أليكسيا والمسخ.
راحت تدرس تحركاته؛ يداها وقدماها مقيدتان، مما يعني أنه لا يوجد الكثير مما يمكنها فعله، لكنها تستطيع التحرك قليلاً. بالإضافة إلى ذلك، هي لا تطيق فكرة الموت نتيجة لخطأ أحمق آخر.
أرجح المسخ ذراعه اليمنى.
انحرفت أليكسيا مبتعدة عن المسار قدر استطاعتها. طالما أن إصاباتها ليست قاتلة، يمكنها النجاة...!
"—... غو!"
لقد تجنب أليكسيا وحطم الطاولة التي تقيدها تماماً. وقذفتها قوة الارتطام نحو الجدار، حيث تلوت من الألم.
"آوغ...!"
ولكن لم تكن هناك عظام مكسورة أو جروح ظاهرة، وما زالت قادرة على التحرك. وبعد أن تفقدت نفسها للتأكد من عدم وجود إصابات، نهضت سريعاً على قدميها.
لكن المسخ كان قد اختفى، تاركاً خلفه طاولة محطمة وجداراً مهدماً.
"هل... أنقذني حقاً...؟"
حتى لو لم تنحرف مبتعدة، لم تكن ذراعه قريبة أبداً من إصابتها. ومما يعني هذا... كلا، مستحيل. ربما أخطأ الهدف فحسب.
"حسنًا، على أي حال".
انتشلت أليكسيا المفاتيح من جثة الرجل وفكت قيودها السحرية. ومع هذا، عاد سحرها ليتدفق بحرية، تمددت مرة واحدة لتليين عضلاتها، ثم توجهت عبر الجدار الذي دمره المسخ.
كان هناك ممر طويل خافت الإضاءة يمتد أمامها، وتتناثر على الأرض أكوام من الجنود الذين تعرضوا للدعس.
"سآخذ هذا".
استعارت أليكسيا سيفاً من "الميثريل" من إحدى الجثث؛ كان واهياً، لكنه سيفي بالغرض.
وعندما قطعت الممر وانعطفت عند الزاوية، رأت شخصاً ما.
"لا يمكنني السماح لكِ بالمغادرة بمفردكِ"
"أ.. أنت. ما الذي يأتيك إلى هنا...؟" اتسعت عينا أليكسيا من الخوف.
ما الذي يحدث في العالم بحق الجحيم؟
تطاير شعر إيريس الأحمر خلفها وهي تندفع عبر العاصمة في وقت متأخر من الليل.
قيل لها إن بناية قد دُمرت، في بادئ الأمر ظنت أنها أساءت سماع الخبر، ولكن بينما كانت إيريس تركض نحو المدينة غير مصدقة تماماً، واصل مرؤوسوها تلقي التقرير تلو الآخر.
هناك العديد من الكمائن التي تحدث في العاصمة في وقت واحد.
لم يستغرق الأمر طويلاً لتصل إلى هذا الاستنتاج، لكن لم يكن هناك أي رابط منطقي يربط بين المواقع المختلفة التي تعرضت للهجوم: شركات، مستودعات، مطاعم، منازل خاصة للنبلاء... لا بد أن الجرائم مدبرة مسبقاً، لكنها لم تستطع تحديد الهدف.
ومع ذلك، كانت العاصمة تهتز صخباً.
تم استنفار فرقة الفرسان في حالة طوارئ قصوى، وبدأوا في إخلاء القادة البارزين، ورغم تأخر الوقت فتح السكان نوافذهم لاستطلاع ما يحدث، ولم يكن عدد المتفرجين في الخارج قليلاً، صرخت إيريس في وجه السكان المتجولين تأمرهم بالعودة إلى منازلهم، وأسرعت إلى مكان الحادث.
شيء غريب يحدث؛ هذا لا يعد بأي حال من الأحوال حادثاً عادياً.
استطاعت إيريس استشعار ذلك.
وفي تلك اللحظة بالذات، وصلت صرخة إلى مسامعها:
"و.. وحش!! النجدة...!!"
كانت تلك صيحات من فرقة الفرسان، ولم تكن بعيدة جداً.
غيرت إيريس اتجاهها وانطلقت مسرعة نحو صرخات الاستغاثة، وعندما انعطفت عند زاوية زقاق خلفي يؤدي إلى الطريق الرئيسي، رصدت الوحش.
إنه مسخ ضخم وقبيح.
وبتأرجحة واحدة من أظافر يده اليمنى الهائلة الملطخة بالدماء، حول الفرسان إلى أكوام من اللحم.
تمتمت إيريس وهي تندفع نحوه: "ما هذا؟"، ثم صاحت: "تراجعوا!".
وبحركة واحدة سلسة، لمع نصلها المستل في الظلام وهو يشق صدر المسخ.
وشطره تماماً إلى نصفين.
لقد قطعت جسده الضخم بضربة واحدة حاسمة.
نادت إيريس فرقة الفرسان: "هل تأذيتم؟"، ونسيت أمر المسخ تماماً وهو يسقط ببطء على الأرض.
"الأميرة إيريس، لقد أنقذتنا!"
"هذه هي أميرتنا! لقد صرعت الوحش بضربة واحدة!"
كان الرجال بخير، وتقريباً جميع الجنود لم يمسسهم سوء؛ حسناً، أولئك الذين نجوا على الأقل.
"الوحش قتل ثمانية من رجالنا".
ضربة واحدة كانت كفيلة بالإطاحة بهم.
ارتجفت عيناها ذات اللون الأحمر الخمري حزناً عندما وقعتا على الجثث البشعة.
"اجمعوا الجثث وعودوا. أرجو إبلاغ الملازم أن..."
"الأميرة إيريس!" صرخ أحد الفرسان فجأة.
كان واقفاً هناك، مشيراً إلى شيء ما خلفها، وحاول الفرسان الآخرون رفع أصواتهم المكتومة.
"ماذا...؟!"
استدارت إيريس وضربت دون أن تفقد إيقاعها.
اصطدم سيفها بالذراع اليمنى للمسخ.
"تباً...!"
لوهلة، بدا الأمر وكأن إيريس قد هُزمت حتى أطلقت بسرعة كمية هائلة من السحر الذي نسف ذراعه القوية بفعالية. ومن هناك، غاصت في صدره، وبترت ساقه، وقفزت إلى الوراء للاستعداد لهجوم مضاد.
وفي الثانية التالية، أرجح الوحش ذراعه اليمنى حيث كانت إيريس تقف، واقتنص بضع خصلات من شعرها الأحمر الطويل.
"هل يتجدد...؟"
الاختفاء التام للإصابات الناتجة عن الشق الكلي، والجرح الجديد في ساقه بدأ يلتئم.
"غير معقول... كيف يمكنه التجدد وقد شقته الأميرة إيريس إلى نصفين...؟"
"هذا لا يمكن أن يكون..."
نادت إيريس الفرسان المهتزين وهي تصد هجومه التالي: "ابقوا في الخلف".
كانت تحركاته سريعة، قوية، وثقيلة— لكنها بدائية خالية من المهارة.
"إنه مجرد مسخ في النهاية".
ردت إيريس بقسوة وضراوة: قطعت ذراعه إلى قطع، وبترت ساقيه، وأطاحت برأسه، وتوالت الضربات المتتابعة على المسخ، وكأنها تسخر قائلة حاول التجدد بعد كل هذا.
لم تسمح له بالرد، وكانت هي الوحيدة التي تهاجم.
"هل ما زال يلتئم؟"
لكن المسخ نجا، وفي اللحظة الوجيزة التي أوقفت فيها إيريس هجومها، استعاد هيئته وأطاح بها بعيداً بذراعه اليمنى.
ثم أطلق صرخة مدوية في سماء الليل.
وكأنما رداً على ذلك، بدأ المطر يهطل من السماء الخالية من القمر، بدأ رذاذاً خفيفاً لكنه سرعان ما تحول إلى سيل جارف، وارتفع بخار أبيض حيث أصابت القطرات دماء المسخ.
"قد يستغرق هذا بعض الوقت..."
عدلت إيريس وقفتها، مستعدة لقتال طويل.
لم تكن تظن أنها ستخسر؛ وحتى الآن، لم يخطر ببالها قط أنها قد تواجه الهزيمة. لكن يبدو أن هذه المعركة ستتطلب مزيداً من الوقت.
جهّزت إيريس سيفها، وعندما انتهى الوحش من التئامه، اندفعت نحوه.
وفي اللحظة التالية، طار سيفها مطاحاً به من يديها، مصحوباً بصوت رنين حاد، وأحدث الارتطام شعوراً بالوخز والتنميل في ذراعها.
رمقت الدخيل المفاجئ بنظرة حادة، متجاهلة حقيقة أن سيفها الحبيب يدور مقذوفاً في المدى. ألقى القادم الجديد نظرة عليها.
حدق كلاهما في الآخر، وكان أول من كسر الصمت هو الدخيل.
"لماذا لا ترين أنه يتألم؟"
الضيف غير المدعو كان فتاة ترتدي بدلة سوداء داكنة.
لم تستطع إيريس رؤية وجهها لكنها لاحظت أن صوتها يبدو يافعاً.
أبقت إيريس بحذر كلّاً من الدخيل والمسخ في مرمى بصرها وسألت: "من أنتِ؟"
وبعد أن نطقت بكلمة واحدة: "ألفا"، أدارت الفتاة ظهرها لإيريس وكأنها فقدت الاهتمام بالمحادثة.
"مهلاً، ما الذي تخططين لفعله؟ إذا كنتِ تنوين الوقوف في وجه فرقة الفرسان، فلن نتساهل مع..."
قاطعتها ألفا قائلة: "الوقوف في وجه...؟"، وضحكت باستهزاء وهي تواجه الاتجاه الآخر بعيداً عن إيريس.
"ما المضحك في الأمر؟"
"الوقوف في وجه... أظن أن هذه قد تكون الكلمة الأكثر سخافة في العالم، إن الوقوف في وجه جاهل لا معنى له"
"عذراً...؟!"
بدأ سحر إيريس يتضخم، متحولاً إلى موجة هائلة جرفت المطر بعيداً وصنعت هبات رياح عنيفة.
لكن ألفا لم تلتفت حتى نحو اتجاهها، وظلت واقفة هناك دون أن تتأثر، وظلها ما زال ممتداً ليرى ظهرها.
ونطقت قبل أن تقترب من المسخ: "العبي دوركِ المحدد كمتفرجة وأبقي عينيكِ على المسرح. لا تزعجي عرضنا"
بدت من الخلف مهيبة للغاية، وكانت قد نسيت أمر إيريس تماماً بالفعل.
"هل ناديتِني للتو بالمتفرجة...؟" قبضت إيريس على يديها اللتين تملأهما قشعريرة الوخز وهي ترمق ألفا بنظرة حادة.
وقالت ألفا وهي تسير نحو الوحش: "مسكين، لا بد أن هذا كان مؤلماً... لم يعد هناك مزيد من الألم، ولا مزيد من الحزن"
مدت ألفا سيفها الأسود القاتم ليصبح أطول من جسدها بالكامل.
"لا داعي للبكاء بعد الآن".
ثم، بخطوة إلى الأمام، شقت المسخ إلى نصفين.
لم يملك أحد الوقت لتبادل أي ردة فعل.
ولم يكن بوسع إيريس والمسخ سوى المشاهدة بينما تشطره ألفا إلى نصفين؛ بدا كل شيء متعلق بالأمر طبيعياً للغاية، ولم تكن هناك أي نزعة دموية، وكأن هذا هو الحل المنطقي الوحيد.
تحطم جسد الوحش الضخم على الأرض، وارتفع دخان أبيض من الجسد الهامد بينما ينكمش تدريجياً ليصل إلى حجم فتاة صغيرة. وسقط خنجر من يدها اليسرى.
كان هناك فص أحمر مرصع فيه، إلى جانب نقش على مقبضه: *إلى ابنتي الحبيبة، ميليا*.
"أرجو... أن تنالي السلام في حياتكِ القادمة".
ومع تلك الكلمات، تلاشت ألفا داخل الدخَان الأبيض.
تردد صدى دوي رعد في المدى، وتجمدت إيريس في مكانها مذهولة، بينما راحت قطرات المطر تنساب على شعرها وتهطل على وجهها.
كانت ترتجف، لكنها لم تكن تدري لماذا.
تمتمت إيريس: "أليكسيا..."، فقد استشعرت أن أختها الصغيرة تقع في قلب هذه الفوضى، وهذا الحدس دفعها للتقدم إلى الأمام.
"أليكسيا، أرجو أن تكوني بخير..."
التقطت إيريس سيفها وبدأت في الركض، بينما استمرت العاصفة في الهياج.
"لـ.. لماذا أنت هنا؟"
عندما انعطفت أليكسيا عند الزاوية، رأت وجهاً مألوفاً للغاية.
"لأن هذه المنشأة تابعة لي، هذا هو السبب. لقد استثمرتُ آلاف الزيني في ذلك الرجل، وهذا كل ما في الأمر".
طفحت الثقة من الابتسامة المرتسمة على وجه ذلك الأشقر الوسيم؛ إنه المعلم "زينون".
"من الجيد معرفة ذلك. لقد ظننتُ دائماً أنك تعاني خطباً ما في رأسك، ويبدو أنني كنتُ على حق".
تراجعت أليكسيا خطوة إلى الوراء ثم خطوتين؛ كان هناك درج خلفها، وخمنت أنه خيارها الأفضل للهرب.
"هه، فكري بما تشائين. لكنني لا أمانع طالما أنني أملك دماءكِ"
"كل ما يتحدث عنه الجميع هنا هو الدماء، هل هذه منشأة أبحاث لمصاصي الدماء؟"
"إذا كان هذا ما ترغبين في تفكيره، فهو كذلك تقريباً"
"تجاوز الشرح، فأنا لستُ مهتمة بالعلوم الغامضة"
"هذا متوقع"
"أنا واثقة أنك مدرك للأمر، لكن فرقة الفرسان ستكون هنا في أي لحظة، هذه هي النهاية بالنسبة لك"
"النهاية؟ ما الذي أملكه ويمكن أن ينتهي أصلاً؟"
ظل زينون يبتسم ب أريحية.
"لقبُك وسمعتُك سيتحطمان، ومن الواضح أنه سيُحكم عليك بالموت، سأكون سعيدة بإسقاط المقصلة على عنقك".
"أنتِ بعيدة عن الصواب، أنا وأنتِ سنهرب عبر طريق سري"
"يا له من عرض رومانسي، لسوء الحظ أنني لا أطيقك"
"أنتِ قادمة معي، بفضل أبحاثه ودمائكِ، أنا مقدر لي أن أنال المقعد الثاني عشر في 'فرسان الطاولة المستديرة' وسأودع منصبي عديم الفائدة كمعلم"
"الطاولة المستديرة؟ هل هذه مجموعة للمجانين؟"
"فرسان الطاولة المستديرة هم تجمع لاثني عشر فارساً متفوقاً من طائفتي، ونيل العضوية يمنحني رتبة، وشرفاً، وثروة لا يمكنكِ تصديقها أبداً، لقد اعترفوا بقوتي بالفعل وكل ما ينقصني هو الخبرة، لكن أبحاثي حول دمائكِ كفيلة بإصلاح ذلك تماماً"
بسط زينون ذراعيه بشكل درامي وأطلق قهقهة عالية.
تمتمت أليكسيا: "أياً يكن، لقد سئمتُ من كل حديث الدماء هذا فحسب"
"لقد كنتُ أفضل الأميرة إيريس، ولكن يبدو أنه سيتعين عليّ الرضا بكِ"
"سوف أقتلك"
"أوه، معذرة منكِ. لقد نسيتُ أنكِ تكرهين مقارنتكِ بأختكِ"
"—... غو!"
أعلنت تأرجحة قوية من سيف أليكسيا بدء معركتهما؛ فقد اتجهت مباشرة نحو الوريد العنقي.
"أوه، كم هذا مخيف". صد زينون هجومها في اللحظة الأخيرة ومنع الضربة التالية.
تطاير الشرر إثر اصطدام النصلين.
وبالحكم على هذه المناوشة بمجرد الطريقة التي يرقص بها سيفاهما في الهواء، قد يميل المرء إلى القول بأن مهاراتهما متكافئة.
لكن حاملي السيفين كانا يحملان تعابير مختلفة تماماً؛ فقد كانت أليكسيا ترمقه بنظرة غاضبة ممتلئة بالغيظ، في حين كان زينون يرتدي ابتسامة مسترخية.
وكانت أليكسيا هي من تشتعل غضباً، وتملكتها خيبة الأمل، فقرعت لسانها بوقاحة وتراجعت إلى الوراء.
"لقد بدأتِ في استخدام سيوف رديئة في اللحظة التي توقفتُ فيها عن رؤيتكِ".
ثبّت زينون نظره على سلاحها، فرمقته بنظرة ممتلئة بالألم، لم تكن المعركة قد بدأت سوى للتو، ومع ذلك كان نصلها مليئاً بالثغرات والكسور التي لا تحصى.
قالت أليكسيا وهي تبتلع غصتها وتثبت في وقفتها: "يقولون إن اختيار السلاح لا يهم الخبراء"
سخر زينون قائلاً: "أرى ذلك، إذا كنا نتحدث عن الخبراء، فأنا واثق أن هذا صحيح لكنكِ مجرد هاوية عادية، وبصفتي معلماً للمبارزة أنا أضمن لكِ هذا"
امتعض وجه أليكسيا بشكل ملحوظ. ولوهلة، بدا وكأن رغبتها في البكاء قد غُرقت في بحر من الغضب الخالص.
"راقبني فقط، وعندها يمكنك أن تقول ما إذا كنتَ تعتقد حقاً أنني عادية"
ومع تلك الكلمات، اندفعت نحوه بكل ما أوتيت من طاقة.
كانت أليكسيا تعلم؛ تعلم تمام العلم أنها ليست قوية بما يكفي لهزيمة زينون، وأن سلاحها الواهي لن يصمد طويلاً. لكن أليكسيا لم تقضِ كل تلك الأيام في التدريب ورأسها في الغيوم.
ففي سعيها لتصبح بقوة أختها، أدركت نقاط ضعفها وعملت بجد لتعويضها. لقد راقبت أسلوب أختها في المبارزة أكثر من أي شخص آخر، وكان بمقدورها تصور كل حركة بدقة متناهية لا تشوبها شائبة.
ولهذا السبب، كان من السهل عليها محاكاته.
"هاااااه!!" كانت تلك ضربة تذكر بضربات أختها الهجومية.
"غـ...!"
وللمرة الأولى، تلاشت ابتسامة زينون. فالنسق السيف الذي صده كان مشحوناً بالسحر.
اشتبك السيفان بعنف وارتدا عن بعضهما.
كانا متكافئين...
كلا، بل ربما كانت أليكسيا أقوى بقليل.
خُطَّ خط أحمر على خد زينون. وبدا عليه الذهول الواضح وهو يتأمل الدماء التي يمسحها عن خده.
"أنا مذهول"
ولم يكن هناك أي معنى خفي وراء كلماته.
"لم يكن لدي أي فكرة عن أنكِ تخفين قوتكِ".
أمال زينون كف يده، وراح يتفحصها وكأنه يتأكد من لون دمائه.
"سأجعلك تندم على استخفافك بي"
ضحك زينون ساخراً: "بفتت، لقد فوجئتُ بالتأكيد، ولكنكِ مجرد تقليد رديء في نهاية المطاف. ما زال أمامكِ طريق طويل لتصبحي النسخة الحقيقية"، وهز رأسه.
"أنت تبحث عن حتفك"
"بما أننا كلينا هنا، دعيني أذيقكِ طعم قوتي الحقيقية" جهّز زينون سيفه.
"... غو!"
تبدل الهواء المحيط عندما اتخذ سحر زينون طابعاً أكثر حدة وعمقاً.
"دعيني أخبركِ بشيء واحد؛ لم يسبق لي أن أظهرتُ قواي الحقيقية لشخص غريب، أنا على وشك أن أريك مهارات مبارز حقيقي... من الجيل القادم لفارسان الطاولة المستديرة!".
نبض الهواء من حولهما.
"هذا..."
لم يكن هذا الهجوم في نفس مستوى ما سبقه أبداً.
لم ترَ أليكسيا قط هجوماً تكمن وراءه كل هذه القوة.
كانت مهاراتهما مختلفة بشكل ميؤوس منه، تماماً كالفرق بين العبقري والبليد، بل إنه قد ينافس أختها الكبرى.
ولم تكن أليكسيا تملك الوسيلة للدفاع عن نفسها ضد القوة التدميرية للنصل المقترب، كانت ردة فعلها لا إرادية، شيئاً أصبح جزءاً منها بعد سنوات طويلة من التدريب.
لم يحدث أي ارتطام.
اشتبك السيفان، فتحول سلاح أليكسيا إلى جزيئات متطايرة من الغبار. وشعرت وكأنها تراقب شظايا الميثريل المتلألئة وهي تمر بجانبها من مكان بعيد.
مكان بعيد جداً عن هنا.
طفحت في مخيلتها ذكريات طفولتها، تلك الأوقات التي كان فيها أرجحة سيفها لا يجلب سوى البهجة الخالصة.
كانت أختها دائماً إلى جانبها، وهذه ذكرى بعيدة كان ينبغي أن تتلاشى منذ زمن طويل.
"لن تكوني أبداً بجودة أختكِ".
سقطت دمعة واحدة من عين أليكسيا.
"أنتِ قادمة معي".
سقط المقبض الهزيل الذي كان يوماً سيفاً من يدها، ليرتطم بالأرض برنين معدني جاف.
صدر صوت من بيت الدرج خلف زينون.
*تك، تك، تك.*
هناك شخص ما ينزل السلالم.
*تك، تك، تك، تك*
عندما انقطع الصوت، ظهر أمامهم رجل يرتدي عباءة، متشحاً بالسواد تماماً، كان غطاء رأسه مرفوعاً ويضع قناع.
خطا الرجل إلى الأمام بهدوء، وتوقف على بعد خطوة واحدة خارج نطاق أسلحتهم.
"الرجل المتشح بالسواد... إذن أنت هو الكلب الشارد الذي يجرؤ على النيل من الجماعة"
لمعت نظرة حادة في عيني زينون وهو يرمق الدخيل بنظرة ثاقبة.
"اسمي شادو. أنا أترصد في الظلام، وأصطاد الظلال..." كان صوته عميقاً ومظلماً كأعماق الهاوية.
"فهمت. يبدو أنك تملك غطرسة مفرطة إثر تدمير منشآتنا الصغيرة، لكنك لم تصرع بعد مقاتلاً واحداً من مقاتلينا الرئيسيين. أنت مجرد جبان يستقوي على الضعفاء"
بدا أن الرجل الذي يدعو نفسه شادو على خلاف مع زينون، كان هذا خبراً ساراً لأليكسيا، لكنها لم تظن أن هذا الرجل حليف لها.
"لا يهم من أو ما نختار تدميره. فكل شيء سواء"
"أنت مخطئ تماماً للأسف. الجيش الرئيسي للجماعة هنا واليوم، سأصطادك بيدي العاريتين؛ هذا هو قدرك"
وجه زينون سيفه نحو شادو.
"أنا زينون غريفي، الشخص التالي الذي سيشغل المقعد الثاني عشر لفارسان الطاولة المستديرة، وسيكون سلب حياتك هو إنجازي لأجلهم"
ومع تلك الكلمات، أطلق زينون هجوماً عاصفاً نحو شادو.
لكن شادو كان قد اختفى، ليشق زينون الفراغ في الهواء.
"ماذا بحق...؟!"
وفي اللحظة التالية، كان شادو واقفاً خلفه؛ ولم يستغرق الأمر سوى ثانية واحدة ليتخذ هذا الموقف.
لم يستطع زينون الحراك.
وكأنما فقد زينون إدراكه للوقت، جمّد سيفه— بل وحبس أنفاسه— ليركز كل ذرة من طاقته على الرجل الواقف خلفه.
لم يتحرك أحد.
هذا صحيح؛ فقد كان شادو يقف ظهراً لظهر مع زينون، واضعاً يديه متقاطعتين فوق صدره.
ونطق بجملة واحدة: "إذن... أين القوات الرئيسية للجماعة؟"
امتعض وجه زينون بذل ومهانة، ثم وجه ضربة ناصفة إلى الأسفل من فوق كتفه.
لكن لم يكن هناك أحد.
"محال...!"
سمع زينون حفيف عباءة تمزق الهواء، فالتفت إلى الوراء ليجد شادو واقفاً في المكان نفسه الذي ظهر فيه في البداية، وكأن شيئاً لم يتغير.
حتى أليكسيا فقدت تتبع شادو تماماً وهي تراقب من جانباً. إن لم تكن هذه خدعة سحرية أو حيلة خفية، فستعتبره عقلاً مدبراً... كلا، إنه أقوى من ذلك بكثير.
كبح زينون إحباطه واستدار ببطء.
"يبدو أنني استخففتُ بقوتك قليلاً. صحيح أنك دمرت القواعد الصغيرة فقط، لكنها كانت عدة قواعد"
هذه المرة، شحن زينون سحرَهُ بقوة أكبر وهو يبقي عينه على شادو، وتموج الهواء المحيط من فرط هذه القوة؛ كان هذا الهجوم أكثر ضراوة بكثير من تلك الضربة التي حطمت سيف أليكسيا.
كان شادو بالتأكيد محارباً استثنائياً، لكن زينون كان أشد بأساً من المقاتل العادي، فقد كان طفلاً عبقرياً ذاع صيته يوماً بعد يوم، وكبر ليفوز بالعديد من البطولات وارتقى السلالم ليصبح مبارزاً فذاً، لا يوجد فارس في البلاد لا يعرف اسم زينون غريفي.
"سأريك قوة الشخص الذي سينضم إلى فرسان الطاولة المستديرة في الدورة القادمة"
سريع جداً...! كادت أليكسيا تلاحق سيف زينون بعينيها بصعوبة.
شق الطيف المتبقي من النصل العاري الهواء، متجهاً مباشرة نحو عنق شادو.
"هذه حركة حادة..."
وفي مكان ما أثناء ذلك، رفع شادو سيفه الأسود وصد هجوم زينون دون أدنى مجهود.
"غـو...!"
تلاحم الاثنان في مكانهما، وحاول زينون الضغط بكل قوته لينتزع الفوز، لكن شادو تراجع إلى الوراء، مستغلاً اندفاع المبارز ليقذف به بعيداً.
"هه...!"
وقبل ثوانٍ من ارتطامه بالجدار، تمكن زينون بالكاد من الشقلبة على الأرض وإعادة ضبط وضعية سيفه، لكنه لم يستطع إخفاء قلقه واضطرابه.
لم يتحرك أي منهما.
اختار شادو ألا يتحرك، في حين أن زينون لم يكن قادراً على الحراك؛ وشعر كما لو أن جسده بالكامل يخضع للسيطرة.
"ظننتُ أنك ستضربني، يا سيد 'فرسان الطاولة المستديرة القادم'"
"نـغـغ...!"
احمرّ وجه زينون ب غيظ حارق؛ فقد كان محبطاً من خصمه، ولكنه كان أكثر إحباطاً من نفسه.
عوى زينون قائلاً: "كفى ى ى هذاااا!!" وهو ينفذ هجوماً كاسحاً.
كانت طعناته المندفعة إلى الأمام ثاقبة كالعاصفة الهوجاء.
وكانت ضرباته المتتالية ضارية كالنار المستعرة.
لكن لم تصب أي منها الهدف.
"آآآآآآآغغغغغ!!"
بدا زئيره الشرس أجوفاً؛ وكأن رجلاً بالغاً يتدرب مع طفل صغير.
وقعت أليكسيا في صدمة ذهول وهي تراقب هذا القتال؛ إذ لم ترَ زينون يكشف عن هذا الجانب من نفسه قط من قبل. لقد نزع عن وجهه ابتسامته الهادئة وقناع النزاهة، وبدا الأمر وكأن السيطرة قد خرجت من يده تماماً.
إن أقوى شخص تعرفه أليكسيا هي أختها الكبرى، ومع ذلك، لا تظن أليكسيا أن أختها قادرة على سحق زينون بهذا الشكل المهين.
*كلانغ، كلانغ، كلانغ (صوت رنين السيوف).*
تردد صدى الصوت الضئيل الناتج عن اشتباك نصليهما في المكان، وبدا غريباً وغير متناسب مع الحدث؛ فقد كان تماماً كصوت تدريب خفيف.
ورسم النصل الأسود ونظيره الأبيض مسارات حركتهما في الهواء.
تسمر نظر أليكسيا على جلسة التدريب المحاكية هذه، مأخوذة بالسيف الأسود؛ وهناك سبب لم يستطع جعل عينيها تحيدان عنه.
"مبارزة عادية..."
إن الهيئة الواقفة أمام أليكسيا تقاتل بالطريقة نفسها التي تقاتل بها هي.
عندما كانت أليكسيا طفلة، كان لديها تصورها الخاص للمبارزة المثالية؛ فالأمر لا يتعلق بالموهبة، القوة، أو السرعة، بل بالبناء انطلاقاً من الأساسيات.
ومع ذلك، استمر الآخرون في مقارنتها بأختها والسخرية منها لكونها عادية، مما جعل أليكسيا تشعر وكأنها تائهة وفقدت اتجاهها في الحياة.
ولكن على الرغم من كل معاناتها، لم تستسلم أليكسيا قط.
وها هي ذا قد شهدت للتو هذه التحركات غير البارزة وهي تصرع العبقري زينون غريفي.
تمتمت بإعجاب: "مذهل...".
وبمشاهدتها لهذا، استطاعت رؤية الدرب الذي سلكه في حياته؛ فقد كان نتيجة مباشرة لجهوده الجادة والثابتة التي لا تلين.
ربما كان لأخت أليكسيا الفكرة نفسها.
"إيريس..."
شعرت أليكسيا أنها فهمت أخيراً كلمات أختها منذ زمن بعيد.
"غـاغ... تـ.. تباً...!"
انهال نصل شادو بالضرب على زينون، وتلقى من الضربات ما تجاوز القدرة على العد.
تلاحقت أنفاس زينون بصعوبة وهو يرمق شادو بنظرة حادة؛ ولم تكن عيناه المستشيطتان غضباً قد تقبلتا الواقع بعد.
"أ.. أيها الوغد! أرني من تكون...! لماذا تخفي هويتك وأنت تمتلك كل هذه القوة؟"
إن من هم في مثل قوة شادو يملكون الثروة والاحترام في متناول أيديهم— مع إمكانية أن يصبحوا معروفين على مستوى العالم.
لكن لا أحد يعرف شيئاً عن أسلوب شادو في المبارزة؛ وحتى لو أخفى وجهه، فإن أولئك المحظوظين بما يكفي لإلقاء نظرة خاطفة على طريقة قتاله لن ينسوها أبداً.
لكن هذه كانت المرة الأولى التي يرى فيها زينون أو أليكسيا مثل هذه المبارزة الظاهراتية الفائقة.
"نحن حديقة الظلال. نترصد في الظلام، ونصطاد الظلال. هذا هو السبب الوحيد لوجودنا..."
"أنت فاقد لعقلك...!"
تبادل زينون وشادو النظرات.
استُبعدت أليكسيا تماماً من هذا الحوار؛ فهي لا تعلم لِمَ يتقاتلان، أو ما الذي يحاولان تحقيقه.
الدماء، المسخ، الجماعة... كلمات مفتاحية كثيرة علقت في ذهنها، لكن أليكسيا لا تفقه لها معنى، بدا كل هذا بالنسبة إليها أشبه بهذيان رجل مجنون.
ولكن ماذا لو؟ ماذا لو لم يكن الأمر مجرد ترهات؟ ماذا لو كان هناك شيء يدور خلف الكواليس لا علم لأليكسيا به؟
"حسناً. إذا كنتَ مستعداً لتصبح جاداً، فيبدو أنه سيتعين عليّ الاستجابة لرغبتك"
أخرج زينون حبة دواء من جيب صدره.
"بهذه الحبة، سوف أستيقظ وأتجاوز كل الحدود البشرية، إن الإنسان العادي سينكسر تحت وطأة هذه القوة ويدمر نفسه في النهاية، لكن الأمر مختلف بالنسبة لأعضاء الطاولة المستديرة؛ فوحدهم أولئك القادرون على التحكم في هذه القوة التدميرية يملكون امتياز الانضمام إلينا"
ابتلع زينون الحبة.
"أنا المستيقظ الثالث".
بدأت جروح زينون تلتئم في لمحة بصر؛ فاشتدت عضلاته، واحتقنت عيناه بالدماء، وبرزت شعيراته الدموية، وبدا وكأنه يُسحق تحت وطأة قوة هائلة، تفاخر زينون قائلاً وهو يستعيد ابتسامته الهادئة: "سأريك القوة المطلقة"
بهيئته الحالية، لم يكن هناك أدنى شك في أن زينون بات أقوى من الأميرة إيريس.
ظنت أليكسيا أن زينون أصبح الكائن الأقوى في العالم وتراجعت بيأس... أو بالأحرى، كان هذا ما ستشعر به لو لم تشهد مبارزة شادو.
لكنها لم تعد ترى هيئة زينون الحالية الأقوى على الإطلاق، بل اعتبرتها شيئاً آخر تماماً.
"كم هذا قبيح..."
"هذا قبيح..."
تطابق صوتا أليكسيا وشادو؛ فكلاهما يسعى وراء نوع الأسلوب القتالي نفسه، ولهذا شاركا الشعور ذاته.
زالت ابتسامة زينون وقال: "هل ناديتِني للتو بالقبيح؟"
"لا تدع تلك الهيئة المزرية بالقوة المطلقة؛ فهذا وصمة عار في حق من يملكونها حقاً"
"أيها اللعين"
"بقوة مستعارة، لن تسلك أبداً درب القوة المطلقة"
كانت هذه المرة الأولى في هذه المعركة التي يكثف فيها شادو سحره، فبالكاد استخدمه حتى الآن، وكان سحره دقيقاً للغاية بشكل استثنائي لدرجة استحال معها إدراكه،
ولكن ما هذا؟
تجلى هذا التدفق السحري في هيئة أشعة ضوئية ذات لون أزرق بنفسجي؛ مئات من الخيوط فائقة النحافة التي شكلت نمطاً باهراً وهي تلف نفسها حول شادو كالشرايين.
تمتمت أليكسيا وهي مأخوذة بهذا المشهد: "إنه جميل...".
ولم تكن تتأمل جمال الأضواء، بل الدقة المتناهية لسحره.
صُدم زينون مجدداً وقال: "ما هذا...؟".
فلم يسبق لأحد أن شكّل مثل هذا الجمال من خلال السحر.
"سأريك القوة المطلقة الحقيقية... وأحفرها في ذهنك إلى الأبد".
تجمع السحر في النصل الأسود ورسم نمط حلزوني ضخم، وواصل شادو تركيز قوته.
بدا وكأن ذلك الحلزون سيبتلع كل شيء بالكامل.
وامتص السلاح الأسود قوة مرعبة.
اتخذ شادو وضعية الطعن بسيفه و
قال: "هذا أنا في ذروتي".
ولم تكن هذه الوضعية إلا للإطاحة بالعدو وسحقه.
"تـ.. توقـ..."
هل كانت الأرض ترتجف؟ أم الهواء؟ أم زينون نفسه؟
كلا، بل كان كل شيء.
كل شيء كان يتموج صخباً.
لاحظت أليكسيا أنها ترتجف هي الأخرى؛ ولم يكن ذلك رعباً، بل بهجة.
تلك هي الوجهة النهائية.
تلك... المبارزة هي الأقوى.
"راقب جيداً..."
ومض النصل الأسود بالضياء، وتراجع إلى الخلف...
"التقنية الأسمى: أنا الذري (I AM ATOMIC)"
...ثم انطلق.
تلاشى كل صوت في الوجود.
اندفع سيل من الضوء عابراً بجانب أليكسيا وابتلع جسد زينون بالكامل، لقد تغلغل في كل شيء، ملتخماً الجدران والأرض، قبل أن ينفجر صاعداً نحو سماء الليل.
ثم دَوى الانفجار.
وبينما كانت أنماط الضوء تُحفر في سماء الليل، اكتست العاصمة بأكملها بمسحة من اللون الأزرق البنفسجي، ومن مسافة بعيدة لا تخطر على بال، تموجت العصف المتأخر للانفجار عبر المدينة، جارفاً معه غيوم المطر، ومزلزلاً الأرض والمساكن الخاصة، قبل أن يمضي في سبيله.
ولم يتبقَ سوى قمر كامل وسماء ليلية بديعة مرصعة بالنجوم.
تبخر زينون تماماً، ولم يترك خلفه حتى ذرة غبار واحدة، وعصفت الفجوة الضخمة عبر الجدار ممتدة إلى ما فوق سطح الأرض.
وعندها... فتح شادو عباءته واختفى في جوف الليل.
ذات مرة... كان هناك رجل يتحدى القوة النووية، ويدرب جسده وعقله لصقل تقنياته.
لكن الأمر ظل بعيداً جداً عن متناوله.
وبعد ساعات طويلة من التدريب المضني، عثر أخيراً على الإجابة.
سؤاله: كيف يمكنني الصمود في وجه الطاقة النووية؟
الجواب: بأن أصبح أنا الطاقة النووية نفسها.
ومن هنا، ولدت التقنية الباطنية اللامعة "أنا الذري"؛ وقوتها بالتأكيد تضاهي سلاحاً من أسلحة الدمار الشامل!
كم من الوقت تجمّد فيه الزمن؟ فجأة لاحظت أليكسيا شخصاً يناديها.
"أليكسيا... أليكسيا...!"
يلهث ذلك الشخص مستجمعاً أنفاسه ويصرخ من مكان بعيد؛ وصوته كان مألوفاً لديها على الفور.
صرخت أليكسيا: "إيريس... إيريس...!"، واندفعت خارجة عبر الفجوة الضخمة في الجدار نحو الخارج.
أسرعت إيريس نحوها: "أليكسيا! أليكسيا!!".
"إيريس... أنا— أنا... غو".
احُتضنت أليكسيا قبل أن تتمكن من إخبار أختها بأنها لم تصب بأذى، كانت إيريس مبتلة من رأسها حتى أخمص قدميها، وبدا جسدها بارداً ودافئاً في آن واحد.
"أنا سعيدة جداً لأنكِ بخير... أنا حقاً كذلك"
غمرت إيريس أختها بحضن دافئ وشدّت عليها.
وبشيء من التردد، لفت أليكسيا ذراعيها حول ظهر إيريس.
"أنا آسفة، لا بد أنني باردة".
هزت أليكسيا رأسها مدفونة في صدر أختها، بينما راحت الدموع تتدفق من عينيها دون توقف.
وقف طالبان على السطح في بداية الصيف؛ أحدهما فتاة جذابة بشعر فضي مائل للبياض، والآخر فتى عادي بشعر أسود.
قالت الفتاة: "لقد حُلّت هذه الحادثة على السطح، لكن يمكنني استشعار شيء يلوح في الأفق خلف الكواليس. إيريس تستعد لإرسال لواء خاص، وأنا أخطط لمساعدتها. لذا، نحن ما زلنا في البداية فحسب"
أضاف الفتى: "كل شيء بالاعتدال"
"ومعنى هذا أنه قد تم تبرئتك من التهم. لقد جرفتكِ حقاً إلى تلك الفوضى"
"لا تقلقي بشأن ذلك"
مرت هبة ريح بينهما، فتموجت تنورتها لتكشف عن ساقيها البيضاوين.
"الطقس حار كالجحيم هنا في الخارج. هل يمكننا الدخول؟"
كانت شمس الظهيرة تضرب فوقهما، وامتد ظلان من تحت أقدامهما، بينما كان يمكن سماع أصوات زيز الحصاد (السيكادا) البعيدة وهي تزقزق.
"انتظر. هناك شيئان يجب أن أقولهما"
"هنا؟"
أكدت قائلة وهي تضيق عينيها وتنظر إلى السماء الزرقاء: "هنا. أولاً، أريد أن أقدم لك شكري. لقد قلتَ إنك أحببت مبارزتي، أليس كذلك؟ حسناً، أعلم أنني متأخرة لكنني أقدر ذلك حقاً"
"لا مشكلة"
"لقد أحببتها أخيراً، ولكن هذا ليس بفضلك"
"هل كان عليكِ حقاً إقحام ذلك الجزء الأخير؟"
"إنها الحقيقة"
تلاقت أعينهما، وكان هو أول من شاح بنظره بعيداً.
"على أي حال، إذا كنتِ قد تعلمتِ أن تحبي مبارزتكِ، فهذا يبدو أمراً جيداً بالنسبة لي"
ابتسمت الفتاة: "أجل، هو كذلك"
"إذن ما هو الشيء الثاني؟"
"لقد تظاهرنا بالمواعدة حتى الآن، لكن المعلم زينون مات في تلك الحادثة"
"ومعنى هذا أنني تحررتُ من واجباتي"
"ولكن لدي اقتراح واحد". بدت الفتاة غير مرتاحة بعض الشيء وهي تبحث عن الكلمات المناسبة.
"إذا كنتَ موافقاً..." زاغت عيناها الحمراوان قليلاً، وانخفض صوتها بشكل طفيف جداً: "ربما يمكننا الاستمرار في هذا لفترة أطول قليلاً؟"
ابتسم الفتى في وجهها بإشراق.
وأجابها وهو يرفع إصبعه الأوسط في وجهها مستهزئاً: "لا، شكراً"
استلت الفتاة سيفها بحركة واحدة سلسة.
في تلك الليلة، اكتشف أحد الطلاب بركة ضخمة من الدماء على السطح.
وعلى الرغم من الكمية الشنيعة، لم تكن هناك جثة في الجوار، وحتى عندما حقق الطلاب وسلطات المدرسة في الأمر، لم يكن هناك جرحى أو مفقودون، ولم تُحل القضية أبداً.
ولاحقاً، دُعيت هذه بـ "حادثة القتل بلا جثة" واعتُبرت واحدة من عجائب المدرسة السبع.
في أحد الأيام، ودون سابق إنذار، سألت أليكسيا أختها الكبرى سؤالاً غريباً.
"هل يمكنكِ إخباري بأي نوع من الاعتذار يضمن الغفران؟"
قطبت إيريس حاجبيها عندما سمعت السؤال.
ما الذي تتوقعه مني؟ قالت لأليكسيا الأمر البديهي: "لا وجود لمثل هذا الشيء".
وهذا من البديهيات، لكن كل ذلك دخل من أذن أختها الساخطة وخرج من الأخرى.
تذمرت أليكسيا وهي تشيح بوجهها: "أنا أكره الاعتذار من الأساس"، وعند هذه النقطة رفعت إيريس الراية البيضاء واكتفت بهذا القدر ليومها.
لكن إيريس اشتعلت بشعور بالواجب لفعل شيء يساعد أختها.
ومما فهمته، فإن أختها الحمقاء قد أزعجت شخصاً مقرباً منها؛ والمشكلة أنها لم تعوضه عن ذلك بعد.
أدركت إيريس أن هذه هي المرة الأولى التي تسألها فيها أختها عن كيفية الاعتذار.
فأليكسيا تقول دائماً "آسفة" عندما تفعل شيئاً خاطئاً؛ وبالطبع، هذا اعتذار سطحي خالٍ من أي مشاعر حقيقية، لكن الآخرين الذين يشاركونها علاقات ضحلة لا يدركون ذلك، وحتى الآن سارت أمور أليكسيا على ما يرام.
ولكن إن كانت تسأل عن كيفية الاعتذار، فهذا يعني أنها لا تشير إلى أحد المعارف المزيفين، بل إلى صديق.
تلك الأخت الصغيرة الخاصة بها قد حظيت بصديق.
انفجر قلب إيريس بالسعادة، مع لمحة من الوحدة، وشعور غامر بالواجب.
لكن إخبار أليكسيا لن يؤدي إلا إلى تمردها. تأملت إيريس هذا الموقف طوال الليل ولكنها في النهاية لم تتوصل إلى حل جيد.
كبداية للأمر، إيريس مباشرة جداً في حديثها، لكنها لم تكن تملك أي لباقة اجتماعية، على العكس من أليكسيا التي لم تكن تحب مواجهة الآخرين.
وحتى لو اقترحت إيريس شيئاً، فهي تعلم أن أليكسيا لن تُعيرها اهتماماً، بل ستقول شيئاً من قبيل: "ينتابني قشعريرة من فرط عدم الارتياح"،
وتكون تلك هي النهاية، لقد كانت الأختان بكل ما تحمله الكلمة من معنى نقيضين فِطريين.
لهذا السبب، قررت إيريس الاعتماد على إشاعة معينة.
وفي يوم نادر حظيت فيه الأختان بوقت فراغ، دعت إيريس أليكسيا إلى متجر كبير كان حديث المدينة.
سألت أليكسيا: "إيريس، ما هذا المكان؟".
"يُدعى ميتسوجوشي (Mitsugoshi). أظن أنه صيحة العصر في العاصمة، لقد سمعتُ أنهم يبيعون بعض الحلوى اللذيذة"
علّقت أليكسيا ببرود وبدا عليها عدم الاهتمام: "حلوى؟ أنا لا أكره ذلك، ولكن..."
أصيبت إيريس بالذعر عندما رأت تعابير وجه أختها: "هـ.. مهلاً، لقد سمعتُ أن الفتيات يعشقن هذه الحلوى الجديدة التي تُدعى الشوكولاتة. ربما تودين تقديمها كهدية لشخص ما!"
رمقت أليكسيا إيريس بنظرة باردة.
تابعت إيريس وهي تحاول جاهدة رسم ابتسامة بدا مظهرها مثيراً للشفقة: "عـ.. على سبيل المثال، صديق جديد. أراهن أن هذا سيسعده"
كانت إيريس سيئة للغاية في التلميح بالأشياء.
قالت أليكسيا وبدا عليها الضجر الشديد: "حسناً، فهمتُ الفكرة. فلندخل إذن. مهلاً، لا يمكننا الدخول بعد، انظري فقط إلى الطابور"
فقد تجمعت حشود أمام متجر ميتسوجوشي، متلوية في طابور طويل بهياج مفرط.
وأضافت أليكسيا: "سنسبب لهم المزيد من الإزعاج إذا وقفنا فيه"
وكأنما جاء الأمر في وقته تماماً، اقترب منهما أحد الموظفين على الفور.
"الأميرة إيريس والأميرة أليكسيا. شكراً لكما على الحضور. مرحباً بكما"
انحنت المرأة التي ترتدي زياً أزرق بأدب وقادت الأختين إلى الداخل، وأظهرت نظرة سريعة حولهما أن الأميرتين قد جذبتا الكثير من انتباه الحشود.
أومأت إيريس قائلة: "أرى ذلك"، بينما تنهدت أليكسيا في وجه أختها.
مرتا بالمتاجر المكتظة قبل أن يتم اصطحابهما إلى زاوية هادئة من المركز التجاري. ووفقاً لمرشدتهما ذات الشعر البني الداكن، فقد أخذتهما إلى بوتيك خاص بزبائنهم الأكثر شرفاً.
وجدت الأميرتان أن الديكور البسيط والأنيق للبوتيك كان منعشاً، خاصة وأنهما معتادتان على التصاميم والزخارف المزخرفة، وكل منتج جديد وفريد من نوعه كان يضفي بريقاً على عيني أليكسيا اللتين كانتا غير مباليتين قبل قليل.
ظهرت أمامهما 'الف' (جن) مذهلة ذات شعر أزرق.
"شكراً لكم على صبركم. أنا لونا، رئيسة شركة ميتسوجوشي المحدودة، إليكما منتجنا الجديد الشوكولاتة"
وُضعت قطعة بنية اللون، بحجم القضم، أمام إيريس ثم أليكسيا.
"هذه تُدعى شوكولاتة الترافل (chocolate truffle). لقد طرحناها للتو في السوق"
"ترافل...؟"
علّقت أليكسيا بنبرة غير مبالية: "مظهرها لا يبدو شهياً للغاية"
قاطعتها إيريس على الفور محاولة إصلاح ما أفسدته أختها: "ولـ.. لكن لها رائحة زكية"
ردت لونا بابتسامة واثقة: "إذا أردتما، تفضلا بتذوق عينة"
"يا للروعة، شكراً لكِ"
"بما أنكِ تصرين".
وفي اللحظة التي وضعتا فيها العينات في فمهما، أشرقت تفاصيل وجهيهما.
"هذا... حلو جداً، تركيبة نكهة معقدة أشعر وكأنني أستطيع تناول دزينة منها"
"اللمسات المرة تبرز حلاوتها، إنها ناعمة وغنية ورائحتها زكية، سآخذها"
اشترت إيريس واحدة من كل شيء، بطبيعة الحال، والمثير للدهشة أن أليكسيا حذت حذوها، ورتب متجر ميتسوجوشي لتوصيل البضائع مباشرة إلى القلعة؛ فحتى خدمتهم كانت استثنائية.
"أليكسيا، ألا ينبغي لكِ أن تطلبي منهم تغليفها كهدية؟"
"لا داعي لذلك"
"أوه، حسناً"
اقتربت لونا من الثنائي وهما تستعدان للمغادرة.
"هل تودان الاطلاع على بعض منتجاتنا الأخرى؟ أنا واثقة أنها ستنال إعجابكما"
"حسنًا..."
لم تكن الفتيات ينوين البقاء طويلاً، لكنهن شعرن بفضول شديد لرؤية المعروضات الأخرى من الشركة التي طورت الشوكولاتة— وكان هذا كافياً لإثارة اهتمام أليكسيا.
"أجل، من فضلكِ"
"رائع"
وبكلمة سريعة لموظفيها، قدمت لونا منتجاً تلو الآخر— وليس الحلوى فحسب؛ فقد كان لديهم شاي، خمور، إكسسوارات، سلع يومية، أطعمة فاخرة ومحفوظة... كل شيء كان يفيض بمزايا مبتكرة وساحرة، كانت المنتجات تجبر رزم المال على الخروج من محافظهم بشكل غير متوقع.
ثم وُضعت قطعة من القماش أمامهما.
"ما هذا...؟" أمالت أليكسيا رأسها، وهي تقرص المادة السوداء المصنوعة من الدانتيل بين إصبعين.
قدمت لونا السلعة بابتسامة: "واحدة من سراويلنا الداخلية المخصصة للنساء"
"ملابس داخلية"
"حقاً...؟"
تفحصت إيريس وأليكسيا الثوب الأسود المصمم على شكل حرف T والمطرز بالدانتيل الأبيض.
كان بمقدورهما معرفة أنها ملابس داخلية عندما نظرتا إليها عن قرب، لكن حجم القماش بدا صغيراً للغاية. ستكون أردافهما مكشوفة تماماً إذا ارتدتا هذا السروال، بالإضافة إلى أن بعض الأجزاء كانت شفافة.
"نحن نسميها جي-سترينغ (G-strings)".
شغلت القشعريرة جسد إيريس وانكمشت من التصميم الذي يخفي أقل قدر ممكن: "جي.. جي-سترينغ؟"
وفي حين كان مظهره لطيفاً، إلا أن الغاية منه كانت مبتذلة للغاية بالنسبة لإيريس لتحملها.
*هـ-هل ينبغي حتى السماح بوجود هذه السراويل؟*
"أما بالنسبة للسادة، فيبدو أنهم يحبونها كثيراً"
انتصبت أذن أليكسيا لاهتمام.
"إيريس..."
"أليكسيا، لا يمكنكِ أن تكوني جادة...؟"
"أنا واثقة من شكل اردافيّ"
تلعثمت إيريس: "لـ-ليست هذه هي المشكلة!!"
ما الذي تقوله هذه الفتاة المجنونة؟!
"أررجججوووكِ لا ترتدي هذا! لا ينبغي لأميرة أبداً أن ترتدي ملابس فاضحة!"
"أنا واثقة من شكل اردافيّ"
"لقد قلتِ ذلك بالفعل! هذا غير لائق! غير وارد! أنا أمنعه!"
قالت لونا: "يمكنكِ تجربته، إذا أردتِ"
أوقفت إيريس نفسها في اللحظة الأخيرة من الصراخ في وجه لونا لتلتفت إلى شؤونها الخاصة.
ردت أليكسيا: "أجل، من فضلكِ"
وعارضتها إيريس: "لا تفعلي هذا!"
"تعالي يا إيريس، أنا فقط أجربه"
"أجل، هذا واضح! أعني، أنتِ تضعين نفسكِ في موقف يضطركِ لشرائه! ستتظاهرين بالتردد، ثم ستذهبين وتشترينه على أي حال، أنا أعرف كيف تسير هذه الأمور!"
قرعت أليكسيا لسانها ب غيظ رداً على ذلك.
وقفت لونا وقالت: "سموّكِ، أرجو ألا يكون هناك أي سوء تفاهم حول منتجنا، السراويل الداخلية (G-strings) صُنعت للنساء في الواقع، أنا أرتدي النموذج نفسه الآن".
أدارت لونا ظهرها لهما، وتثبتت نظرات الثنائي على مؤخرتها المتناسقة تحت فستانها الأسود الضيق.
"انظرا. على الرغم من أن فستاني رقيق، إلا أنه لا يمكنكما رؤية خطوط سروالي الداخلي"
"أ.. أنتِ على حق".
فخطوط الملابس الداخلية تكون مرئية دائماً تحت الأقمشة الخفيفة؛ وهناك فتيات يرفضن ارتداء الملابس الداخلية في المناسبات الرسمية لمنع ظهورها.
لكن هذا السروال الخيطي يزيل تلك المشكلة؛ فلا يمكن رصده تحت الملابس.
"هل ترتدينه حقاً...؟"
سألت لونا وهي ترفع فستانها ببطء لتكشف عن فخذيها الحليبيين: "هل تودان رؤيته؟"
"أ-أنا بخير! (لا داعي)"
ابتسمت لونا بإغراء وأنزلت فستانها: "أنا أمزح فقط، هل تودين تجربته، على الأقل؟"
"أجل"
"طـ-طالما أنكِ ترين فقط كيف يبدو..."
تتبع الثنائي لونا إلى غرفة قياس واسعة.
راقبت إيريس بتوتر أليكسيا وهي تخلع سروالاً داخلياً وتفرغ الآخر بابتهاج.
رفعت أليكسيا تنورتها حتى خصرها وسحبت سروالها الأبيض لأسفل، تاركة إياه يسقط عند كاحليها قبل أن ترفع قدماً ثم الأخرى. وبعد تعليقه على خطاف على جدار غرفة القياس، بسطت السروال الخيطي أمامها.
لاحظت إيريس وبدا عليها الذهول التام: "إنه شفاف عملياً...".
غرّدت أليكسيا ب مرح: "يبدو جيد التهوية بالنسبة لي"
انحنت أليكسيا للأمام ورفعت قدمها اليمنى، ساحبة السروال الخيطي لأعلى ساق ثم الأخرى. ورفعته تحت تنورتها وأمالت رأسها بفضول.
علّقت أليكسيا: "شعوره غريب نوعاً ما..."
عجزت إيريس عن التعبير عندما رأت أختها ترفع تنورتها لأعلى.
تحولت رؤية إيريس إلى بياض تام: "هذا..."
"سموّكِ، لقد ارتديتِهِ بالمقلوب".
ردت أليكسيا على لونا وهي تخلع السروال الداخلي وترتديه بالطريقة الصحيحة، تاركة أختها المذهولة وشأنها: "أوه، هذا يفسر الأمر"
"أوه، شعوره رائع"
"أجل، إنه مصنوع من قماشنا الجديد الثمين"
ركلت أليكسيا بقدمها لأعلى، ثم قرفصت، وباعدت بين ساقيها لتجربته.
"إيريس، انظري إلى هذا"
أعاد ذلك إيريس إلى أرض الواقع.
"انظري". رفعت أليكسيا تنورتها لتكشف عن مؤخرة مثالية الشكل مكشوفة بالكامل تقريباً.
توهجت بشرتها البيضاء الرقيقة في ضوء غرفة القياس. وهزت أليكسيا خصرها بمرح، فتهادت أردافها.
"تـ-توقفي عن هذا السلوك المخزي فوراً!"
وأضافت لونا: "وأرأيتِ؟ لا توجد خطوط سروال مرئية"
عندما أنزلت أليكسيا تنورتها، لم تتمكن إيريس من رؤيتها بالتأكيد.
"وتفقدي الجانب الأمامي، إنه لطيف للغاية".
رفعت أليكسيا تنورتها مجدداً، ملتفتة نحو إيريس. كان التصميم لطيفاً، لكنه كان...
"أ-أ-أليكسيا، إنه شفاف تماماً..."
"إنه يخفي ما يكفي".
رددت إيريس في عقلها ثلاث مرات: *ليس كافياً، ليس كافياً، ليس كافياً*.
"سأأخذ ثلاثة من هذا وجميع الألوان الأخرى"
"شكراً لكِ على تعاملكِ معنا"
استفاقت إيريس من ذهولها وصاحت: "لا يمكنكِ ذلك! أنا أمنعه تماماً!! تـ-تلك الملابس الداخلية فاضحة جداً بالنسبة للأميرات الملكيات لـ 'ميدغار' أنا ببساطة لن أسمح بذلك!!"
"إيريس...!".
"أأأأأببداً، أبداً، على الإطلاق!!"
"ولكنه مجرد سروال داخلي!!"
حدق الثنائي في بعضهما ب غيظ، وكادت لونا ترى البخار يخرج من آذانهما.
"حسناً"
"أليكسيا، لقد عدتِ إلى رُشدكِ"
"تعلمين، أنا أريد الاستماع إليكِ. لقد كنتُ دائماً أنساق وراء كلمات لا معنى لها وأفقد رؤية ما يهم، مثل ذلك الوقت الذي أخبرتِني فيه أنكِ أحببتِ مبارزتي"
ومع بقاء سروالها الشفاف معروضاً بالكامل، أبقت أليكسيا عينيها الدافئتين على إيريس.
"أجل، أنا أذكر ذلك"
"مبارزتي هي رمز لحياتي الصغيرة غير ذات الأهمية، لهذا السبب أريد الاستماع إلى أولئك الذين يتقبلون هذا الجزء مني"
"أليكسيا..." تأثرت إيريس لدرجة الارتجاف، لقد أصبحتا أخيراً على الموجة نفسها.
"إذا كنتِ لا تستطيعين تقبل السراويل الداخلية، فلن أشتريها. أنا حقاً، حقاً، حقاً أريد ارتدائها، لكنني لن أفعل إذا كنتِ لا تريدينني أن أفعل. لذا أخبريني: هل أنتِ واثقة تماماً من أن السراويل الداخلية غير مقبولة؟" ثبّتت أليكسيا نظرتها في عيني أختها، وكأنها تلمح جوهر روحها.
ترددت إيريس: "امم، أنا... حسناً، هي ليست مرفوضة تماماً..."
"ليست مرفوضة تماماً؟"
"... كلا"
"إذن سآخذها!"
"شكراً لكِ على الشراء!"
استطاعت إيريس معرفة أنه قد تم التلاعب بها، لكنها ابتسمت وتجاوزت الأمر عندما رأت أختها تبتسم بابتهاج وسعادة غامرة.
~~~~~~~~ نهاية الفصل الثالث ~~~~~~~~
.........................................................
ترجمة وتدقيق: 𝐾𝐴𝑁𝑃𝐸𝐾𝐼_4